رياضة

نهائي دوري الأبطال يجدد الصراع بين أندية شمال أفريقيا وجنوب الصحراء

عندما يستضيف ماميلودي صن داونز الجنوب أفريقي فريق الجيش الملكي المغربي بمدينة بريتوريا، بعد غد الأحد، في ذهاب نهائي دوري أبطال أفريقيا 2025 / 2026، يخوض الفريقان هذه المباراة تحت ضغط تاريخي كبير.

وظاهريا، تبدو هذه المباراة لقاء بين ناديين طموحين يفصل بينهما الجغرافيا وثقافات كرة القدم، لكن بالتعمق أكثر، نجد أن هذه المواجهة تعكس اتجاها قاريا أوسع نطاقا، اتجاها أعاد تشكيل كرة القدم للأندية الأفريقية على مدى أكثر من ستة عقود.

إنها ليست مجرد مباراة نهائية بين الجنوب والشمال، بل هي قصة كيف انتقلت فيها القوة تدريجيا نحو الشمال، وكيف أفسحت الهيمنة المبكرة من جنوب الصحراء الأفريقية المجال لعصر طويل من سيطرة شمال أفريقيا، وكيف تطورت بطولة الأندية الأبرز في القارة جنبا إلى جنب مع القارة السمراء نفسها.

وأُقيمت أول نسخة لبطولة للأندية في أفريقيا عام 1964، تحت اسمها الأصلي كأس الأندية الأفريقية، حيث فرضت فرق جنوب الصحراء هيمنتها على المسابقة بشكل كبير في الأعوام الأولى.

ووضع فريق أوريكس دوالا الكاميروني، بطل النسخة الأولى، بصمته في حقبة كانت فيها أندية وسط وغرب القارة رائدة في كرة القدم الأفريقية.

وبين عامي 1964 و1975، فاز باللقب فرق من الكاميرون، وكوت ديفوار، ومالي، وغانا، وغينيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والكونغو برازافيل، وهو انتشار واسع يعكس قوة اللعبة على مستوى القاعدة الشعبية بجنوب الصحراء الكبرى.

وفي النسخ الـ12 الأولى، لم يفز سوى فريقين من شمال أفريقيا بلقبين فقط، وهما الإسماعيلي المصري عام 1969 ومولودية الجزائر عام 1976، بينما أسست أندية مثل هافيا الغيني، وتي بي مازيمبي الكونغولي الديمقراطي، إمبراطورياتٍ كروية مبكرة بفضل المواهب الفذة، والهيمنة المحلية، والفخر الإقليمي.

لكن هذا التوازن لم يدم، حيث بدأ تحول إقليمي، فبحلول أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، بدأت أندية شمال أفريقيا في فرض نفسها.

وبشرت أندية شبيبة القبائل الجزائري، والأهلي والزمالك المصريين، والأفريقي التونسي، بعهد جديد تميز بدوريات محلية أقوى، وبنية تحتية أفضل، وتنظيم تكتيكي أكثر فعالية.

وبين عامي 1981 و1994، فازت أندية شمال أفريقيا بتسعة ألقاب من أصل 14، ما كان مؤشرا واضحا على بدء انتقال القوة القارية شمالا.

وجاءت نقطة التحول عام 1997، عندما أعاد الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف) تسمية البطولة إلى دوري أبطال أفريقيا، وأدخل نظام دور المجموعات، ما زاد من الإيرادات والانتشار والاحترافية.

وأحدث هذا التغيير تحولا جذريا في البطولة، ولم تستفد منه أي منطقة أكثر من شمال أفريقيا.

ومنذ 29 عاما مضت، كانت هيمنة أندية شمال أفريقيا طاغية على المسابقة، فقد توجت أندية من مصر والمغرب والجزائر وتونس بـ20 لقباً من أصل 29، مع تألق الأندية المصرية بشكل خاص، حيث أعادت تعريف معايير التميز.

ويقف الأهلي في قلب هذا النجاح، بـ12 لقبا في دوري أبطال أفريقيا، من بينها تتويجه بأربعة ألقاب خلال النسخ الستة الأخيرة، حيث يعتبر عملاق القاهرة أنجح ناد في تاريخ كرة القدم الأفريقية، بفارق كبير عن أقرب ملاحقيه.

وقد أصبح ثبات أداء نادي القرن في أفريقيا خلال مباريات خروج المغلوب، وعمق تشكيلاته، وخبرته القارية نموذجا يحتذى به، حسبما أفاد الموقع الألكتروني الرسمي لكاف.

وكان صعود الفرق المغربية بنفس القدر من الأهمية، فقد ساهمت أندية الرجاء البيضاوي والوداد البيضاوي والجيش الملكي مجتمعة في تشكيل نهج البلاد الأوروبي في كرة القدم القارية.

وأكدت انتصارات الوداد الأخيرة في عامي 2017 و2022 على عمق المنتخب المغربي، بينما يشير وصول الجيش الملكي إلى النهائي، بعد 41 عاما من تتويجه الوحيد باللقب عام 1985، إلى استمرارية هذا الإرث وعودته القوية.

وظلت تونس والجزائر قوتين ثابتتين، حيث واصل الترجي التونسي ووفاق سطيف وشبيبة القبائل الجزائريين، إضافة المزيد من الميداليات إلى رصيد المنطقة.

ولم تغب منطقة جنوب الصحراء الكبرى عن نقاشات دوري أبطال أفريقيا، لكن نجاحاته كانت متقطعة في العصر الحديث، حيث يعد تتويج إنييمبا النيجيري بلقبين متتاليين عامي 2003 و2004 أحد أبرز إنجازات تلك المنطقة في البطولة.

كما أظهرت نهضة تي بي مازيمبي بين عامي 2009 و2015، وفوز ماميلودي صن داونز باللقب عام 2016، أن أندية جنوب الصحراء الكبرى لا تزال قادرة على بلوغ القمة.

ورغم ذلك، فقد اثبت الحفاظ على الهيمنة صعوبته، فبينما قامت أندية شمال أفريقيا ببناء أنظمة وبنية تحتية واستمرارية قارية، عانت العديد من أندية جنوب الصحراء الكبرى من عدم الاستقرار المالي، وتغيير اللاعبين، وتحديات الحوكمة.

لذا، يحمل نهائي تلك النسخة من دوري الأبطال دلالات رمزية، فبالنسبة للجيش الملكي، تعتبر هذه فرصة لاستكمال سردية شمال أفريقيا، وتعزيز تقليد إقليمي تم تأسيسه على مدى عقود.

أما بالنسبة لصن داونز، فهي فرصة لرفع راية التحدي وإعادة أندية جنوب الصحراء لمنصات التتويج من جديد.

ويعكس وصول صن داونز لنهائي دوري أبطال أفريقيا مرتين متتاليتين عامي 2025 و2026 طموح جنوب أفريقيا المتنامي واحترافيتها، لن يمثل الفوز مجرد تتويج ثان بدوري أبطال أفريقيا للفريق، بل سيمثل ردا على عقود من هيمنة الشمال.

ومنذ عام 1964، توجت أندية شمال أفريقيا بـ30 لقبا، مقابل 31 لقبا لأندية جنوب الصحراء، لكن السياق يبدو مهما.

في السنوات الـ25 الماضية، فازت أندية شمال أفريقيا بأكثر من ثلثي الألقاب المتاحة، لتحول التكافؤ المبكر إلى هيمنة مستدامة.

وبدأت بطولة دوري أبطال أفريقيا كساحة منافسة أفريقية شاملة، لكنها أصبحت، إلى حد كبير، معقلا لأندية شمال القارة، وسيكون التاريخ على موعد مع اختبار جديد في بريتوريا بعد يوم غد الأحد، ليس لإعادة كتابته بالكامل، ولكن ربما لتوجيهه نحو مسار مختلف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى