تصاعد التوتر في مضيق هرمز.. هل تعود “حرب الناقلات” بين إيران والغرب؟

مع تصاعد المواجهة العسكرية في الخليج عقب الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، عاد شبح ما يُعرف بـ“حرب الناقلات” إلى الواجهة من جديد.
فالهجمات التي استهدفت ناقلات النفط والبنية التحتية للطاقة في المنطقة أعادت إلى الأذهان الصراع البحري الذي شهده الخليج خلال ثمانينيات القرن الماضي، عندما استهدفت إيران والعراق السفن التجارية في إطار حربهما الطويلة.
ومع استمرار التوترات، يطرح خبراء عسكريون تساؤلات حول الأدوات التي قد تستخدمها طهران لتعطيل حركة التجارة والطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ويُعد المضيق شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، إذ يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، إضافة إلى نحو خُمس صادرات الغاز الطبيعي المسال. ومنذ اندلاع المواجهة الأخيرة، تعرضت عدة ناقلات لهجمات في مياه الخليج، ما أدى إلى اضطراب حركة الملاحة وارتفاع أسعار النفط بشكل ملحوظ.
تصاعد الهجمات يهدد إمدادات الطاقة العالمية
خلال الأيام الأخيرة، تعرضت ما لا يقل عن ست ناقلات نفط لهجمات في الخليج، في حين حذرت القوات الإيرانية السفن من عبور مضيق هرمز. كما استهدفت هجمات أخرى منشآت طاقة في كل من قطر والسعودية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة المخاوف من أزمة طاقة عالمية.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أن البحرية الأمريكية قد ترافق ناقلات النفط في المضيق “إذا لزم الأمر”، مؤكداً أن واشنطن تدرس توفير ضمانات تأمين ضد مخاطر الحرب للسفن التي تعبر الخليج. إلا أن خبراء عسكريين يرون أن تنفيذ مثل هذه الخطة ليس سهلاً، إذ قد يستغرق نشر القطع البحرية والقدرات الجوية اللازمة لحماية السفن وقتاً طويلاً.
ويرى محللون أن البحرية الأمريكية قد تواجه صعوبات في حماية السفن التجارية خلال الأيام الأولى من التصعيد، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية ضد إيران. كما أن القوانين الأمريكية لا تسمح بمرافقة السفن التي لا ترفع العلم الأمريكي أو لا يملكها أو يديرها أمريكيون، وهو ما يقلل عدد السفن التي يمكن حمايتها مباشرة.
وفي الوقت نفسه، يناقش الاتحاد الأوروبي إمكانية توسيع مهمته البحرية المعروفة باسم “أسبيدس” لتشمل مضيق هرمز، بعد أن كانت تركز على حماية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.
ترسانة إيران البحرية: صواريخ وألغام وطائرات مسيّرة
يؤكد خبراء أن إيران تمتلك مجموعة واسعة من الأدوات العسكرية التي يمكن استخدامها لتعطيل الملاحة في الخليج. وتشمل هذه القدرات الصواريخ المضادة للسفن، والطائرات المسيّرة المسلحة، والزوارق السريعة، إضافة إلى مركبات بحرية غير مأهولة يمكنها الاصطدام بالسفن وإحداث أضرار جسيمة في هياكلها.
كما تمتلك طهران مخزوناً كبيراً من الألغام البحرية، يُعد من الأكبر في العالم. ويمكن نشر هذه الألغام باستخدام سفن تجارية تقليدية أو زوارق صغيرة، وهو ما يجعل اكتشافها وإزالتها عملية معقدة وخطيرة.
وتمتلك إيران أيضاً صواريخ كروز مضادة للسفن يصل مداها إلى مئات الكيلومترات، إلى جانب صواريخ محلية الصنع يصل مداها إلى نحو ألف كيلومتر. وتشير تقديرات استخباراتية إلى أن القوات البحرية الإيرانية والحرس الثوري يمتلكان آلاف الصواريخ المضادة للسفن ومئات منصات الإطلاق.
إضافة إلى ذلك، تمتلك إيران أسطولاً محدوداً من الغواصات الروسية العاملة بالديزل، القادرة على إطلاق طوربيدات، فضلاً عن عدد غير محدد من الغواصات الصغيرة التي يمكن استخدامها في عمليات سرية داخل مياه الخليج الضيقة.
الاقتصاد وسلاح الطاقة في قلب الصراع
ورغم أن تعطيل الملاحة في مضيق هرمز قد يمنح إيران ورقة ضغط استراتيجية، فإن إغلاق المضيق لفترة طويلة قد يضر أيضاً بالاقتصاد الإيراني نفسه، الذي يعتمد على صادرات النفط. كما قد يؤثر ذلك سلباً على علاقات طهران مع الصين، التي تعد أحد أكبر المشترين للنفط الإيراني.
ويرى خبراء الطاقة أن استمرار الصراع قد يدفع كلا الطرفين، الولايات المتحدة وإيران، إلى استخدام ورقة الطاقة بشكل أكثر حدة للضغط على الطرف الآخر. فالهجمات على الناقلات لا تهدف فقط إلى تعطيل التجارة، بل قد تكون أيضاً محاولة لدفع حلفاء واشنطن إلى الضغط دبلوماسياً لوقف التصعيد.
ومع تزايد المخاطر في الخليج، بدأت شركات التأمين البحري برفع أقساط التأمين أو إلغاء بعض العقود، في حين ارتفعت أسعار الشحن البحري إلى مستويات قياسية، خاصة بالنسبة للناقلات التي تنقل النفط من الخليج إلى الأسواق العالمية.
وفي ظل هذه التطورات، يبقى مضيق هرمز أحد أخطر نقاط التوتر في العالم، حيث يمكن لأي تصعيد جديد أن ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي بأكمله.
المصدر: فايننشال تايمز



