عقوبات واشنطن على الجنائية الدولية تثير إدانات أوروبية ودولية واسعة

أثار قرار الولايات المتحدة فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي موجة من الإدانات الدولية، مع تحذيرات من تداعياته المحتملة على عمل المحكمة وموظفيها وقدرتها على ملاحقة المتهمين بارتكاب أخطر الجرائم الدولية.
وأعلنت عدة دول أوروبية وكندا واليابان تمسكها بدعم المحكمة الجنائية الدولية، فيما أكد الاتحاد الأوروبي استعداده لاتخاذ خطوات تضمن استمرار عملها بفاعلية. ووصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش العقوبات بأنها ضربة للجهود الدولية الرامية إلى تعزيز العدالة الجنائية ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الدولية.
المحكمة الجنائية الدولية ترفض العقوبات الأمريكية
رفضت المحكمة الجنائية الدولية العقوبات الأمريكية، ودعت الدول الأعضاء إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان استمرار عملها وأداء مهامها القانونية، معتبرة أن هذه الخطوة تهدد سيادة القانون وأسس النظام القانوني الدولي.
وأكدت المحكمة، في بيان، أنها ستواصل ممارسة اختصاصاتها المتعلقة بمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وجريمة العدوان، في الحالات التي تتوافر فيها شروط اختصاصها، بما في ذلك الحالات التي تعجز فيها الدول المعنية عن إجراء محاكمات حقيقية أو تمتنع عن ذلك.
وشددت المحكمة على أن استمرار عملها لا يعتمد عليها وحدها، بل يتطلب أيضًا دعم الدول التي أسهمت في تأسيسها، مؤكدة أن القضية تتجاوز حماية مؤسسة دولية بعينها، لتشمل الحفاظ على منظومة العدالة الدولية القائمة على سيادة القانون.
وتأسست المحكمة بموجب نظام روما الأساسي، الذي يشكل الإطار القانوني المنظم لاختصاصاتها وعملها.
وبحسب تفاصيل القرار الواردة في التقرير، تشمل العقوبات تجميد الأصول والممتلكات والحقوق المالية المشمولة بالإجراءات داخل الولايات المتحدة، وحظر بعض المعاملات التي تجريها جهات أمريكية أو تتم داخل الأراضي الأمريكية أو عبرها وتتعلق بتلك الأصول. ومن المقرر ألا تدخل الإجراءات حيز التنفيذ فورًا.
ماركو روبيو يترك الباب مفتوحًا أمام التفاوض
على الرغم من التصعيد الأمريكي تجاه المحكمة الجنائية الدولية، أشار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى استمرار إمكانية التوصل إلى حل دبلوماسي بشأن الخلافات القائمة.
وأوضح روبيو أن واشنطن تعتزم إتاحة المجال أمام الدول الأعضاء للتفاوض وتقديم مقترحات لمعالجة المخاوف الأمريكية، من خلال تراخيص مؤقتة تصل مدة كل منها إلى 180 يومًا، تسمح بمواصلة بعض الأنشطة مع المحكمة.
وأضاف أن الإدارة الأمريكية مستعدة لتعديل إجراءاتها إذا لم تسفر المحادثات عن نتائج، في إشارة إلى استمرار المسار الدبلوماسي بالتوازي مع الخطوات العقابية.
8 دول تؤكد دعمها للمحكمة الجنائية الدولية
في رد فعل مشترك، أعلنت كندا والدنمارك وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وهولندا والمملكة المتحدة دعمها للمحكمة الجنائية الدولية، محذرة من أن العقوبات الأمريكية قد تؤثر بصورة كبيرة على قدرتها على أداء مهامها.
وأكد وزراء خارجية الدول الثماني أن الإجراءات قد تطال عمل المحكمة وموظفيها وعائلاتهم، وتعرقل جهود ملاحقة المتهمين بارتكاب الجرائم الدولية ودعم الضحايا.
من جانبها، أعربت المفوضية الأوروبية عن أسفها الشديد للإعلان الأمريكي، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي سيواصل التعاون مع المحكمة لضمان قدرتها على أداء مهامها باستقلالية وفاعلية.
وأشارت المفوضية إلى أن الفترة السابقة لدخول العقوبات حيز التنفيذ تتيح فرصة للحوار، مجددة التزام الاتحاد الأوروبي بدعم استقلال المحكمة والتعاون مع الدول الأطراف في نظام روما الأساسي.
الاتحاد الأوروبي يدرس تفعيل بند الحظر
وفي موقف أكثر حزمًا، أدان وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم برابوو العقوبات الأمريكية، داعيًا الاتحاد الأوروبي إلى النظر في تفعيل «بند الحظر»، الذي يتيح اتخاذ تدابير قانونية داخل الاتحاد لمواجهة آثار بعض القوانين والعقوبات الصادرة عن دول خارج التكتل.
ويهدف هذا التوجه إلى الحد من تأثير العقوبات الأمريكية داخل الاتحاد الأوروبي، بما قد يشمل حماية الجهات الأوروبية من الالتزام ببعض الإجراءات الأمريكية المشمولة ببند الحظر، وفقًا للقواعد القانونية المعمول بها.
كما قد يتيح التحرك الأوروبي بحث آليات لتقديم الدعم المالي للمحكمة وضمان استمرار أنشطتها، إذا دخلت العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ وأثرت على مواردها أو عملياتها.
ويظل تطبيق هذه التدابير مرتبطًا بالقرارات والإجراءات القانونية التي يتخذها الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء.
الأمم المتحدة تحذر من تداعيات العقوبات على العدالة الدولية
بدوره، أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش العقوبات الأمريكية، معربًا عن قلقه البالغ إزاء آثارها المحتملة على قدرة المحكمة الجنائية الدولية على مواصلة أداء مهامها.
وأشار جوتيريش إلى أهمية دور المحكمة في التعامل مع القضايا التي تحيلها إليها الدول الأطراف في نظام روما الأساسي أو مجلس الأمن، وفقًا لقواعد الاختصاص المعمول بها.
ووصف الأمين العام القرار بأنه ضربة للجهود الدولية المشتركة الرامية إلى تعزيز العدالة الجنائية، مؤكدًا أن محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية وتحقيق العدالة للضحايا يمثلان عنصرين أساسيين في دعم السلام والأمن وحقوق الإنسان.
وجدد جوتيريش دعمه لاستقلال المحكمة وموظفيها، داعيًا جميع الدول إلى الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي والمساهمة في ضمان المساءلة عن أخطر الجرائم التي تهم المجتمع الدولي.
كما أكد استمرار تعاون الأمم المتحدة مع المحكمة وفقًا لاتفاقية العلاقة التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 13 سبتمبر 2004.



