كوريا الشمالية والقنبلة النووية.. 20 عامًا من الاختبارات إلى ترسانة نووية متطورة

بعد مرور عقدين على إجراء أول اختبار نووي لها، نجحت كوريا الشمالية في بناء برنامج نووي عسكري متقدم، رغم العزلة الدولية والعقوبات المفروضة عليها، لتتحول من دولة تسعى إلى امتلاك السلاح النووي إلى قوة نووية يُعتقد أن ترسانتها تضم مئات الأسلحة.
ومنذ اختبارها الأول في أكتوبر/تشرين الأول 2006، واصلت بيونغ يانغ تطوير قدراتها النووية والصاروخية، في وقت كانت تواجه فيه تحديات اقتصادية ومعيشية كبيرة، رغم أن عدد سكانها يبلغ نحو 25 مليون نسمة، بحسب موقع «ذا ناشيونال إنترست».
2006.. الاختبار النووي الأول
في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2006، أجرت كوريا الشمالية أول تجربة تفجيرية لسلاح نووي داخل نفق في منجم بمنطقة بونغيه-ري الجبلية، شمال شرقي البلاد.
وشكلت التجربة محطة فارقة في مساعي بيونغ يانغ الممتدة لعقود لامتلاك الأسلحة النووية، وجعلتها الدولة التاسعة التي تنضم إلى النادي النووي، كما كانت أول دولة تجري اختبارًا نوويًا تفجيريًا فعليًا منذ باكستان عام 1998.
ورغم أن قوة الانفجار قُدرت بنحو كيلوطن واحد، وهي قوة محدودة نسبيًا، فإن أهمية الاختبار تمثلت في إثبات قدرة كوريا الشمالية على تجاوز مرحلة تطوير البرنامج النووي إلى اختبار سلاح نووي فعليًا.
وأثار الاختبار إدانات دولية واسعة، ودفع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى فرض عقوبات على بيونغ يانغ بموجب القرار رقم 1718.
وفي مرحلة لاحقة، نجحت الجهود الدولية في دفع كوريا الشمالية إلى مسار المفاوضات بشأن نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية، في إطار تفاهم تضمن إبقاء الأسلحة النووية الأمريكية خارج كوريا الجنوبية مقابل تخلي بيونغ يانغ عن برنامجها النووي.
جذور الطموحات النووية الكورية الشمالية
تعود رغبة كوريا الشمالية في امتلاك أسلحة نووية إلى فترة الحرب الكورية، التي خلفت دمارًا واسعًا في شبه الجزيرة وعززت مخاوف بيونغ يانغ من التفوق العسكري الأمريكي.
وخلال الحرب، درست الولايات المتحدة إمكانية استخدام الأسلحة النووية، قبل أن يقيل الرئيس الأمريكي هاري ترومان الجنرال دوغلاس ماك آرثر، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا، بسبب تمسك الأخير بخيارات عسكرية شملت استخدام هذه الأسلحة.
وفي عام 1958، نشرت واشنطن أسلحة نووية في كوريا الجنوبية، وهو ما عزز مخاوف كوريا الشمالية ودفعها إلى التمسك بفكرة امتلاك قدرة نووية خاصة بها.
وبدأت ملامح البرنامج النووي الكوري الشمالي في خمسينيات القرن الماضي، بمساعدة الاتحاد السوفياتي الذي دعم إنشاء برنامج مدني للأبحاث النووية.
وركزت المرحلة الأولى على البحث العلمي واكتساب الخبرات التقنية، قبل أن تتمكن بيونغ يانغ تدريجيًا من بناء قدرات محلية تتيح لها إنتاج مواد نووية يمكن استخدامها في تصنيع الأسلحة.
ورغم أن المساعدة السوفياتية أسهمت في تأسيس البرنامج، فإن موسكو رفضت دعم تطوير برنامج عسكري نووي، ما دفع كوريا الشمالية إلى الاعتماد تدريجيًا على كوادرها المحلية لاكتساب المعرفة والخبرة اللازمتين.
يونغبيون.. نقطة التحول في تطوير البرنامج النووي
شهدت سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تقدمًا ملحوظًا في القدرات النووية لكوريا الشمالية، مع توسيع المنشآت النووية في مجمع يونغبيون، وتركيب مفاعل يعمل بالغرافيت بقدرة كهربائية تبلغ 5 ميغاواط، بدأ تشغيله عام 1986.
وكان المفاعل قادرًا على إنتاج البلوتونيوم داخل الوقود النووي المستهلك، وهي مادة يمكن فصلها كيميائيًا واستخدامها في تصنيع الأسلحة النووية.
كما طورت بيونغ يانغ البنية التحتية اللازمة لإعادة معالجة الوقود النووي، بما وفر لها مسارًا لإنتاج المواد المستخدمة في التفجيرات النووية.
ورغم انضمام كوريا الشمالية إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عام 1985، تصاعدت الخلافات بشأن عمليات التفتيش الدولية، وبدأت الأمم المتحدة تشك في تنفيذ بيونغ يانغ أنشطة نووية غير معلنة.
وبلغت الأزمة ذروتها عام 1993، عندما رفضت كوريا الشمالية عمليات التفتيش وأعلنت انسحابها من المعاهدة، ما دفع إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون إلى دراسة الخيارات العسكرية للتعامل مع الأزمة.
اتفاق التسعينيات.. تهدئة مؤقتة للأزمة
احتُويت الأزمة من خلال ما عُرف باسم «الإطار المتفق عليه بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية»، الذي تعهدت بيونغ يانغ بموجبه تعليق انسحابها من معاهدة عدم الانتشار وتجميد برنامج مفاعلاتها العاملة بالغرافيت.
ولم تكن الضغوط الدولية وحدها وراء التنازلات الكورية الشمالية، إذ لعبت الأوضاع الداخلية دورًا مهمًا في توجه الحكومة إلى تخفيف العقوبات.
فمنذ عام 1994، واجهت البلاد سلسلة من الكوارث الطبيعية وسوء الإدارة الاقتصادية، بالتزامن مع توقف المساعدات القادمة من الاتحاد السوفياتي السابق، ما أدى إلى مجاعة واسعة أودت بحياة مئات الآلاف من الكوريين الشماليين على الأقل.
ودفعت هذه الظروف الحكومة إلى البحث عن سبل لتخفيف الضغوط الاقتصادية، فيما عمل الطرفان خلال بقية التسعينيات على تحسين العلاقات، واتخاذ خطوات تمهيدية نحو تفكيك البرنامج النووي.
لكن التفاهمات لم تنجح في إنهاء الطموحات النووية الكورية الشمالية بصورة دائمة.
2003.. العودة إلى المسار النووي العسكري
تراجعت فرص التسوية عندما طردت كوريا الشمالية المفتشين الدوليين وأعادت تشغيل منشآتها النووية، ثم أعلنت عام 2003 انسحابها من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
كما أبدت بيونغ يانغ عدم استعدادها لاستئناف المفاوضات التي أسفرت خلال التسعينيات عن تعليق قرار الانسحاب وتجميد بعض الأنشطة النووية.
ومهدت هذه التطورات الطريق أمام الاختبار النووي الأول عام 2006، الذي أكد أن كوريا الشمالية قررت المضي قدمًا في برنامجها العسكري رغم العقوبات والضغوط الدولية.
من تجربة محدودة إلى ترسانة متطورة
بعد الاختبار الأول، واصلت كوريا الشمالية تطوير برنامجها النووي، وأجرت خمسة اختبارات نووية إضافية، كان أحدثها في عام 2017.
وبالتوازي مع التجارب، عملت بيونغ يانغ على تطوير رؤوس حربية أكثر قوة وصواريخ باليستية أكثر تقدمًا، ما عزز قدراتها العسكرية ورفع مستوى التحديات الأمنية التي تفرضها على المنطقة والمجتمع الدولي.
وبعد مرور 20 عامًا على أول اختبار نووي، أصبحت كوريا الشمالية تُصنف دولة نووية فعلية، وسط تقديرات تشير إلى أن ترسانتها قد تضم مئات الأسلحة النووية.
وهكذا، انتقلت بيونغ يانغ من برنامج بدأ بأبحاث مدنية بدعم سوفياتي في خمسينيات القرن الماضي إلى امتلاك قدرات نووية عسكرية متقدمة، رغم العقوبات الدولية ومحاولات التفاوض والضغوط الاقتصادية التي استمرت لعقود.



