فائض النفط الثقيل في الأمريكتين يربك الأسواق العالمية.. والشحن يقفز إلى مستويات قياسية

تتراكم مخزونات النفط الخام الثقيل في الأمريكتين، مع ارتفاع تكاليف الشحن البحري إلى مستويات قياسية، بالتزامن مع تشغيل مصافي التكرير الأمريكية بالقرب من أقصى طاقتها، ما أحدث انقسامًا غير معتاد في سوق النفط العالمية؛ إذ تواجه آسيا وأوروبا صعوبات في تأمين الإمدادات، بينما تتوافر كميات كبيرة من الخام في أمريكا الشمالية والجنوبية.
وتأتي هذه المفارقة رغم تجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل، في ظل اضطرابات الإمدادات العالمية وارتفاع تكلفة نقل الخام بحرًا.
ويتميز النفط الثقيل بكثافته الأعلى مقارنة بالخام الخفيف، وتعتمد عليه مصافٍ في آسيا والولايات المتحدة وأجزاء من أوروبا. وعادة ما يُباع بأسعار أقل، ما يتيح للمصافي تحقيق هوامش ربح أفضل عندما تكون تكاليف الشحن منخفضة.
وقال سكوت شيلتون، المتخصص في أسواق الطاقة لدى «تي بي آي كاب»، إن ارتفاع تكاليف الشحن يمثل العامل الأساسي وراء تراكم الإمدادات، مشيرًا إلى أن فنزويلا والولايات المتحدة وكندا تنتج كميات من النفط تتجاوز احتياجاتها المحلية، وتعتمد على التصدير إلى آسيا لتحقيق التوازن في أسواقها.
ورغم الارتفاع الحاد في أسعار الديزل الأمريكي، الذي يفترض أن يعزز الطلب على النفط الثقيل المستخدم في إنتاج كميات أكبر من الوقود مقارنة بالخام الخفيف، فإن مصافي ساحل الخليج الأمريكي اشترت بالفعل الكميات التي تستطيع معالجتها، وفقًا لمحللين ومتداولين.
تكاليف الشحن تقفز وتضغط على أسعار الخام
ارتفعت صادرات فنزويلا منذ إلقاء الولايات المتحدة القبض على الرئيس السابق نيكولاس مادورو في يناير، ثم الدفع باتجاه إعادة تنشيط قطاع النفط الفنزويلي. كما وصل إنتاج كندا إلى مستويات قياسية، وأفرجت واشنطن عن أكثر من 130 مليون برميل من احتياطياتها النفطية الطارئة.
في المقابل، قفزت تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة لنقل الخام من ساحل الخليج الأمريكي إلى آسيا بأكثر من خمسة أضعاف منذ فبراير، مع انشغال السفن بنقل النفط من سفينة إلى أخرى في خليج عُمان، ما قلّص المعروض من الناقلات المتاحة عالميًا.
وأوضح شيلتون أن السوق تواجه معادلة صعبة، إذ ترتفع تكاليف استئجار السفن في الوقت الذي يتراجع فيه عدد الناقلات المتاحة.
وانخفضت أسعار أنواع رئيسية من النفط الثقيل الكندي والكولومبي والإكوادوري بأكثر من 10 دولارات للبرميل خلال ستة أسابيع، لتصل إلى أدنى مستوياتها في ستة أسابيع، وفقًا لوكالة «أرغوس ميديا» المتخصصة في معلومات الأسعار.
وبلغ سعر خام «ويسترن كندا سيلكت» الكندي نحو 74 دولارًا للبرميل يوم الخميس، قبل احتساب الشحن والتأمين، فيما سجل خام «فاسكونيا» الكولومبي نحو 84 دولارًا، وخام «أورينتي» الإكوادوري نحو 76 دولارًا. كما جرى تداول الخام الفنزويلي عند نحو 74.50 دولار للبرميل، دون تكاليف الشحن.
وبحسب جورجيوس ساكيلاريو، المحلل لدى «سيغنال ماريتايم»، وصلت تكلفة نقل النفط من ساحل الخليج الأمريكي إلى أوروبا على متن ناقلة عملاقة إلى نحو 46 مليون دولار الأسبوع الماضي، بما يعادل 24.50 دولار للبرميل، شاملة عمليات النقل بين السفن والتكاليف الأخرى. وكانت التكلفة قبل اندلاع الحرب مع إيران في أواخر فبراير تبلغ نحو 6.5 مليون دولار، أو 4 دولارات للبرميل.
أما شحن النفط من الأمريكتين إلى آسيا، فتجاوزت تكلفته 80 مليون دولار للناقلة الأسبوع الماضي، بما يعادل نحو 40 دولارًا للبرميل، مقارنة بنحو 10 إلى 15 مليون دولار في بداية العام.
المصافي الأمريكية تقترب من الحد الأقصى للتشغيل
عملت مصافي التكرير الأمريكية بمتوسط تشغيل بلغ نحو 93.5% من طاقتها على أساس أسبوعي منذ بداية العام، وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وهو أعلى مستوى خلال 28 عامًا.
وتسعى المصافي إلى زيادة إنتاج الوقود للاستفادة من الارتفاع القياسي في أسعار الديزل، لكنها تواجه حدودًا تشغيلية تمنعها من معالجة كميات غير محدودة من النفط الثقيل، حتى مع امتلاكها تجهيزات متطورة للتعامل مع هذا النوع من الخام.
وقال ريتشارد إروين، محلل النفط في شركة «إنرجي أسبكتس»، إن الإمدادات الفنزويلية والنفط المسحوب من الاحتياطيات الأمريكية أسهما خلال الأشهر الماضية في رفع معدلات تشغيل وحدات التفحيم داخل المصافي إلى مستويات شبه قصوى. وأضاف أن ارتفاع تكاليف الشحن جعل نقل الكميات الإضافية إلى الأسواق الآسيوية أكثر صعوبة، ما أدى إلى تراكم مخزونات النفط الثقيل عالي الكبريت في الأمريكتين.
وتُستخدم وحدات التفحيم لتحويل بقايا النفط الخام إلى مواد أولية تدخل في إنتاج الديزل والبنزين، ويتطلب التعامل مع الخامات الأثقل تشغيل هذه الوحدات بمعدلات أعلى.
كما تواجه المصافي الأمريكية قيودًا مرتبطة بتصميمها؛ إذ جرى تجهيز العديد منها لمعالجة خامات بحرية من خليج المكسيك، مثل خام «مارس سور»، بدلًا من النفط الكندي أو الفنزويلي الذي يحتاج إلى خلطه بخامات أخف قبل المعالجة.
ويكشف تراكم النفط الثقيل في الأمريكتين، بالتزامن مع صعوبة وصوله إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية، عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل والقيود التشغيلية للمصافي في حركة تجارة النفط العالمية وإعادة توزيع الإمدادات بين المناطق.


