صراع الحريديم والعلمانيين.. هل أصبحت مشاكل المجتمع الإسرائيلي تشكل تهديداً داخلياً؟

كتبت: سارة محمود
أظهر تقرير سنوي جديد صادر عن معهد سياسات الشعب اليهودي (JPPI) حول حالة المجتمع الإسرائيلي لعام 2026 أن نحو 55% من الإسرائيليين يعتبرون الاستقطاب والصراع الداخلي أخطر تهديد لاستمرار وجود الدولة.
ووفقًا للتقرير، الذي يستند إلى استطلاعات وتحليلات أجراها المعهد خلال العام الماضي، فإن الإسرائيليين قلقون بشكل خاص من الاستقطاب الداخلي وخطر اندلاع حرب أهلية.
وكشفت الدراسة أن غالبية الإسرائيليين يرون أن الاستقطاب الداخلي والخلافات هما أخطر تهديد لاستمرار وجود البلاد، متجاوزين بفارق كبير خطر امتلاك إيران قنبلة نووية (23%)، أو الصراع مع الفلسطينيين (18%).
وأظهرت الدراسة أن ستة من كل عشرة إسرائيليين (60%) يتفقون على وجود خطر حقيقي لإراقة الدماء والعنف الجسدي داخل البلاد، ما يعني اندلاع حرب أهلية.
بالإضافة إلى ذلك، يقول حوالي نصف اليهود العلمانيين في إسرائيل، وهي أكبر مجموعة بين اليهود الإسرائيليين، إنهم لم يعودوا مقتنعين بأن إسرائيل هي المكان الصحيح والأكثر أمانًا لأطفالهم وأحفادهم للعيش فيه.
إقرأ أيضاً: استطلاع مركز القدس: آراء اليهود الأمريكيين حول إسرائيل وفلسطين
عزلة اليهود الحريديم
في حين أن 80% من الجمهور يؤيدون تجنيد الحريديم (المتدينين المتشددين)، إلا أن مقاومة الحريديم لا تزال قوية، حيث يعارض 79% منهم التجنيد، حتى عندما تُعرض عليهم أطر خاصة ومنفصلة مصممة خصيصاً لأسلوب حياتهم.
في مؤشر التقارب، الذي يقيس مشاعر مختلف فئات المجتمع تجاه بعضها البعض، حصل قطاع الحريديم على أدنى متوسط لدرجة التقارب بين جميع فئات السكان، 3.79، حيث لم تُسجّل أي فئة أخرى، على المقياس الأيديولوجي أو الديني، درجة عالية، باستثناء الحريديم أنفسهم.
وفي تحليلٍ مُفصّل لكل فئة على حدة، قيّم الجمهور العلماني تقاربه مع الحريديم بدرجة منخفضة للغاية، 1.81 من 10.
معاداة السامية تقلق الإسرائليين
يُثير تصاعد معاداة السامية في أنحاء العالم قلق الإسرائيليين. فعلى سبيل المثال، في ذروة موجة الاحتجاجات في الجامعات الأمريكية، أعرب 87% من المشاركين في استطلاع رأي عن قلقهم حيال ذلك.
يُقرّ نصف الجمهور بأنّ معاداة السامية العالمية تعمل كحركة كماشة، إذ تأتي بقوة متساوية من طرفي الطيف السياسي، من أقصى اليسار وأقصى اليمين.
يعتقد الجمهور في إسرائيل أن حلّ مشكلة اليهود في العالم يكمن في الهجرة إلى إسرائيل. يوصي 66% من اليهود في إسرائيل بالانتقال إلى إسرائيل، بينما يوصي 71% من مؤيدي اليمين و49% من عامة الشعب اليهودي في البلاد بأن يقوم يهود الشتات بالهجرة إلى إسرائيل تحت أي ظرف وجودي.
التوافق في المجتمع الإسرائيلي
يقيس التقرير السنوي آراء الجمهور باستخدام ثلاثة مؤشرات قياس عميقة ودائمة: الأمل، والتقارب، والتوافق، على مقياس من 1 إلى 10.
بلغ مؤشر الأمل 7.13، وهو الأعلى بين المؤشرات الثلاثة، وقد ارتفع من 6.48 في العام السابق، مما يشير إلى أن 60% من الإسرائيليين متفائلون بشأن مستقبل البلاد.
يفترض 75% من الإسرائيليين أن عائلاتهم وأصدقاءهم سيواصلون العيش في إسرائيل، ويعتقد نحو ثلثيهم أن إسرائيل هي المكان الأمثل لأبنائهم وأحفادهم.
إلا أن هذا المتوسط يخفي فجوة أيديولوجية عميقة. فبينما يُظهر مؤيدو اليمين السياسي مستوى تفاؤل مرتفعًا للغاية بلغ 9.05، ينخفض هذا المؤشر بشكل حاد بين مؤيدي اليسار إلى 3.67 فقط، وهي فجوة غير مسبوقة تُشير إلى تباين حاد في وجهات النظر حول نفس المجال الوجودي.
أظهر مؤشر التقارب، الذي بلغ 5.51، انخفاضًا مقلقًا عن العام السابق الذي سجل 5.95، مما يدل على تفاقم الاستقطاب بين فئات المجتمع.
يؤكد التقرير بوضوح أن العامل الرئيسي الذي يمنع الإسرائيليين حاليًا من الشعور بالتقارب فيما بينهم ليس الجنسية أو العرق أو الأصل، بل الانتماء إلى معسكر سياسي متنافس، يمينًا كان أم يسارًا.
يُؤدي الاستقطاب السياسي إلى تدهور الأوضاع، إذ يُقيّم مؤيدو اليسار مدى تقاربهم مع مؤيدي اليمين بـ 1.25 فقط، بينما يُقيّم مؤيدو اليمين مدى تقاربهم مع اليسار بـ 3.48.
وبلغ مؤشر التوافق 3.71، ما يُشير إلى ارتفاع طفيف مقارنةً بعام 2024، حين كان 2.88. ويُظهر الرأي العام الإسرائيلي توافقًا نسبيًا حول القضايا الديمقراطية الأساسية، حيث يُوافق 59% منهم على أن الديمقراطية هي مزيج من حكم الأغلبية وحماية حقوق الإنسان.
لكن تُشير النتائج إلى انخفاض نسبة التوافق بين اليهود على أن الديمقراطية تعني الجمع بين هذين العنصرين، مقارنةً بثلاث سنوات مضت، حيث بلغت النسبة 63% هذا العام مقابل 80% قبل ثلاث سنوات.
ويُوافق 78% من الإسرائيليين على ما جاء في إعلان الاستقلال بشأن ضرورة المساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع مواطني إسرائيل، بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس.
إقرأ أيضاً: 14 بندًا نحو «سلام دائم».. توقيع اتفاق إطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية
تمادي العنصرية داخل إسرائيل
وقد أوضحت الباحثة في الشؤون الإسرائيلية، وداد العربي، أن مظاهر العنصرية في إسرائيل لا تقتصر على الفلسطينيين أو العرب، بل امتدت إلى وسط جمهور الاحتلال الإسرائيلي ذاته، وتراها في تصاعدت خطابات الكراهية والتحريض بين الحريديم والعلمانيين، وبين اليمين واليسار، بشكل غير مسبوق منذ اندلاع الحرب. وسائل الإعلام العبرية أصحبت تتحدث صراحة عن حالة استقطاب مجتمعي تهدد النسيج الداخلي، في ظل تبادل الاتهامات بالتخوين والتهرب من تحمل أعباء الحرب.
أزمة العلمانيين والحريديم
وأوضحت الباحثة في حديث خاص لموقع “داي نيوز” أن أزمة تجنيد الحريديم تحولت إلى أحد أخطر ملفات الانقسام داخل إسرائيل، بعدما انتقلت من خلاف سياسي إلى مواجهة ميدانية شهدت احتجاجات واسعة واشتباكات مع الشرطة وإغلاق طرق رئيسية في عرض مستمر من المواجهات العنيفة مع الشرطة الإسرائيلية والعلمانيين في الشوارع.
بالفعل أدى الشعور المتزايد لدى قطاعات من الإسرائيليين بعدم المساواة في تحمل أعباء الخدمة العسكرية الي فجوة عميقة في النسيج المجتمعي بين الحريديم والعلمانيين، وجعل الأزمة تمثل تهديد حقيقي للاستقرار الداخلي.
إنقلاب الجيش الإسرائيلي على الحكومة
وبمناسبة الحديث عن انقلاب داخل الجيش الإسرائيلي فقد أوضحت العربي أن هذا حديث مبالغ فيه، لكن ما تشهده إسرائيل هو أزمة ثقة متصاعدة بين جنود الاحتياط والقيادة السياسية.
وعكست التغطيات الصحفية الإسرائيلية خلال مايو ويونيو 2026 حالة إنهاك غير مسبوقة في صفوف قوات الاحتياط، إلى جانب انتقادات حادة لإدارة الحكومة للحرب، وهو ما ينعكس في تراجع الدافعية للخدمة واتساع دائرة الأصوات المطالبة بإعادة النظر في سياسات حكومة نتنياهو والائتلاف الحالي بين الليكود والأحزاب الدينية.
الصراعات الداخلية أخطر من الخارجية
وقالت الباحثة أن العديد من التحليلات الإسرائيلية باتت تعتبر الانقسامات الداخلية التهديد الأخطر الذي تواجهه إسرائيل في المرحلة الحالية، خاصة في ظل تزامن الحرب مع تصاعد أزمة التجنيد، واتساع الاحتجاجات، وتراجع الثقة بالحكومة، مما أدى إلى تعميق الشرخ بين مكونات المجتمع.
وإن استمرار هذه الأزمات يهدد تماسك الجبهة الداخلية، وهو ما قد تكون تداعياته على المدى البعيد أكثر خطورة من بعض التحديات الأمنية الخارجية.



