اقتصاد وتكنولوجيا

غاز شمال إفريقيا.. فرصة أوروبا الجديدة لتعزيز أمن الطاقة وخفض الانبعاثات

تمثل كميات الغاز المهدرة في دول شمال إفريقيا فرصة استراتيجية لأوروبا لتعزيز أمنها في مجال الطاقة، إذ يمكن تحويل الغاز الناتج عن عمليات الحرق وتسربات الميثان إلى إمدادات قابلة للتصدير، بما يسهم في تقليل الانبعاثات وتحقيق عوائد اقتصادية للطرفين، وفقًا لتحليل صادر عن المعهد الملكي للخدمات المتحدة.

وجاء هذا التقييم في ظل التحديات التي تواجهها أوروبا نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، واضطراب إمدادات الغاز الطبيعي المسال، وارتفاع الأسعار، وتراجع المخزونات، وهي عوامل كشفت هشاشة منظومة الطاقة الأوروبية وزادت الحاجة إلى مصادر إمداد قريبة وموثوقة.

وتشير التقديرات إلى أن الجزائر وليبيا ومصر تهدر سنويًا أكثر من 25 مليار متر مكعب من الغاز بسبب عمليات الحرق والتسرب، وهو ما يعادل أكثر من 13% من إجمالي إنتاجها. وفي المقابل، انخفضت صادرات الدول الثلاث إلى نحو 41 مليار متر مكعب خلال عام 2025، أي بتراجع يقارب الثلث مقارنة بعام 2021.

ويرى التقرير أن استعادة هذا الغاز تعد من أسرع وأقل الحلول تكلفة لزيادة الإمدادات، لأن الموارد متاحة بالفعل ولا تحتاج إلى عمليات استكشاف جديدة، بينما يمكن عبر الاستثمار في معدات المعالجة والضغط وشبكات الأنابيب تحويل الغاز المهدر إلى مصدر دخل يحقق مليارات الدولارات سنويًا، ويمنح أوروبا مصدرًا إضافيًا للطاقة.

وتحظى ليبيا بأهمية خاصة في هذا الملف، حيث يمكن ربط جهود الحد من حرق الغاز بالمبادرات الدولية الرامية إلى دعم الاستقرار السياسي وإصلاح قطاعي النفط والغاز، مع الدعوة إلى تعزيز الشفافية والمساءلة ضمن أي تسوية سياسية مستقبلية.

كما أشار التقرير إلى إمكانية مساهمة بريطانيا في دعم هذا المسار من خلال توفير التكنولوجيا والاستثمارات اللازمة لخفض الانبعاثات، معتبرًا أن مكافحة حرق الغاز تمثل قضية بيئية واقتصادية لا ينبغي تأجيلها، لما تحققه من فوائد مشتركة.

وتتمتع دول شمال إفريقيا ببنية تحتية جاهزة لنقل الغاز، تشمل أربعة خطوط أنابيب تربط الجزائر وليبيا بأوروبا، إضافة إلى أربع منشآت للغاز الطبيعي المسال في الجزائر ومصر، إلا أن هذه المرافق تعمل حاليًا بأقل من نصف طاقتها، ما يتيح إمكانية زيادة الصادرات سريعًا دون الحاجة إلى إنشاء مشروعات جديدة.

وأوضح التقرير أن هناك مشروعات عملية يجري تنفيذها بالفعل، من بينها تحديث معدات الضغط في ليبيا، وتطوير خطوط جديدة بحوض سرت، وربط الاكتشافات البحرية بخط “جرينستريم”، إلى جانب تحسين الجزائر لشبكات النقل والتكرير، واستفادة مصر من مشروعات استعادة الغاز غير المستخدم لتوليد الكهرباء وخفض الانبعاثات.

وأكد المعهد الملكي للخدمات المتحدة أن تقليل انبعاثات الميثان لم يعد هدفًا بيئيًا فقط، بل أصبح عنصرًا أساسيًا للحفاظ على القدرة التنافسية في السوق الأوروبية، خاصة مع بدء تطبيق قواعد الاتحاد الأوروبي الجديدة الخاصة بانبعاثات الميثان اعتبارًا من عام 2030.

وخلص التقرير إلى أن استغلال الغاز المهدر في شمال إفريقيا يوفر مكاسب متبادلة، إذ تحصل أوروبا على مصدر طاقة قريب وأكثر استقرارًا، بينما تحقق دول المنطقة إيرادات إضافية وتخفض انبعاثاتها، بما يجعل هذا الخيار أحد أسرع الحلول التي تجمع بين دعم الاقتصاد وحماية البيئة وتعزيز أمن الطاقة الأوروبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى