اقتصاد وتكنولوجيا

ارتفاع النفط يشعل مخاوف التضخم ويعيد سيناريو رفع الفائدة عالميًا

عادت المخاوف بشأن التضخم العالمي إلى الواجهة مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم لمسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة. وتزامن ذلك مع موجة بيع واسعة في أسواق السندات العالمية، وسط مخاوف من أن تؤدي تكاليف الطاقة المرتفعة إلى إبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، أو حتى العودة إلى رفعها في بعض الاقتصادات الكبرى.

وتأتي هذه التطورات قبل اجتماعات مرتقبة لعدد من البنوك المركزية الكبرى، وفي مقدمتها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وبنك إنجلترا، وبنك اليابان، والتي ستحدد إلى حد كبير اتجاه الأسواق خلال المرحلة المقبلة.

موجة بيع تضغط على أسواق السندات

شهدت أسواق السندات العالمية عمليات بيع مكثفة، انعكست في ارتفاع واضح لعوائد السندات الحكومية في عدد من الاقتصادات الكبرى.

فقد واصلت السندات البريطانية القياسية تسجيل مستويات تفوق 5% في أطول سلسلة من نوعها منذ ما يقرب من عقدين، بينما ارتفعت عوائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2011.

وفي الولايات المتحدة، استقر العائد على سندات الخزانة لأجل 30 عامًا بالقرب من أعلى مستوى له منذ عام 2007، كما صعدت عوائد السندات قصيرة الأجل إلى أعلى مستوياتها خلال أكثر من عام، وهو ما يعكس تزايد قناعة المستثمرين بأن السياسة النقدية قد تبقى متشددة لفترة أطول.

أما في اليابان، فقد اقتربت عوائد السندات الحكومية من أعلى مستوياتها منذ تسعينيات القرن الماضي، مدفوعة باستمرار الضغوط التضخمية وضعف العملة المحلية.

النفط والتوترات الجيوسياسية

يرجع جانب كبير من هذه التطورات إلى القفزة التي شهدتها أسعار النفط، بعد تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ما دفع خام برنت إلى تجاوز مستوى 100 دولار للبرميل عقب فترة من الانخفاض النسبي.

ويرى اقتصاديون أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة يزيد من صعوبة مهمة البنوك المركزية في السيطرة على التضخم، لأن ارتفاع النفط ينعكس بصورة مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار الضغوط التضخمية خلال الأشهر المقبلة.

قوة الاقتصاد الأمريكي تغير حسابات الأسواق

في الوقت نفسه، ساهمت قوة الاقتصاد الأمريكي واستمرار متانة سوق العمل في تغيير توقعات المستثمرين، حيث انتقلت الأسواق تدريجيًا من ترقب خفض أسعار الفائدة إلى زيادة احتمالات رفعها مجددًا إذا واصلت البيانات الاقتصادية تسجيل أداء قوي وارتفعت معدلات التضخم.

كما ارتفع متوسط العائد على مؤشر بلومبرج العالمي للسندات الحكومية إلى نحو 3.68%، وهو أعلى مستوى له منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، مع اتجاه المؤشر لتسجيل أكبر خسارة شهرية منذ شهر مارس.

ترقب واسع لاجتماعات البنوك المركزية

تتجه أنظار المستثمرين إلى اجتماعات البنوك المركزية المقرر عقدها الأسبوع المقبل، حيث ينتظر الجميع قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا وبنك اليابان، لمعرفة ما إذا كانت هذه المؤسسات ستواصل تشديد السياسة النقدية أم ستتمسك بمعدلات الفائدة الحالية.

وتشير التوقعات إلى ارتفاع احتمالات رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع الاحتياطي الفيدرالي يومي 28 و29 يوليو إلى نحو 33%، في ظل متابعة دقيقة لنهج رئيس البنك الجديد كيفن وارش، الذي يتبنى سياسة تمنح البنك مرونة أكبر في اتخاذ قراراته وفق تطورات البيانات الاقتصادية، مع تقليل الاعتماد على التوجيهات المستقبلية.

تحديات مستمرة أمام الاقتصاد العالمي

ويرى محللون أن نجاح البنوك المركزية في تهدئة الأسواق سيعتمد على قدرتها في إقناع المستثمرين بأن التضخم لا يزال تحت السيطرة، رغم الارتفاع الأخير في أسعار النفط، خاصة إذا استمرت التوترات الجيوسياسية في دعم أسعار الطاقة.

وفي آسيا، يواصل المستثمرون متابعة بيانات التضخم في أستراليا وتصريحات مسؤولي بنك الاحتياطي الأسترالي، وسط توقعات بإجراء رفع جديد لأسعار الفائدة خلال العام، بما يعكس استمرار الحذر في السياسات النقدية العالمية.

ورغم مرور سنوات على موجة التضخم التي أعقبت جائحة كورونا، لا تزال أسواق السندات العالمية تعاني من آثارها، إذ يبقى مؤشر بلومبرج العالمي للسندات منخفضًا بنحو 20% مقارنة بذروته المسجلة مطلع عام 2021، وهو ما يؤكد أن الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة لا يزالان يمثلان أحد أبرز التحديات أمام الاقتصاد العالمي خلال الفترة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى