ماسك يختبر قدرة سوق الديون على استيعاب طفرة الذكاء الاصطناعي بتمويل 40 مليار دولار

تتجه شركة «سبيس إكس» التابعة لإيلون ماسك إلى جمع 40 مليار دولار لتمويل شراء رقائق الذكاء الاصطناعي من «إنفيديا»، في خطوة تختبر قدرة أسواق الدين على استيعاب موجة جديدة من الاقتراض الضخم، وسط ارتفاع تكاليف التمويل وتزايد حذر المستثمرين.
وتأتي الخطوة بعد أشهر قليلة من جمع الشركة 25 مليار دولار من سوق سندات الشركات الأمريكية، لتسلط الضوء على اتساع احتياجات شركات التكنولوجيا إلى رأس المال في ظل المنافسة المتسارعة على تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
صفقات ماسك تعيد تشكيل أسواق التمويل
أثرت الصفقات الضخمة التي يقودها ماسك في حركة أسواق المال، إذ وفرت أعمال التمويل الكبرى إيرادات مهمة لبنوك الاستثمار، لكنها استحوذت في الوقت نفسه على جانب كبير من السيولة المتاحة.
وفي يونيو 2026، استقطب الطرح العام الأولي لشركة «سبيس إكس» بقيمة 75 مليار دولار اهتمامًا وسيولة ضخمين، وسط تقديرات بأنه أسهم في تأجيل الطرحين المحتملين لشركتي «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي». ومع تزايد حجم الصفقات المطروحة، تواجه الشركات الكبرى منافسة أشد على جذب أموال المستثمرين.
وسبق أن ترك استحواذ ماسك على منصة «تويتر» عام 2022 أثرًا طويلًا في سوق التمويل بالديون، بعدما بقيت البنوك لسنوات تحتفظ بقروض تبلغ 13 مليار دولار لتمويل الصفقة، ما ضغط على ميزانياتها وأضعف شهية السوق لمثل هذه العمليات.
وزادت صعوبة الوضع مع ارتفاع تكاليف الاقتراض سريعًا عقب إتمام ترتيبات التمويل، إذ رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة بمقدار 525 نقطة أساس خلال 16 شهرًا.
سوق السندات لا تزال قادرة على استيعاب إصدارات جديدة
رغم الضغوط، لا تشير المعطيات بالضرورة إلى اقتراب نهاية طفرة الاقتراض المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. فما زالت سوق السندات قادرة على استقبال إصدارات إضافية، خاصة بعد سبتمبر الذي شهد هدوءًا غير معتاد في إصدارات الديون المقومة بالدولار من شركات الحوسبة السحابية الكبرى ذات التصنيف الائتماني المرتفع.
وتكشف بيانات «بلومبرغ» أن البنوك تستحوذ على نحو 18% من سوق سندات الشركات الأمريكية البالغة قيمتها 2.3 تريليون دولار، مقابل 10.5% لقطاع التكنولوجيا، وهو ما يشير إلى وجود مساحة أمام شركات التكنولوجيا لزيادة حضورها في السوق.
لكن نجاح إصدار ضخم مثل الإصدار المرتقب لـ«سبيس إكس» سيعتمد على كيفية توزيع آجال الاستحقاق وتسعير السندات بما يتناسب مع شهية المستثمرين.
شركات التكنولوجيا تقلص آجال استحقاق السندات
مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وتزايد تكلفة الاقتراض، بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى تعديل هياكل ديونها، من خلال التركيز على آجال استحقاق أقصر.
وفي أغسطس، أصدرت «ألفابت»، الشركة الأم لـ«جوجل»، ثماني شرائح من السندات بقيمة إجمالية بلغت 8 مليارات دولار، تستحق جميعها خلال خمس سنوات. ويعكس ذلك تحولًا عن توجه الشركة قبل ستة أشهر، حين ركزت إصداراتها على آجال أطول.
وبحسب مجموعة «غولدمان ساكس»، ارتفعت حصة سندات شركات الحوسبة السحابية الكبرى ذات آجال الاستحقاق الأقصر إلى 46% منذ منتصف العام، مقارنة بـ30% خلال النصف الأول منه.
كما تتجه الشركات إلى تنويع مصادر التمويل خارج سوق الدولار، عبر إصدار سندات بعملات أخرى للوصول إلى قاعدة أوسع من المستثمرين. وجمعت «أمازون» 5.7 مليار دولار من أول إصدار لها لسندات مقومة بالجنيه الإسترليني في سبتمبر، في خطوة مشابهة لتحركات «ألفابت».
تمويل مرتفع التكلفة للشركات الأكثر مخاطرة
لا تقتصر التغييرات على الشركات العملاقة، إذ تسعى الشركات الأصغر والأعلى مخاطرة إلى تقديم شروط تمويل أكثر جاذبية للمستثمرين.
ومن الأمثلة على ذلك شركة «فولتا إنفراستركتشر هولدينغز»، العاملة في خدمات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي، التي تعرض قرضًا بقيمة 5 مليارات دولار بعائد يقارب 11%.
ويتضمن القرض سداد أصل الدين على أقساط طوال مدة التمويل، بدلًا من سداده كاملًا عند تاريخ الاستحقاق، كما يحدث عادة في كثير من ديون الشركات. ويعكس هذا الهيكل محاولات المقترضين تكييف شروط التمويل مع متطلبات المستثمرين في بيئة ترتفع فيها المخاطر وتكاليف الاقتراض.
سباق الذكاء الاصطناعي يتحول إلى منافسة على رأس المال
لم تؤدِ زيادة عوائد السندات العالمية حتى الآن إلى وقف اندفاع شركات الذكاء الاصطناعي نحو الاقتراض والتوسع. وفي المقابل، يعمل المصرفيون على تعديل معدلات الفائدة الدورية وشروط الصفقات لتشجيع المستثمرين على المشاركة في الإصدارات الجديدة.
وتزداد أهمية التمويل مع تسارع الشركات الصينية في جمع الأموال خلال الأشهر الأخيرة، ما يضيف ضغطًا تنافسيًا على الشركات الأمريكية لمواصلة الاستثمار في مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وبذلك، لم تعد المنافسة مقتصرة على تطوير النماذج والتقنيات المتقدمة، بل أصبحت القدرة على جمع الأموال والتوسع بسرعة عاملًا مؤثرًا في تحديد الشركات القادرة على مواصلة السباق.
تسعير إصدار «سبيس إكس» سيكون حاسمًا
نظرًا إلى الحجم الكبير للتمويل المستهدف، ستحتاج البنوك التي تتولى ترتيب إصدار «سبيس إكس» إلى هيكلة الصفقة بعناية. ومن الخيارات المطروحة توزيع السندات على آجال استحقاق متنوعة لتسهيل استيعاب السوق لها.
ويظل التسعير عاملًا رئيسيًا أيضًا؛ إذ إن تحديد علاوة عائد منخفضة أكثر من اللازم قد يؤدي إلى تراجع طلبات الاكتتاب بسرعة، ويخلق اضطرابات في السوق، كما أظهرت صفقة «باراماونت سكاي دانس» البالغة قيمتها 52 مليار دولار.
وفي النهاية، يطرح تحرك ماسك اختبارًا جديدًا لقدرة سوق الديون على مواكبة الاحتياجات التمويلية المتزايدة لقطاع الذكاء الاصطناعي.
ومع استمرار الإنفاق على الرقائق ومراكز البيانات، لا تزال طفرة الاقتراض قائمة، وإن كانت تواجه ضغوطًا متزايدة قد تجعل شروط التمويل وجودة تنفيذ الصفقات أكثر أهمية من أي وقت مضى.



