تحقيق استقصائي..ثغرات وتساؤلات بلا أجوبة: ماذا تكشف ملفات إبستين وماذا تُخفي؟

بعد إفراج وزارة العدل الأمريكية عن أكثر من 3 ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بقضية الملياردير الراحل جيفري إبستين، بموجب “قانون شفافية ملفات إبستين” الذي وقّعه الرئيس دونالد ترامب في نوفمبر 2025، تكشف مراجعة معمّقة أجرتها شبكة CBS الإخبارية الأمريكية أن حجم الإفراج الهائل لا يخلو من ثغرات وتساؤلات لم تُحسم بعد.
الوزارة كانت قد أعلنت في البداية أنها جمعت أكثر من 6 ملايين صفحة أثناء التحقيقات في قضية إبستين ومتعاونته غيسلين ماكسويل، لكنها لم تُفرج إلا عن نصف هذا الرقم تقريباً.
وحين سئلت عن هذا التباين، أكدت الوزارة لـCBS أنها “أفرجت عن كل وثيقة يفرضها القانون”، وأن الملايين الثلاثة المتبقية إما مكررة، أو لا صلة لها بالقضية، أو محمية بحصانة قانونية.
غير أن هذا التفسير لم يسكت المخاوف، فقد قرر مكتب المحاسبة الحكومية الأمريكي (GAO) فتح تحقيق مستقل في طريقة حجب المعلومات داخل الوثائق المنشورة، بطلب من عدد من أعضاء الكونغرس.
وفي هذا السياق، يقول النائب روبرت غارسيا، أكبر الديمقراطيين في لجنة الإشراف بمجلس النواب:
إذا كانت هناك نسخ مكررة، فلا بأس، فلنرها… ما يحتاج الناس لفهمه هو أننا لا نعرف بالضبط ما الموجود في تلك الملايين الثلاثة.
أقرأ أيضا:وزارة العدل الأمريكية تكشف عن ملايين الصفحات من ملفات إبستين وتستشهد بأسماء بارزة
في ما يلي أبرز الثغرات التي رصدها التحقيق:
1. حجب أسماء شخصيات بارزة دون مبرر واضح
القانون الذي ينظم الإفراج عن الملفات يحصر أسباب حجب المعلومات بحماية الضحايا فقط، ويستثني صراحة “الحرج السمعي أو الحساسية السياسية” كمسوّغ للحجب .ومع ذلك، رصد التحقيق حالات حجب يصعب تفسيرها:
في إحدى الرسائل التي أرسلها إبستين إلى ستيف بانون، مستشار ترامب السابق، تضمنت صورة مرفقة تم تعتيم وجه بانون فيها، رغم أن الصورة نفسها كانت متاحة للعامة على الإنترنت من قبل.
أسماء شركاء أعمال ومعارف لإبستين حجبت في عدد من الرسائل دون أن يكون ذلك متوافقاً مع شروط القانون.
في رسالة من عام 2002 مذيّلة بعبارة “Love, Melania”، تم حجب اسم المرسل والمستقبل بالكامل.
وكانت السيدة الأولى ميلانيا ترامب قد أكدت في وقت سابق هذا العام أنها تبادلت رسائل مع ماكسويل، ووصفتها بأنها “مراسلة عابرة لا تتجاوز كونها رداً مجاملة روتينياً”.

وزارة العدل لم تقدّم أي تبرير محدد لحالات الحجب الفردية، واكتفت بالقول إن إجراءاتها “متوافقة مع القانون” بشكل عام.
وبعد أن تواصلت CBS مع الوزارة للاستفسار عن هذه الحالات بالتحديد، رُفع الحجب بصمت عن صورة بانون وعن رسالتين بريديتين، تبيّن أن مرسل أحدهما هو الدبلوماسي البريطاني السابق بيتر ماندلسون، الذي اعتُقل في وقت سابق من العام الجاري بشبهة سوء التعامل مع وثائق حكومية حساسة (وهو ينفي التهمة بحسب ما ذكرته بي بي سي)، وقد عبّر عن ندمه على صداقته بإبستين مؤكداً أنه لم يشهد أي نشاط جرمي.
كما يشير التحقيق إلى أن أعضاء الكونغرس يمكنهم مراجعة المواد المحجوبة، لكن العملية بطيئة، وأن بعضهم شكا من أن عمليات بحثهم في الأرشيف تخضع لمراقبة من الوزارة نفسها.
2. فجوة كبيرة في رسائل البريد الإلكتروني
تبيّن أن الغالبية العظمى من مئات آلاف الرسائل المنشورة تأتي من حساب بريدي واحد فقط أنشأه إبستين قرب دخوله السجن عام 2008.
أما رسائله من حسابات أقدم، فمعظمها غائب عن الأرشيف الرسمي، ومنها نحو 20 ألف رسالة من حساب قديم على ياهو كانت قد سرّبها قراصنة من قبل وأرشفتها منظمة “Distributed Denial of Secrets”، دون أن يتضح إن كانت الوزارة قد حصلت عليها أصلاً ضمن تحقيقها.
الأكثر إثارة للجدل هو وجود مجموعة من صور الشاشة (سكرين شوت) لصندوق بريد إلكتروني آخر يحمل اسم “littlestjeff” (تيمناً بجزيرة إبستين الخاصة)، يعود إلى أوائل الألفينات — وهي الفترة التي كان فيها إبستين على تواصل مع دونالد ترامب عبر دوائرهما الاجتماعية المشتركة في نيويورك وبالم بيتش. حقول المرسل والمستقبل في هذه السجلات محجوبة بشكل كثيف، ولم ينشر من هذا الحساب إلا عدد قليل من الرسائل رغم أن الوزارة تملك الوصول إليه على ما يبدو.
يذكر أن ترامب كرر مراراً أنه لا يستخدم البريد الإلكتروني، وقد نفى باستمرار أي تورط في مخالفات تتعلق بإبستين. وفي هذا السياق، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض أبيغيل جاكسون لـCBS إن الرئيس “تمت تبرئته بالكامل من أي صلة بقضية إبستين”، مشيرة إلى أنه ساهم في الإفراج عن آلاف الوثائق وتعاون مع طلبات لجنة الإشراف ووقّع قانون الشفافية نفسه.
وتجدر الإشارة إلى أن تلك الفترة بالذات تزامنت مع الكشف عن تجنيد إبستين لقاصرات لجلسات تدليك جنسي، وهي معطيات كانت على الأرجح محط اهتمام كبير من المحققين.

3. حجب أسماء مسؤولي التحقيق
يحتوي الأرشيف على كمية كبيرة من المراسلات الداخلية بين وزارة العدل والمباحث الفدرالية (FBI)، لكن أسماء كثير من الموظفين المتورطين في هذه المراسلات محجوبة، مما يجعل من الصعب تحديد من كان مسؤولاً عن قرارات رئيسية في مسار التحقيق.
4. مرفقات بريدية مفقودة
رصد التحقيق إشارات متكررة إلى مرفقات في الرسائل لا وجود لها في الأرشيف المنشور. من أبرز الأمثلة: رسالة من أغسطس 2018 تتضمن ملفاً بعنوان يتعلق بمخزون أسلحة، يحتوي على معلومات حول نحو 30 قطعة سلاح سُرقت من مزرعة إبستين “Zorro Ranch” في نيومكسيكو، بما فيها الأرقام التسلسلية للأسلحة.
وبحسب تقرير لشرطة ولاية نيومكسيكو حصلت عليه CBS، فإن هذه الأرقام التسلسلية لم تُتاح أصلاً للمحققين في قضية السرقة، ولم يعثر على أي وثيقة تحتوي عليها في الأرشيف المنشور.
ويزيد الأمر تعقيداً أن وزارة العدل استبدلت أسماء الملفات الأصلية بنظام ترقيم خاص بها، مما يجعل من الصعب جداً ربط أي مرفق منشور بالرسالة التي صدر عنها أصلاً.
أقرأ أيضا:بعد تراجع ترامب.. مجلس النواب يمضي قدما في التصويت على الإفراج عن ملفات إبستين
5. تحقيق سري لإدارة مكافحة المخدرات (DEA)
من بين الوثائق اللافتة في الأرشيف، تقرير من 69 صفحة صادر عن مركز استخباراتي تابع لفرق عمل مكافحة جرائم المخدرات المنظمة، يظهر أن إبستين كان من بين 15 شخصاً مستهدفين في تحقيق يتعلق بغسيل أموال مرتبط بتجارة الإكستازي أو الكيتامين.
ومن المنطقي أن تحقيقاً بهذا الحجم كان سيُنتج كماً كبيراً من التقارير والمراسلات والتحليلات المالية، إلا أن شيئاً من ذلك لم ينشر.
وقد رفضت إدارة مكافحة المخدرات طلبات CBS بموجب قانون حرية المعلومات للحصول على وثائق إضافية، كما رفضت طلباً مماثلاً تقدّم به السيناتور رون وايدن.
6. وكالات أخرى خارج نطاق القانون
تشير تقارير سابقة لصحيفة واشنطن بوست إلى أن اسم إبستين ورد في تحقيق من التسعينيات يتعلق بمخطط “Towers Financial”، أحد أشهر مخططات بونزي، دون أن يُحاكم فيه، ولم تُنشر أي وثائق متعلقة بذلك التحقيق رغم أنه كان من إجراء وزارة العدل نفسها.
والأهم أن القانون الذي يفرض الإفراج عن الملفات يقتصر على وزارة العدل فقط، ولا يشمل وكالات أخرى قد تكون لديها وثائق متعلقة بإبستين، مثل دائرة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) التي كشفت الوثائق عن وجود ثلاثة تحقيقات منفصلة لها معه، أو وزارة الخارجية، أو وزارة الخزانة، أو وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، أو وكالة الأمن القومي (NSA) — وهي جهات قد تكون جمعت معطيات عن إبستين عبر عقود من نشاطه وشبكة علاقاته السياسية والمالية الواسعة.
أقرأ أيضا:فضائح إبستين تعود: ستة مسؤولين سابقين في إدارة ترامب تظهر أسماؤهم في ملفات وزارة العدل
7. ثغرات في فهرسة الوثائق
أجرت CBS تحليلاً مستفيضاً لفهرس الوثائق الذي قُدّم لغيسلين ماكسويل خلال محاكمتها الجنائية، باستخدام نظام ترقيم قانوني معروف. وتبيّن أن أكثر من 70% من نحو 5000 وثيقة مدرجة في هذا الفهرس لا يمكن العثور عليها ضمن الأرشيف المنشور باستخدام أرقامها المرجعية. وزارة العدل ردّت بأن كثيراً من هذه الإدخالات الناقصة رُبما اعتُبر تكراراً لوثائق أخرى ولذلك استُبعد من النشر.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك، ملف “جوزيف ألفاريز” المعروف بلقب “Gypsy Gita” (المتوفى عام 2021)، الذي ورد اسمه سابقاً على لسان إحدى الناجيات من إبستين كأحد من قدّموها لغيسلين ماكسويل.
من ثماني وثائق مرتبطة باسمه في الفهرس، عُثر على أربع فقط: صورة له مع دونالد ترامب، بطاقة أعماله، وصورتان لأكياس نقود ضخمة. أما الوثائق الأربع المفقودة فكانت موصوفة بأنها تقرير عن أصوله، وتقرير من جهات تنفيذ القانون، وبطاقة تواصل، وصورة من حسابه على فيسبوك.
8. غياب سجلات جدولة جلسات التدليك
كان إبستين معروفاً بحصوله على عدة جلسات تدليك يومياً، وهي ممارسة استخدمها كوسيلة لتجنيد واستغلال قاصرات وشابات.
وعند تفتيش منزله في بالم بيتش عام 2005، عثر المحققون على مئات الرسائل النصية المتعلقة بجدولة هذه المواعيد. إلا أن الأرشيف المنشور يكاد لا يحتوي على أي مراسلات من هذا النوع بعد خروجه من السجن في عام 2009، وهي فجوة زمنية تثير تساؤلات حول استمرار هذا النشاط من دون أثر وثائقي.
9. غياب كامل لرسائل تطبيق Signal
كان إبستين يشجّع معارفه على التواصل معه عبر تطبيق المراسلة المشفّر Signal، إلا أن الإفراج لم يتضمن ولا رسالة واحدة من هذا التطبيق، وقد يكون ذلك بسبب عدم تمكّن المحققين من الوصول إليها من الأساس.
من بين الأسماء التي يعتقد أنها تواصلت مع إبستين عبر Signal: المستثمر التقني بيتر ثيل، ورجل الأعمال العقاري توماس باراك، الذي يشغل حالياً منصب سفير الولايات المتحدة في تركيا والمبعوث الخاص للعراق، وكان من أبرز الداعمين لحملة ترامب الانتخابية عام 2016. ولم يوجه لأي منهما أي اتهام بارتكاب مخالفات في هذه القضية.
أقرأ أيضا:بنك أوف أمريكا يوافق على تسوية مالية بقيمة 72.5 مليون دولار لضحايا إبستين
10. تقارير الأنشطة المالية المشبوهة
تقارير صادرة عن وزارة الخزانة توثق ملايين الدولارات من التحويلات المالية المشبوهة التي قام بها إبستين، ونُشرت في البداية، ثم سُحبت من الموقع، ثم أُعيد نشرها لاحقاً بشكل محجوب بالكامل.
رغم الحجم غير المسبوق للوثائق التي أُفرج عنها، يخلص التحقيق إلى أن فجوات جوهرية لا تزال قائمة في السجل العام المتعلق بأنشطة إبستين، وشبكة تواصله، ومسار التحقيقات الفدرالية المتعددة التي خضع لها على مدى سنوات، فضلاً عن ملابسات وفاته داخل السجن.

ولا تزال جهات رقابية في الكونغرس ومكتب المحاسبة الحكومية تطالب بمراجعة أعمق لأسلوب وزارة العدل في حجب ونشر هذه الوثائق.



