هزيمة الجمهوريين تكشف فشل رهان إيلون ماسك في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية

سجل الملياردير الأمريكي إيلون ماسك رقمًا قياسيًا في الإنفاق السياسي خلال انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي لعام 2026، بعدما ضخ ما لا يقل عن 446 مليون دولار لدعم مرشحين جمهوريين، في محاولة لتعزيز نفوذ الحزب ومساعدة إدارة الرئيس دونالد ترامب على الاحتفاظ بالسيطرة على الكونغرس، لكن النتائج جاءت على عكس ما أراده، بعدما حقق الديمقراطيون انتصارات واسعة في عدد من الولايات.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة «الغارديان»، تدفقت أموال ماسك إلى ما لا يقل عن 8 لجان عمل سياسي كبرى ومجموعات مؤيدة للجمهوريين، استهدفت سباقات انتخابية مختلفة في أنحاء البلاد، وكان أبرزها تمويل لجنة «أمريكا باك» التابعة له، التي تلقت وحدها ما لا يقل عن 216 مليون دولار، إلى جانب تقديم 168 مليون دولار لصندوق قيادة مجلس الشيوخ، الذي دعم عددًا من المرشحين الجمهوريين، من بينهم كين باكستون في ولاية تكساس.
وتجاوز إنفاق ماسك في انتخابات 2026 ما قدمه خلال انتخابات عام 2024، عندما أنفق نحو 290 مليون دولار، إلا أن هذا الاستثمار الضخم لم يحقق النتائج السياسية المرجوة، بعدما فاز الديمقراطيون في سباقات مجلس الشيوخ الخمسة التي خصصت لجنة ماسك الجزء الأكبر من أموالها لدعم المرشحين الجمهوريين فيها.
تكساس.. أكبر معارك ماسك الانتخابية وأبرز خسائره
كانت ولاية تكساس محورًا رئيسيًا في تحركات ماسك السياسية، نظرًا لوجود مقر إمبراطوريته الاقتصادية فيها، كما مثلت سباقات الولاية المجال الذي ركز عليه بأكبر قدر من المال والاهتمام، خصوصًا المنافسة على مقعد مجلس الشيوخ بين الجمهوري كين باكستون والديمقراطي جيمس تالاريكو.
وأنفقت لجنة «أمريكا باك» ما لا يقل عن 28 مليون دولار على الإعلانات والحملات المناهضة لتالاريكو، إلى جانب الهجمات المتكررة التي نشرها ماسك عبر منصته «إكس»، واتهم فيها منافسه الجمهوري بأنه يسعى إلى تغيير هوية الأطفال وتدمير الحدود، في إطار حملة ركزت على مهاجمة مواقف الديمقراطيين.
لكن تالاريكو تمكن من تحقيق فوز كبير في الانتخابات، ووجه خلال خطاب النصر رسالة مباشرة إلى كبار الممولين والأثرياء، في إشارة إلى ماسك، مؤكدًا أن أموال العالم لن تكون أقوى من إرادة سكان تكساس، وأن الناخبين وجهوا رسالة إلى أصحاب المليارات والتريليونات الذين يعتقدون أن بإمكانهم التأثير في نتائج الانتخابات عبر ثرواتهم.
ولم تقتصر خسائر الجمهوريين في تكساس على سباق مجلس الشيوخ، إذ خسر الحزب أيضًا سباق منصب الحاكم، كما أشارت التوقعات إلى احتمال فقدانه السيطرة على مجلس نواب الولاية، ما يهدد النفوذ السياسي الذي تمتع به ماسك وشركاته داخلها خلال السنوات الماضية.
الديمقراطيون يتغلبون على أموال ماسك في 5 ولايات
امتدت الهزائم إلى ولايات أخرى، إذ فاز المرشحون الديمقراطيون في سباقات مجلس الشيوخ بولايات ميشيجان وماين وأوهايو وأيوا، رغم إنفاق لجنة «أمريكا باك» عشرات الملايين من الدولارات لدعم منافسيهم الجمهوريين.
وركزت الإعلانات التي مولتها اللجنة على مهاجمة الديمقراطيين بسبب مواقفهم من حقوق المتحولين جنسيًا، أو تصويرهم باعتبارهم اشتراكيين متطرفين، في محاولة للتأثير في اختيارات الناخبين، إلا أن هذه الحملات لم تمنع المرشحين الديمقراطيين من تحقيق الفوز.
صمت غير معتاد من ماسك بعد إعلان النتائج
جاءت نتائج الانتخابات بعد أشهر من النشاط السياسي والإعلامي المكثف لماسك، الذي استخدم منصته «إكس» لنشر انتقادات للديمقراطيين والترويج لنظريات مؤامرة تتعلق بالانتخابات.
لكن الملياردير التزم الصمت إلى حد كبير خلال ليلة إعلان النتائج، على غير عادته، واكتفى بنشر تعليق ساخر قال فيه إن مراكز البيانات الموجودة في الفضاء تبدو خيارًا جذابًا للغاية في الوقت الحالي، في إشارة إلى توجهه نحو مشروعات التكنولوجيا والفضاء، دون الإدلاء بتعليقات موسعة بشأن الهزيمة الجمهورية.
خسائر انتخابية قد تنهي مرحلة من النفوذ السياسي
ترى «الغارديان» أن تداعيات هذه الهزيمة قد تتجاوز الأموال التي أنفقها ماسك دون تحقيق أهدافه، إذ ربما تمثل نهاية مرحلة اتسمت بتساهل الجهات الرقابية معه وبعلاقاته الوثيقة مع مسؤولين في الولايات التي تعمل فيها شركاته.
ومن المتوقع أن يواجه ماسك خلال الفترة المقبلة مشهدًا سياسيًا مختلفًا، في ظل احتمال سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ وحكومة ولاية تكساس، وهو ما قد يضع شركاته أمام رقابة أشد ومواقف أكثر تشددًا تجاه قطاع التكنولوجيا.
ومع ذلك، لا يعني فشل الإنفاق في تحقيق الفوز أن الأموال التي ضخها ماسك لم يكن لها تأثير في المشهد الانتخابي؛ فقد أسهمت التبرعات الضخمة التي قدمها، إلى جانب إنفاق لجان العمل السياسي، في تحويل عدد من السباقات إلى منافسات من بين الأعلى تكلفة في تاريخ الانتخابات الأمريكية.
كما قد تضع هذه التجربة سابقة جديدة لحجم الأموال التي يمكن إنفاقها في الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028، وتفتح الباب أمام نقاش واسع حول حدود قدرة الثروة على التأثير في السياسة والنتائج الانتخابية.
مستقبل شركات ماسك تحت رقابة ديمقراطية محتملة
تكتسب نتائج الانتخابات أهمية إضافية بالنسبة إلى ماسك، بالنظر إلى استفادة شركاته من عقود مربحة مع إدارة ترامب، فضلًا عن النهج الأقل تشددًا الذي اتبعته الإدارة في تنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي.
وفي تكساس، وفرت حكومة الولاية ومجلسها التشريعي، خلال السنوات الماضية، بيئة مواتية لأعمال الملياردير، بالتزامن مع إقرار قوانين حظيت بدعم جماعات الضغط التابعة له.
لكن هذا الوضع قد يتغير مع تولي جينا هينوجوسا منصب حاكمة تكساس بعد فوزها بالانتخابات، إذ يُتوقع أن تتبنى موقفًا أكثر انتقادًا تجاه ماسك وشركاته. وكانت هينوجوسا قد دعت إلى وقف إنشاء مراكز البيانات مؤقتًا، كما خاضت خلال الأشهر الأخيرة معركة قانونية للحصول على رسائل البريد الإلكتروني غير المنقحة المتبادلة بين مكتب الحاكم جريج أبوت وماسك.
وعلى المستوى الفيدرالي، دعا الديمقراطيون في مجلس النواب إلى فتح تحقيقات بشأن تصرفات ماسك خلال فترة قيادته لما عُرف باسم «إدارة كفاءة الحكومة» في العام الماضي، كما تعهدوا بفحص التمويل الفيدرالي الذي تحصل عليه شركاته.
وبذلك، لا تقتصر نتائج انتخابات التجديد النصفي على إخفاق ماسك في مساعدة الجمهوريين على الاحتفاظ بمواقعهم، بل قد تؤدي أيضًا إلى تغيير طبيعة علاقته بالمؤسسات السياسية والرقابية، وفتح مرحلة جديدة من التدقيق في أعماله وعقوده ونفوذه داخل الولايات المتحدة.



