تقارير

فرنسا تحرك أخطر ملفات الناتو.. من يملأ الفراغ العسكري إذا تراجعت واشنطن؟

كتبت: هدير البحيري

لم تعد التساؤلات الأوروبية حول مستقبل الالتزام العسكري الأمريكي في القارة مجرد نقاشات نظرية أو سيناريوهات بعيدة، بل أصبحت هاجسًا استراتيجيًا يتصدر أجندة العواصم الأوروبية، في ظل مؤشرات متزايدة على توجه واشنطن لإعادة ترتيب أولوياتها العسكرية العالمية.

وفي هذا السياق، جاءت الدعوة الفرنسية الأخيرة للولايات المتحدة بضرورة وضع إطار “منظم ومنسق” لتقليص وجودها العسكري في أوروبا، لتعكس حجم القلق الأوروبي من أن تؤدي القرارات الأمريكية المفاجئة إلى إحداث فراغ أمني يصعب تعويضه على المدى القصير.

مخاوف أوروبية من قرارات أمريكية مفاجئة

أثارت تصريحات نائبة وزير الدفاع الفرنسي، أليس روفو، اهتمامًا واسعًا داخل أروقة حلف شمال الأطلسي، بعدما طالبت واشنطن بإدارة أي عملية لتقليص قواتها في أوروبا بشكل تدريجي ومنسق، بما يضمن عدم إرباك الخطط الدفاعية الأوروبية.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية الأوروبية حالة من عدم اليقين، خاصة بعد الإشارات المتكررة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى ضرورة إعادة توزيع الأعباء العسكرية، والتركيز بشكل أكبر على أولويات استراتيجية أخرى خارج القارة الأوروبية.

وترى باريس أن المشكلة لا تكمن فقط في احتمالية تقليص الوجود العسكري الأمريكي، وإنما في الطريقة التي قد يتم بها هذا التقليص، خصوصًا إذا اتخذت واشنطن قرارات أحادية ومفاجئة دون تنسيق مسبق مع الحلفاء الأوروبيين.

ما الذي تخسره أوروبا إذا تراجع الدور الأمريكي؟

رغم امتلاك الدول الأوروبية قدرات عسكرية متقدمة، فإنها لا تزال تعتمد بدرجات متفاوتة على الولايات المتحدة في عدد من المجالات العسكرية الحيوية، التي يصعب تعويضها سريعًا.

وتشمل هذه القدرات مجالات النقل العسكري الاستراتيجي، والتزود بالوقود جوًا، وأنظمة الاستخبارات والاستطلاع، إضافة إلى القدرات الفضائية والدعم اللوجستي واسع النطاق، وهي عناصر تشكل العمود الفقري للعمليات العسكرية الكبرى لحلف الناتو.

ولهذا، فإن أي انسحاب أمريكي واسع النطاق لا يعني فقط تقليص عدد الجنود على الأرض، بل يطرح تساؤلات أكثر تعقيدًا بشأن قدرة أوروبا على إدارة منظومتها الدفاعية بشكل مستقل.

“نقل الأعباء”.. الشعار الأمريكي الذي يربك الحلفاء

منذ سنوات، تدفع الولايات المتحدة باتجاه ما يعرف بمبدأ “نقل الأعباء”، والذي يقوم على مطالبة الحلفاء الأوروبيين بتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن القارة.

لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذا التحول قد لا يكون مجرد دعوة لزيادة الإنفاق العسكري، بل إعادة صياغة شاملة للعلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة وأوروبا.

فإطلاق وزارة الدفاع الأمريكية مراجعة شاملة للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، إلى جانب القرارات المتباينة بشأن القوات الأمريكية في ألمانيا وبولندا، عزز المخاوف الأوروبية من أن تتحول السياسة الأمريكية إلى عامل إضافي من عوامل عدم الاستقرار داخل الحلف.

فرنسا تدفع نحو “النموذج الأوروبي للدفاع

في المقابل، تحاول فرنسا تقديم تصور مختلف لكيفية إدارة الأمن الأوروبي، يقوم على تعزيز القدرات الذاتية للدول الأوروبية، دون السعي إلى استنساخ النموذج العسكري الأمريكي بالكامل.

ويستشهد المسؤولون الفرنسيون بالنموذج الفنلندي باعتباره مثالًا على إمكانية تحقيق الردع العسكري من خلال قوات أكثر مرونة، تعتمد على الانتشار السريع والتدريبات المشتركة، بدلًا من الوجود العسكري الدائم واسع النطاق.

كما تراهن باريس على تعزيز التعاون الدفاعي الأوروبي داخل إطار حلف الناتو، بما يسمح للدول الأوروبية بتولي مسؤوليات أكبر تدريجيًا، مع الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

هل تستطيع أوروبا ملء الفراغ الأمريكي؟

ورغم الاتفاق داخل حلف الناتو على رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، فإن العديد من التقديرات تشير إلى أن أوروبا لا تزال بحاجة إلى سنوات طويلة لتطوير قدرات مستقلة قادرة على تعويض الدور الأمريكي بالكامل.

كما تكشف النقاشات الجارية داخل الحلف عن تباينات واضحة بين الدول الأوروبية بشأن حجم الإنفاق المطلوب، وطبيعة التهديدات الأمنية، وآليات تقاسم الأعباء الدفاعية.

أوروبا بين هاجس الانسحاب الأمريكي وخيار الاعتماد على الذات

وفي هذا الإطار، يرى مدير تحرير صحيفة “الجمهورية” والمحلل السياسي طلعت طه، في حديث خاص لـ”داي نيوز” أن التحركات الأوروبية الأخيرة تعكس تحولًا تدريجيًا في النظرة إلى التحالف مع الولايات المتحدة، في ظل ما وصفه بتزايد حالة عدم الثقة في السياسات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.

ويشير طه إلى أن العلاقات بين واشنطن وعدد من الدول الأوروبية شهدت توترات متكررة، خاصة في ظل مواقف الرئيس الأمريكي ترامب تجاه حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، معتبرًا أن الخطاب الأمريكي تجاه أوروبا اتسم في كثير من الأحيان بنبرة “فوقية”، عززت من توجه بعض الدول الأوروبية نحو تعزيز قدراتها الذاتية وتقليل الاعتماد على الحماية الأمريكية.

ولفت طه إلى أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة، بما في ذلك الحرب بين إسرائيل وإيران، أعادت طرح تساؤلات داخل أوروبا بشأن فعالية الضمانات الأمنية الأمريكية، ومدى قدرة واشنطن على الحفاظ على دورها التقليدي باعتبارها الضامن الرئيسي للأمن الغربي.

ويرى طه أن عددًا من الدول الأوروبية، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، تمتلك قدرات عسكرية واستخباراتية متقدمة قد تسمح لأوروبا بلعب دور أكثر استقلالية مستقبلًا.

واعتبر طه أن تراجع الاعتماد على الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة تقاربًا استراتيجيًا كاملًا مع روسيا، لكنه قد يدفع بعض الدول الأوروبية إلى إعادة تقييم طبيعة علاقاتها الدولية، في إطار سعيها لتحقيق توازن أكبر في سياساتها الخارجية والأمنية.

كما أشار إلى أن تقليص الوجود العسكري الأمريكي يرتبط بإعادة تقييم واشنطن لجدوى انتشارها العسكري عالميًا، في ظل تحول طبيعة الحروب نحو الاعتماد على التكنولوجيا والاستخبارات والعمليات بعيدة المدى.

وقال طه إن المرحلة الحالية قد تشهد إعادة تشكيل تدريجية للعلاقات الأمنية عبر الأطلسي، مع سعي أوروبا إلى تعزيز استقلاليتها الدفاعية، مع الإبقاء في الوقت نفسه على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

إلى أي مدى تستطيع أوروبا الاستغناء عن المظلة الأمريكية؟

وفي السياق ذاته، يرى رئيس وحدة الدراسات الأوروبية بمركز العرب، الدكتور هاني الجمل أن الدعوة الفرنسية لإعادة النظر في مستقبل الوجود العسكري الأمريكي داخل أوروبا تعكس قناعة متزايدة لدى عدد من العواصم الأوروبية بأن مشروع “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي” أصبح الخيار الأكثر إلحاحًا بالنسبة للقارة.

ويشير الجمل، في حديثه لـ”داي نيوز” إلى أن سياسات ترامب، وما صاحبها من ضغوط على الحلفاء الأوروبيين لزيادة الإنفاق الدفاعي وتحمل تكاليف الدعم العسكري، أحدثت شرخًا ملحوظًا في طبيعة العلاقة التقليدية بين ضفتي الأطلسي.

ويلفت إلى أن الدعوات الأوروبية الأخيرة لرفع الإنفاق العسكري إلى مستويات تتراوح بين 2.5% و5% من الناتج المحلي الإجمالي، تتقاطع مع المطالب الأمريكية السابقة، لكنها تأتي هذه المرة في إطار أوروبي يهدف إلى بناء قدرات دفاعية مستقلة عن الولايات المتحدة وعن حلف شمال الأطلسي.

ويرى الجمل أن الطروحات المتعلقة بإنشاء مشاريع دفاعية أوروبية طموحة، بما فيها تطوير قدرات ردع استراتيجية مشتركة، تعكس توجهًا متناميًا نحو بناء مظلة أمنية أوروبية خاصة.

وفيما يتعلق بقدرة أوروبا على تعويض بعض الأدوار العسكرية والاستراتيجية الأمريكية، يؤكد الجمل أن القارة تمتلك مقومات مهمة، خاصة في مجالات الاستخبارات والدعم اللوجستي، مشيرًا إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية كشفت عن تطور ملحوظ في قدرات التنسيق الأمني والاستخباراتي بين القوى الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها فرنسا وألمانيا.

ويضيف الجمل أن أوروبا تسعى إلى إعادة تموضع علاقاتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط وإفريقيا والخليج، وتقديم نفسها كشريك أمني أكثر حضورًا، مستفيدة من تنامي الصناعات الدفاعية الأوروبية، بما في ذلك الطائرات المقاتلة وأنظمة الدفاع المتطورة، الأمر الذي قد يعزز من تنافسية الصناعات الدفاعية الأوروبية في أسواق طالما هيمنت عليها الصناعات العسكرية الأمريكية.

ورغم ذلك، يؤكد الجمل أن الحديث عن إيجاد بديل أوروبي كامل للولايات المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي لا يزال أمرًا بالغ الصعوبة، نظرًا لاعتماد الحلف بشكل كبير على القدرات الأمريكية العسكرية والتكنولوجية واللوجستية.

ويرى الجمل أن الاتحاد الأوروبي يواجه تحديات اقتصادية واستراتيجية معقدة، من بينها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وأزمات الطاقة، وسلاسل الإمداد، فضلًا عن اعتماده في العديد من القطاعات التكنولوجية المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة النظيفة، على الشراكات الأمريكية والدولية.

وفيما يتعلق بمستقبل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، يستبعد الجمل حدوث انسحاب أمريكي واسع النطاق خلال الفترة المقبلة، مرجحًا أن تتجه واشنطن إلى إعادة تموضع قواتها بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.

ويؤكد أن الإدارة الأمريكية باتت أكثر ميلًا إلى تحميل الحلفاء الأوروبيين جزءًا أكبر من الأعباء الدفاعية، وأن فكرة توفير مظلة أمنية أمريكية مجانية لأوروبا أصبحت أقل قبولًا داخل الأوساط السياسية الأمريكية.

ويختتم الجمل حديثه بالإشارة إلى أن أوروبا تتجه نحو إعادة صياغة دورها في النظام الدولي، عبر تعزيز صناعاتها الدفاعية، وتأمين مصادر الطاقة، وتوسيع شراكاتها الاستراتيجية، بما يعزز طموحها للتحول إلى قوة جيوسياسية أكثر استقلالية وتأثيرًا في النظام الدولي متعدد الأقطاب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى