أخبار دوليةتقارير

بلا هاتف ولا بصمة صوتية.. لماذا فشلت أمريكا وإسرائيل في تعقب مجتبى خامنئي؟

كيف تبحث الـCIA والموساد عن مجتبى خامنئي؟ وما الذي يقوله الدستور؟

كتبت: إسراء جبريل

خمسة أشهر من الغياب الكامل، بلا خطاب، ولا صورة، ولا حتى تسجيل صوتي… أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية تبحث عن مجتبى خامنئي، بينما تتسع دوائر الغموض داخل إيران. فهل نحن أمام إجراءات أمنية غير مسبوقة لحماية المرشد الجديد، أم أن الجمهورية الإسلامية دخلت بالفعل مرحلة أزمة قيادة لا يريد أحد الاعتراف بها؟

منذ الإعلان عن تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، لم يعد السؤال الأبرز في مراكز القرار الغربية هو: من يحكم إيران؟ بل أصبح: أين يوجد من يفترض أنه يحكم إيران؟.

فالغياب الكامل للمرشد الجديد عن المشهد العام لأكثر من خمسة أشهر، دون أي ظهور مرئي أو حتى رسالة صوتية، فتح الباب أمام واحدة من أكثر القضايا إثارة في الملف الإيراني منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.

وبينما تتعامل طهران مع الأمر باعتباره جزءً من ترتيبات أمنية استثنائية، ترى دوائر استخباراتية غربية أن هذا الغياب يحمل أبعاداً أعمق قد تمس طبيعة صنع القرار داخل النظام نفسه.

وبحسب ما أوردته صحيفة ذا تايمز البريطانية، أصبحت مهمة تحديد مكان وجود مجتبى خامنئي إحدى الأولويات الرئيسية لكل من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) وجهاز الموساد الإسرائيلي، في ظل عجز وسائل الرصد التقليدية عن الوصول إلى أي مؤشر يؤكد مكان وجوده أو طبيعة تحركاته.

من شخصية نافذة إلى “رجل بلا أثر ملموس

قبل وصوله إلى موقع القيادة، كان مجتبى خامنئي يُنظر إليه داخل الأوساط السياسية والأمنية باعتباره أحد أكثر الشخصيات نفوذاً في الجمهورية الإسلامية، رغم عدم شغله أي منصب رسمي معلن. فقد ارتبط اسمه منذ سنوات بعلاقات وثيقة مع قيادات الحرس الثوري ومكتب المرشد، كما نُسب إليه دور مؤثر في إدارة العديد من الملفات الحساسة.

اقرأ أيضًا: صعود مجتبى خامنئي وارتباط الحرس الثوري بمشروع دولة المهدي يزيد الغموض في الشرق الأوسط

لكن المفارقة أن انتقاله إلى قمة هرم السلطة تزامن مع اختفاء شبه كامل من المجال العام؛ فلم يظهر في أي مناسبة رسمية، ولم يُلقِ خطاباً، ولم يصدر عنه أي تسجيل صوتي أو مرئي، بل لم يُشاهد حتى خلال مراسم تشييع والده، وهو أمر غير مسبوق بالنسبة لمن يتولى أعلى منصب سياسي وديني في البلاد.

هذا الغياب خلق فراغاً معلوماتياً واسعاً، سرعان ما تحول إلى ساحة خصبة للتكهنات الاستخباراتية والإعلامية.

لماذا فشل الموساد وCIA في تعقبه؟

التقارير المتداولة تشير إلى أن أجهزة الاستخبارات الغربية واجهت هذه المرة بيئة عمليات تختلف جذرياً عن المرات السابقة.

فبحسب ما نقلته صحيفة ذا تايمز، فإن مجتبى خامنئي لم يستخدم منذ أشهر هاتفاً محمولاً، ولم يشغل جهاز كمبيوتر أو حاسوباً شخصياً، ولم يترك أي أثر رقمي يمكن تتبعه.

ومن المعروف أن معظم عمليات الرصد الاستخباراتي الحديثة تعتمد بدرجة كبيرة على البصمة الإلكترونية، سواء عبر الهواتف الذكية أو شبكات الإنترنت أو بيانات المواقع الجغرافية أو الاتصالات المشفرة.

لكن عندما يختفي كل ذلك دفعة واحدة، تصبح الوسائل التقنية التقليدية عديمة الفائدة تقريباً.

ولهذا السبب، تشير التقارير إلى أن الأجهزة الأمريكية والإسرائيلية أعادت تركيز جهودها على الاستخبارات البشرية (HUMINT)، أي محاولة الوصول إلى الأشخاص الذين ينقلون الرسائل أو يقدمون الخدمات اللوجستية أو يشكلون الحلقة الضيقة المحيطة بالمرشد الجديد.

ويستحضر بعض المسؤولين السابقين في الموساد تجربة تعقب أسامة بن لادن، حين لم يتم الوصول إليه عبر هاتف أو جهاز إلكتروني، وإنما من خلال مراقبة شبكة الرسل الذين كانوا ينقلون رسائله.

الرسائل الورقية بدلاً من التكنولوجيا

أحد أكثر التفاصيل إثارة في التقارير يتمثل في الحديث عن اعتماد مجتبى خامنئي على الرسائل المكتوبة بخط اليد، والتي يجري نقلها بواسطة مبعوثين موثوقين من الحرس الثوري.

إذا صحت هذه المعلومات، فإنها تعكس عودة إلى أساليب أمنية كانت شائعة خلال الحرب الباردة، بل وحتى قبل عصر الاتصالات الرقمية.

فالاعتماد على الرسل يقلل بدرجة كبيرة من فرص اعتراض الاتصالات إلكترونياً، لكنه في الوقت نفسه يزيد أهمية اختراق العنصر البشري، وهو ما يفسر تركيز الموساد وCIA على تحديد هوية الأشخاص الذين يدخلون ويخرجون من دائرة الاتصال الضيقة.

ووفقاً لتقديرات نقلتها الصحيفة البريطانية، فإن عدد الأشخاص الذين يعرفون مكان وجود مجتبى خامنئي قد لا يتجاوز شخصين أو ثلاثة داخل الحرس الثوري.

لماذا لا ينشر حتى رسالة صوتية؟

قد يبدو السؤال بسيطاً: إذا كان المرشد على قيد الحياة، فلماذا لا يسجل رسالة صوتية قصيرة تنهي كل هذه التكهنات؟

هذا السؤال حاولت صحيفة همشهري الإيرانية الإجابة عنه، انطلاقًا من منظور استخباراتي بحت.

فوفقًا للصحيفة، لم يعد التسجيل الصوتي في عالم الاستخبارات الحديثة مجرد وسيلة لنقل رسالة، بل أصبح مصدرًا غنيًا بالبيانات التقنية.

فكل ملف صوتي يحمل في داخله طبقات خفية من المعلومات، يمكن للأجهزة المتخصصة تحليلها لاستخراج مؤشرات تتعلق ببيئة التسجيل، وتوقيته، والمعدات المستخدمة، بل وحتى بعض الخصائص البيومترية للمتحدث.

أولاً: البصمة الصوتية

تمتلك أجهزة الاستخبارات تقنيات متقدمة لتحليل خصائص الصوت البشرية، بما في ذلك ترددات النطق، ورنين الجهاز التنفسي، وخصائص التجاويف الأنفية والفموية.

ومن خلال هذه البيانات يمكن التحقق من هوية المتحدث، كما يمكن تقدير عمره، وبعض المؤشرات المتعلقة بحالته الصحية.

ثانياً: الهندسة الصوتية للمكان

كل غرفة تمتلك بصمة صوتية مختلفة.

فانعكاس الموجات الصوتية عن الجدران والسقف والأرضية يسمح بتقدير حجم المكان وشكله، بل وأحياناً نوع المواد المستخدمة في البناء.

ويمكن لحساب زمن الارتداد الصوتي أن يمنح المحللين تصوراً أولياً عن طبيعة البيئة التي جرى فيها التسجيل.

ثالثاً: تحليل شبكة الكهرباء

من أخطر تقنيات الاستخبارات الحديثة تحليل التذبذبات الدقيقة لشبكة الكهرباء (Electric Network Frequency).

ففي كثير من التسجيلات تلتقط الميكروفونات ذبذبات غير مسموعة ناتجة عن شبكة الكهرباء المحلية.

وتحتفظ العديد من الدول بقاعدة بيانات لحظية لهذه التذبذبات، ما يسمح بمطابقة التسجيل مع وقت ومكان محددين بدرجة عالية من الدقة.

رابعاً: البصمة التقنية لجهاز التسجيل

كل ميكروفون يترك أثراً رقمياً خاصاً به.

فهو يشوه بعض الترددات ويبرز أخرى، ويخلق نمطاً فريداً من الضوضاء الإلكترونية.

ولهذا تستطيع المختبرات الجنائية والاستخباراتية في كثير من الأحيان تحديد نوع الجهاز المستخدم وربما الشركة المصنعة له.

خامساً: الضوضاء الخلفية

أصوات أجهزة التهوية، والمولدات الكهربائية، وأنظمة التبريد، وحتى حركة المصاعد أو المراوح، قد تكشف طبيعة المنشأة التي تم فيها التسجيل.

ولهذا فإن مجرد إصدار تسجيل صوتي قد يمنح الخصوم معلومات أكثر بكثير مما يظهر للمستمع العادي.

من هذا المنطلق، يصبح امتناع مجتبى خامنئي عن نشر أي رسالة صوتية -إذا كان ذلك صحيحاً- قراراً أمنياً يمكن فهم دوافعه من منظور استخباراتي.

سياسة “المرشد غير المرئي

شهدت إيران عبر تاريخها الحديث فترات اختفى فيها مسؤولون كبار لأسباب أمنية، لكن لم يسبق أن اختفى المرشد الأعلى نفسه بهذه الصورة.

فالمرشد ليس مجرد منصب دستوري، بل يمثل رمز الشرعية السياسية والدينية للنظام.

ولهذا فإن استمرار الغياب لفترة طويلة يخلق تحدياً رمزياً، حتى لو استمرت مؤسسات الدولة في العمل بصورة طبيعية.

ومن الناحية النفسية، يعتمد جزء من استقرار الأنظمة السياسية على حضور القيادة، سواء عبر الخطب أو اللقاءات أو الرسائل الدورية.

غياب هذا الحضور لفترة ممتدة يفتح الباب أمام الشائعات، ويزيد من مساحة التأويل داخل النخبة السياسية نفسها.

هل انتقلت السلطة عملياً إلى الحرس الثوري؟

تزامناً مع غياب مجتبى خامنئي، تصاعد الحديث عن تنامي دور الحرس الثوري في إدارة الملفات العسكرية والأمنية.

بل ذهبت قناة “إيران إنترناشيونال” إلى الحديث عن تشكيل مجلس عسكري من كبار قادة الحرس الثوري لإدارة المرحلة، في ظل صعوبة التواصل المباشر مع المرشد.

ولا توجد أدلة مستقلة تؤكد هذه الرواية، إلا أنها تعكس اتجاهاً تحليلياً يتكرر في العديد من مراكز الدراسات، ومفاده أن الحرس الثوري أصبح الطرف الأكثر تأثيراً في عملية اتخاذ القرار خلال المرحلة الحالية.

وفي حال استمرار هذا الوضع، قد يشهد النظام الإيراني انتقالاً تدريجياً من نموذج “قيادة المرشد” إلى نموذج “القيادة الجماعية الأمنية”، حتى لو بقيت الشرعية الدستورية قائمة باسم المرشد.

ماذا يقول الدستور الإيراني؟

يثير الغياب الطويل أيضاً تساؤلات قانونية.

فالمادة (111) من الدستور الإيراني تمنح مجلس خبراء القيادة صلاحية عزل المرشد في ثلاث حالات رئيسية:

  • إذا فقد أحد شروط تولي المنصب.
  • إذا أصبح عاجزاً عن أداء مهامه.
  • إذا تبين أنه لم يكن مستوفياً لشروط القيادة منذ البداية.

غير أن تفعيل هذه المادة ليس إجراءً تلقائياً، بل يتطلب قراراً من مجلس خبراء القيادة نفسه، وهو مجلس يتمتع أعضاؤه بعلاقات مؤسسية وسياسية مع بنية النظام، ما يجعل أي تحرك من هذا النوع مرتبطاً بتوازنات معقدة، وليس بمجرد استمرار الغياب.

كما أن غياب المعلومات الرسمية حول الحالة الصحية أو القدرة على إدارة شؤون الدولة يجعل من الصعب الحديث عن وجود مسار دستوري فعلي في الوقت الراهن.

هل الغياب ضعف أم تكتيك؟

يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل يعكس هذا الاختفاء أزمة داخل النظام، أم أنه جزء من استراتيجية أمنية مدروسة؟

بالنظر إلى التقارير الصادرة من وسائل الإعلام الإيرانية، يمكن فهم هذا السلوك باعتباره محاولة لحرمان الخصوم من أي فرصة لتحديد موقع القيادة أو استهدافها، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية شديدة التوتر، واستمرار المواجهة غير المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

لكن في المقابل، فإن استمرار الغياب لفترة طويلة يحمل كلفة سياسية ورمزية لا يمكن تجاهلها. فكلما طال أمد الصمت، زادت الأسئلة حول طبيعة آلية اتخاذ القرار، وحول الجهة التي تدير الملفات الاستراتيجية فعلياً، وحول مدى تماسك هرم السلطة.

ولهذا، تبدو المرحلة الحالية غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية؛ إذ يتقاطع فيها الأمن والاستخبارات مع الدستور والشرعية السياسية، بينما تبقى الإجابات الحاسمة غائبة، في انتظار لحظة قد تكشف ما إذا كان اختفاء المرشد مجرد تكتيك لحمايته، أم مؤشراً على تحولات أعمق داخل بنية النظام الإيراني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى