اقتصاد وتكنولوجيا

قواعد جديدة لتنظيم سوق العقارات في مصر.. المال والخبرة يحددان من يبني

يشهد سوق التطوير العقاري في مصر مرحلة جديدة من إعادة التنظيم، في ظل توجه الدولة إلى تشديد معايير تخصيص الأراضي وربط الحصول عليها بقدرة الشركات على تنفيذ المشروعات والوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء.

وجاءت هذه التحركات بعد النمو الكبير الذي شهده القطاع خلال السنوات العشر الماضية، إذ ارتفع عدد الشركات العاملة في مجال التطوير العقاري من نحو 270 شركة إلى قرابة 15 ألف شركة، بزيادة تجاوزت 5400%.

ورغم أن هذا النمو يعكس توسع النشاط العقاري، فإنه صاحبه ظهور تحديات، من بينها ارتفاع أسعار الوحدات وتأخر بعض الشركات في تسليم المشروعات، ما دفع ملف تنظيم السوق إلى صدارة اهتمامات الدولة.

توجيهات بمراجعة أداء المطورين

وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة بضرورة متابعة مدى التزام شركات التطوير العقاري بالعقود المبرمة مع العملاء ومواعيد تسليم الوحدات، إلى جانب إجراء مراجعة شاملة للعقود مع المطورين.

وبالتزامن مع ذلك، تتجه الدولة إلى تطوير قواعد التعامل مع شركات التطوير العقاري، خاصة فيما يتعلق بتخصيص الأراضي في المدن الجديدة، بهدف التأكد من قدرة الشركات على تنفيذ المشروعات قبل منحها مساحات إضافية.

الملاءة المالية والخبرة شرط للحصول على الأراضي

تركز القواعد الجديدة على مجموعة من المعايير الأساسية عند المفاضلة بين الشركات، أبرزها الخبرة السابقة والملاءة المالية والقدرة على تنفيذ المشروعات.

وتتجه هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة إلى الاعتماد على آليات تنافسية ورقمية في تخصيص الأراضي، تتضمن تقييم الملاءة المالية والخبرة السابقة للشركات قبل إتمام عملية التخصيص.

ويعكس هذا التوجه تغييرًا في قواعد المنافسة، بحيث لا تصبح القدرة على الحصول على الأرض منفصلة عن قدرة الشركة على تطويرها وتنفيذ المشروع على أرض الواقع.

3 قطع أراضٍ حد أقصى للشركات

ومن أبرز الضوابط الجديدة تحديد عدد قطع الأراضي التي يمكن للشركة الحصول عليها، في محاولة للحد من ظاهرة تكديس الأراضي دون تنفيذ المشروعات.

وبحسب القواعد المطروحة، تحصل الشركات التي يقل عمرها عن 3 سنوات على قطعة أرض واحدة، بينما يمكن للشركات القائمة الحصول على 3 قطع أراضٍ كحد أقصى.

ولا يصبح الحصول على قطعة رابعة متاحًا إلا بعد وصول نسبة الإنجاز في المشروعات القائمة إلى 35%.

ويهدف هذا النظام إلى ربط التوسع في محفظة الأراضي بمعدلات التنفيذ الفعلية، بدلًا من السماح للشركات بزيادة حيازاتها من الأراضي دون تقدم ملموس في المشروعات.

الدولار يدخل معادلة الحصول على الأراضي

ولا تقتصر التغييرات على الخبرة والملاءة المالية، إذ أصبح توفير النقد الأجنبي أحد العوامل المرتبطة بمسار الحصول على الأراضي.

وخصصت الدولة مسارًا للأراضي يستهدف الشركات الأجنبية والشركات المصرية التي تتجاوز مساهمة الأجانب فيها 60% من رأس المال، وذلك عبر بوابة الاستثمار الأجنبي.

ويتطلب هذا المسار تحويلات مالية من الخارج لا تقل عن 200 ألف دولار.

ويعكس هذا الشرط هدفًا اقتصاديًا يتمثل في جذب تدفقات فعلية من العملات الأجنبية إلى الاقتصاد المصري، بالتوازي مع تنظيم نشاط التطوير العقاري.

أولوية لكبار المطورين

وتمنح القواعد الجديدة أولوية لكبار المطورين العقاريين، على أن تتدرج المفاضلة بين الشركات وفقًا لآليات السداد ومصادر التمويل.

كما توجد أفضلية للمطورين الذين يسددون مستحقاتهم بالعملة الأجنبية، يليهم المسددون بالجنيه المصري، وفقًا للقواعد المحددة.

وبذلك أصبحت المنافسة على الأراضي تعتمد على مجموعة عوامل، تشمل القدرة المالية، مصدر التمويل، الخبرة، سجل التنفيذ، ونسب الإنجاز، وليس فقط الرغبة في الاستثمار وحجم الطلب على المشروع.

الشركات الصغيرة أمام تحديات جديدة

قد تواجه الشركات حديثة التأسيس أو محدودة الملاءة المالية ضغوطًا أكبر في ظل هذه القواعد، خاصة مع تقييد عدد الأراضي التي يمكنها الحصول عليها وربط التوسع بتحقيق نسب إنجاز محددة.

ومن شأن هذه التغييرات إعادة تشكيل خريطة السوق العقارية المصرية، مع زيادة قدرة الشركات الكبرى على التوسع بفضل إمكاناتها التمويلية وخبرتها في تنفيذ المشروعات.

في المقابل، قد تجد الشركات الأصغر نفسها أمام حاجة أكبر إلى تعزيز رأس المال أو الدخول في شراكات تمكنها من استيفاء شروط المنافسة الجديدة.

قواعد تسبق قانون اتحاد المطورين العقاريين

وتأتي هذه الإجراءات بالتزامن مع الاستعداد لقانون اتحاد المطورين العقاريين المرتقب، والذي من المنتظر أن يضع إطارًا لتصنيف شركات التطوير العقاري وفق معايير تشمل رأس المال والخبرة وسجل التسليم والقدرة على تنفيذ المشروعات.

وبذلك تتجه السوق إلى مرحلة جديدة من تصنيف المطورين بناءً على قدرتهم الفعلية على تنفيذ المشروعات، وليس فقط قدرتهم على دخول السوق أو الحصول على الأراضي.

هل تؤدي القواعد الجديدة إلى خفض أسعار العقارات؟

يبقى تأثير هذه التغييرات على أسعار العقارات في مصر من أبرز التساؤلات المطروحة.

فمن ناحية، يمكن أن يؤدي تشديد شروط تخصيص الأراضي وربط التوسع بالملاءة المالية ونسب الإنجاز إلى تقليل حالات التعثر وتأخر التسليم، ورفع مستوى الانضباط في السوق.

لكن في المقابل، فإن تقليص فرص الشركات الصغيرة والمتوسطة في الحصول على الأراضي قد يؤدي إلى انخفاض عدد المنافسين، وهو ما قد يؤثر في حجم المعروض العقاري.

كما أن ارتفاع تكاليف الأراضي والتمويل قد يضيف مزيدًا من الضغوط على أسعار الوحدات، خصوصًا إذا اتجه المطورون إلى التركيز على المشروعات الأعلى سعرًا لتعويض زيادة تكاليف التطوير.

إعادة تنظيم السوق أمام اختبار الأسعار

وتواجه المنظومة الجديدة تحديًا يتمثل في تحقيق التوازن بين تنظيف السوق من الشركات غير القادرة على التنفيذ والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى مناسب من المعروض العقاري والأسعار.

وفي النهاية، لن يقاس نجاح القواعد الجديدة فقط بعدد الشركات التي تحصل على الأراضي، وإنما بقدرتها على تحسين معدلات التنفيذ والتسليم دون زيادة الضغوط على أسعار العقارات.

فبينما تبحث الدولة عن مطور قادر على البناء والالتزام بمواعيد التسليم، يظل المواطن هو الطرف الأكثر اهتمامًا بنتيجة هذه التغييرات، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة شراء العقارات والحاجة إلى وحدات بأسعار تتناسب مع القدرة الشرائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى