رياضة

قفازات من فولاذ.. قصة الثلاثي التاريخي قاهر ركلات الترجيح في المونديال

في أقصى شمال مقاطعة زادار الكرواتية، يعلو نصب تذكاري يبلغ ارتفاعه 4 أمتار، مكرّس للدوق كنيز برانيمير، الذي أسهم بشكل كبير في ازدهار هذه المنطقة، المعروفة بلقب مهد كرواتيا، خلال القرن التاسع، وبعد أكثر من 1100 عام، وتحت ظل برانيمير وسيفه البرونزي المرفوع، برز من هذه المقاطعة حارسان سطّرا أسماءهما على الساحة العالمية بمداد من ذهب.

ينحدر حارسا المرمى دانييل سوباشيتش ودومينيك ليفاكوفيتش من هذه المنطقة الصغيرة، التي لا يتجاوز عدد سكانها 70 ألف نسمة، ومع الحارس البرتغالي ريكاردو، يشكلون ثلاثيًا نادراً في تاريخ كأس العالم، حيث إنهم الوحيدون على مدار 10 عقود من البطولة الذين تصدوا لـ 3 ركلات ترجيح في مباراة واحدة.

بدأت كتابة هذا الرقم القياسي في مونديال ألمانيا 2006، حينما التقت البرتغال مع إنجلترا في دور الثمانية بمدينة جيلسنكيرشن. ريكاردو، الذي اشتهر بخلع قفازيه في يورو 2004 أمام نفس الخصم، عاد ليصنع التاريخ كأول حارس مرمى يتصدى لـ 3 ركلات ترجيح في مباراة واحدة بالمونديال. بعد 120 دقيقة سلبية، تحول ريكاردو إلى جدار منيع، حيث ذهب يسارًا، ثم يسارًا مجددًا، وأخيرًا إلى اليمين ليمنع فرانك لامبارد وستيفن جيرارد وجيمي كاراجر من التسجيل، قبل أن يطلق كريستيانو رونالدو رصاصة الرحمة مسجلاً الركلة الأخيرة التي منحت البرتغال بطاقة التأهل للمربع الذهبي لأول مرة منذ عام 1966.

بعد 12 عامًا، وفي مونديال روسيا 2018، وتحديداً في نيجني نوفجورود، أعاد الكرواتي دانييل سوباشيتش تجسيد تلك الملحمة في دور الـ 16 أمام الدنمارك. في ليلة شهدت 6 تصديات لركلات الترجيح من الجانبين، حين تفوق سوباشيتش على الدنماركي كاسبر شمايكل.

بدأ سوباشيتش بإنقاذ مذهل لتسديدة كريستيان إريكسن بأطراف أصابعه لترتد من القائم، ثم طار لليمين ليبعد تسديدة لاس شونه، قبل أن يستخدم قدميه في الركلة الخامسة لإيقاف محاولة نيكولاي يورجنسن. وبفضل هذا الصمود، نفذ إيفان راكيتيتش الركلة الأخيرة بنجاح، ممهداً الطريق لكرواتيا نحو أول نهائي مونديالي في تاريخها.

كان دومينيك ليفاكوفيتش الحارس الشاب لمنتخب كرواتيا يراقب هذا الإعجاز من مقاعد البدلاء، ليتعلم كيف يُكتب التاريخ، وبالفعل لم ينتظر طويلاً، ففي مونديال قطر 2022، تحول ليفاكوفيتش من خيار احتياطي إلى البطل الأول لبلاده، في مدينة الوكرة، واجهت كرواتيا اليابان في دور الـ 16، وبعد تعادل بهدف لمثله، احتكم الفريقان لركلات الترجيح. هنا استلهم ليفاكوفيتش روح مسقط رأسه زادار، وتألق ببراعة منقطعة النظير، حيث ارتمى يسارًا ثم يمينًا ثم يمينًا مجددًا، محطماً آمال تاكومي مينامينو وكاورو ميتوما والقائد مايا يوشيدا.

قاد ليفاكوفيتش ببراعته بلاده إلى دور الثمانية للمرة الثانية توالياً، مؤكداً أن مقاطعة زادار الصغيرة أهدت العالم حارسين من أصل 3 حراس فقط امتلكوا “شفرة” التصدي لثلاث ركلات ترجيحية في مباراة واحدة، ليبقى هذا الرقم القياسي صامداً كشاهد على تفوق الموهبة والإرادة في مواجهة أصعب لحظات كرة القدم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى