تقارير

جزيرة “سازان”: من حصن شيوعي سري إلى فضيحة مليارات إيفانكا وكوشنر

تقع جزيرة سازان عند مدخل خليج فلورا جنوب غربي ألبانيا، في نقطة استراتيجية تربط بين البحرين الأدرياتيكي والأيوني عبر قناة أوترانتو، وهي منطقة لطالما جذبت القوى الكبرى عبر التاريخ بسبب أهميتها العسكرية والجغرافية.

ورغم أن مساحتها لا تتجاوز نحو 6 كيلومترات مربعة، فإن موقعها جعلها هدفاً للرومان والعثمانيين والإيطاليين والألمان، قبل أن تتحول خلال الحقبة الشيوعية إلى واحدة من أكثر المناطق العسكرية تحصيناً في أوروبا الشرقية.

كانت الجزيرة خلال تلك الحقبة بمثابة “صندوق أسود” عسكري يضم نحو 3600 متر من الأنفاق العسكرية ومئات الملاجئ المحصنة المجهزة لحالات الحروب النووية.

وتُعد سازان من الجزر غير المأهولة في البحر الأبيض المتوسط، إذ تبلغ مساحتها نحو 1400 فدان، وكانت لعقود طويلة منطقة عسكرية مغلقة تضم شبكة من المخابئ والأنفاق الدفاعية التي أُنشئت خلال الحرب الباردة.

كيف بدأت القصة؟

تقول إيفانكا ترامب إن فكرة المشروع بدأت بشكل غير متوقع خلال رحلة بحرية في البحر الأبيض المتوسط، عندما قادتها سباحة عابرة إلى الجزيرة. وأضافت أن المجموعة توقفت لاستكشاف الجزيرة سيراً على الأقدام، مشيرة إلى أن المشهد الطبيعي من أعلى التل ترك انطباعاً عميقاً لديها ولدى زوجها جاريد كوشنر.

وكان كوشنر قد كشف في أغسطس 2024 عن خطط لتطوير مشاريع في منطقة زفيرنيك وجزيرة سازان، ثم زار المنطقة في يناير 2026 برفقة زوجته للمضي قدماً في المشروع.

وفي يناير 2026 حصل المشروع على الموافقة النهائية من الحكومة الألبانية للمضي قدماً في تطوير منتجع فاخر على الجزيرة.

 تفاصيل المشروع

يتعلق الأمر بمشروع سياحي فاخر بقيمة 1.5 مليار دولار تدعمه شركة الاستثمار التابعة لجاريد كوشنر.

وأعلنت إيفانكا ترامب وكوشنر عزمهما بناء جزيرة خاصة ضخمة معزولة عن شبكات الطاقة التقليدية في قلب البحر الأبيض المتوسط، تمتد على مساحة تقارب 1400 هكتار.

يقوم المشروع على تحويل جزيرة سازان إلى وجهة سياحية فاخرة متكاملة تضم فنادق ومنتجعات من فئة الخمس نجوم وفيلات خاصة ومرسى لليخوت إلى جانب مرافق ترفيهية وخدمية تمتد على طول الواجهة البحرية للجزيرة.

كما تتضمن الخطة تطوير بنية تحتية حديثة توصف بأنها صديقة للبيئة، مع تنفيذ أعمال لإعادة تأهيل المناظر الطبيعية وإزالة آثار الاستخدام العسكري السابق.

ويشمل المشروع أيضاً منطقة زفيرنيتش الجنوبية ضمن منطقة فيوسا-نارتا الساحلية التي تُعد محمية طبيعية.

ووصفت إيفانكا ترامب الجزيرة بأنها “استثنائية ورائعة الجمال لدرجة لا تصدق”، مؤكدة أن المشروع يهدف إلى الحفاظ على طبيعتها الساحرة مع دمج عناصر الضيافة الفاخرة.

الاحتجاجات في ألبانيا

شهدت تيرانا تظاهرات شارك فيها آلاف المحتجين رفضاً للمشروع وسط اتهامات تتعلق بالبيئة وشبهات فساد.

وردد المتظاهرون هتافات مثل “أوقفوا المشروع” ورفعوا لافتات كُتب عليها “ألبانيا ليست للبيع” و”إيفانكا، عودي إلى بلدك”.

وجاءت التظاهرات بعد تحرك احتجاجي مماثل في منطقة فيوسا-نارتا، حيث اعترض نشطاء بيئيون على تركيب أسلاك شائكة حالت دون الوصول إلى الشاطئ، مما أدى إلى اشتباكات وإصابات، وتبع ذلك إجراءات رسمية شملت إيقاف عدد من عناصر الأمن وسحب تراخيص شركتين أمنيتين خاصتين.

واتهم المحتجون الحكومة بتدمير أراضٍ وممتلكات تعود لعائلات من الأقلية اليونانية التي عاشت في المنطقة لأجيال، كما طالبوا باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما.

تحقيقات الفساد

فتحت هيئة الادعاء الخاصة بمكافحة الفساد والجريمة المنظمة في ألبانيا (SPAK) تحقيقاً في قرارات اتخذت خلال عام 2024 بشأن أراضٍ ساحلية تشمل بحيرة فيوسا-نارتا وجزيرة سازان.

ويهدف التحقيق إلى تحديد ما إذا كانت التعديلات التي طالت محميات طبيعية قد مهدت الطريق للمشروع السياحي الذي حصل على موافقة رسمية من رئيس الوزراء إيدي راما في ديسمبر 2025.

ويرى المنتقدون أن هذه التعديلات التشريعية صُممت خصيصاً لخدمة مشروع كوشنر، الأمر الذي أثار معارضة شديدة من مجموعات حماية البيئة المحلية والدولية.

كما دعت نحو 40 منظمة بيئية إلى تعليق الخطط بسبب المخاوف من تأثيرها على التنوع البيولوجي في المنطقة.

 الجدل في أمريكا

تواجه إيفانكا ترامب موجة انتقادات حادة في الولايات المتحدة بعد إشادتها العلنية بالمشروع، في وقت يشهد فيه الاقتصاد الأمريكي ضغوطاً متزايدة وارتفاعاً في تكاليف المعيشة.

وتتركز الانتقادات حول التناقض بين المشاريع العقارية الفاخرة المرتبطة بعائلة ترامب والأوضاع الاقتصادية التي يواجهها كثير من الأمريكيين.

موقف الاتحاد الأوروبي

يراقب الاتحاد الأوروبي التطورات عن كثب، مؤكداً أن مسار عضوية ألبانيا يتطلب التزاماً كاملاً بالمعايير البيئية والقانونية.

ويضع ذلك ألبانيا أمام معادلة صعبة بين جذب الاستثمارات الأجنبية الضخمة والحفاظ على فرصها في التقدم نحو عضوية الاتحاد الأوروبي.

تتقاطع في هذه القضية عدة ملفات حساسة في آن واحد:

تضارب المصالح بين شخصيات سياسية نافذة ومشاريع تجارية ضخمة.

مخاوف بيئية تتعلق بمحميات طبيعية نادرة.

شبهات فساد مرتبطة بتعديل القوانين لخدمة المستثمرين.

مخاوف تتعلق بالسيادة الوطنية وشعور بعض الألبان بأن بلادهم تُباع للمستثمرين الأجانب.

ضغوط أوروبية مرتبطة بشروط انضمام ألبانيا إلى الاتحاد الأوروبي.

لذلك تحولت جزيرة سازان من قاعدة عسكرية مهجورة إلى واحدة من أكثر القضايا السياسية والاقتصادية والبيئية إثارة للجدل في ألبانيا خلال عام 2026.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى