أخبار دوليةتقارير

من “الموت لأمريكا” إلى “التفاوض”.. هل يبتلع الاتفاق المحتمل أحد أكثر شعارات إيران قداسة؟

كتبت: إسراء جبريل

الشعارات في السياسة الإيرانية ليست مجرد كلمات تُرددها الحشود في الساحات أو على مدرجات الجامعات أو خلال المسيرات الرسمية، بل هي جزء من البنية الرمزية التي يقوم عليها النظام السياسي منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي بعد أي اتفاق محتمل بين إيران والولايات المتحدة لا يتعلق بما إذا كانت طهران ستجلس إلى طاولة واحدة مع واشنطن، فذلك حدث بالفعل في محطات مختلفة، وإنما السؤال الأكثر تعقيدًا هو: ماذا سيحدث لشعار “الموت لأمريكا” الذي تحول على مدى أكثر من أربعة عقود من مجرد هتاف سياسي إلى علامة أيديولوجية وطقس سياسي متكرر؟

فمنذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، ارتبط شعار “الموت لأمريكا” بمفهوم “الاستكبار العالمي”، وهو مفهوم سياسي وديني استخدمته القيادة الإيرانية لوصف النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. ومع مرور السنوات لم يعد الشعار مجرد تعبير عن خلاف سياسي مع إدارة أمريكية بعينها، بل أصبح جزءًا من الذاكرة الثورية للنظام، وعنصرًا من عناصر شرعيته الداخلية.

لكن المشهد يصبح أكثر تعقيدًا عندما يبرز احتمال التوصل إلى اتفاق أو تفاهم جديد بين طهران وواشنطن. ففي هذه اللحظة تبدأ التناقضات الداخلية بالظهور؛ لأن النظام الإيراني سيكون مضطرًا للتوفيق بين ضرورات السياسة الواقعية ومتطلبات الخطاب الأيديولوجي.

إصلاحيون في مواجهة المحافظين… معركة داخلية حول مستقبل الخطاب السياسي

التصريحات المتداولة أخيرًا تكشف هذا الانقسام بوضوح. فمن جهة، يظهر تيار إصلاحي يميل إلى إعادة تفسير العلاقة مع الولايات المتحدة بطريقة أكثر براغماتية.

السياسي الإصلاحي محمد صادق جوادي حصار، على سبيل المثال، طرح رؤية تقوم على أن الشعارات العدائية كانت مرتبطة بمرحلة تاريخية معينة وبوجود حالة صدام، وأن تغير الظروف يستدعي تغير الخطاب أيضًا. ويستند هذا المنطق إلى أن موقف المجتمع غالبًا ما يتأثر بالاتجاه العام الذي تتبناه السلطة الحاكمة، وأن الانتقال نحو التفاهم قد يخلق تدريجيًا قبولًا شعبيًا مختلفًا.

هذه الفكرة ليست غريبة على التجربة الإيرانية؛ فإيران رفعت في مراحل سابقة شعارات ضد الاتحاد السوفيتي، ثم تحولت لاحقًا إلى بناء علاقات استراتيجية مع روسيا. ومن منظور التيار الإصلاحي، فإن السياسة ليست نصًا جامدًا، بل هي تفاعل مع المصالح والمتغيرات الدولية.

لكن في الجهة المقابلة يقف التيار المحافظ والأكثر ارتباطًا بالمؤسسات العقائدية للنظام، وهو تيار يرى أن المشكلة مع الولايات المتحدة ليست مجرد خلاف سياسي قابل للتسوية، بل صراع بنيوي يتجاوز الحكومات والاتفاقات.

فممثل المرشد لدى الحرس الثوري عبد الله حاجي صادقي، قال إن هدف الجمهورية الإسلامية من التفاوض ليس “المصالحة مع العدو”، وأوضح أن الحوار يجب أن يكون مجرد أداة للحصول على حقوق الشعب الإيراني.

وأضاف أن المواجهة خلال الحرب لم تكن تعني الاستسلام، وأن الأمر نفسه ينطبق على المفاوضات السياسية؛ فالحوار لا يعني التخلي عن العداء لما سماه “جبهة الاستكبار”.

وذكر أن العداء مع الاستكبار، وفقًا للنصوص الدينية التي تحدث عنها، ليس مسألة مؤقتة تنتهي بتوقيع اتفاق أو تفاهم سياسي، بل هو موقف مستمر.

كما قال إنه لن يأتي يوم تصبح فيه الجمهورية الإسلامية صديقة للولايات المتحدة، وإن إيران لن تتخلى عن أهدافها أو عن شعارات مثل القضاء على إسرائيل.

ثم أشار إلى دعوات طالب أصحابها بملاحقة من يرددون شعار “الموت لأمريكا”، مؤكدًا أن مثل هذا الأمر لن يحدث.

هذا التصور يكشف نقطة بالغة الأهمية؛ وهي أن الاتفاق بالنسبة لهذا التيار لا يُنظر إليه باعتباره بداية لعلاقة جديدة، بل باعتباره مجرد وسيلة لإدارة الصراع والحصول على مكاسب سياسية أو اقتصادية دون تغيير جوهر الصراع نفسه.

الأكثر أهمية أن بعض الأصوات المحافظة تبدو وكأنها ترسم خطوطًا حمراء مسبقة.

فإمام الجمعة بمدينة مشهد أحمد علم الهدى طرح سؤالًا قال فيه: “ما مصير الثأر للقائد الشهيد للثورة؟”.

وأضاف أن جميع الخسائر قد تكون قابلة للتعويض، لكن لا توجد خسارة أكبر من فقدان “الإمام الشهيد”.

وقال إن الحرب ربما انتهت، لكن المعركة لم تنتهِ، مضيفًا أن المواجهة مع الولايات المتحدة مستمرة.

وأكد بصورة مباشرة: “لن نُسقط شعار الموت لأمريكا من ألسنتنا مهما كانت الاعتبارات أو الحسابات السياسية”.

التفاوض بلا مصافحة… كيف تجمع طهران بين الحوار والعداء؟

هذه المعادلة ليست جديدة في السلوك الإيراني؛ فقد ظهرت بوضوح خلال فترة الاتفاق النووي عام 2015. آنذاك جلس المسؤولون الإيرانيون والأمريكيون إلى طاولة واحدة، وتم توقيع اتفاق تاريخي، لكن ذلك لم يؤد إلى اختفاء الشعارات المعادية لأمريكا من المناسبات الرسمية أو البرلمان أو المسيرات السنوية.

بل إن كثيرًا من رموز التيار المحافظ حينها كانوا يؤكدون أن الاتفاق لا يعني الثقة بالولايات المتحدة ولا يمثل بداية لعلاقة طبيعية معها.

ومن هنا يمكن تصور أن ما سيحدث مستقبلًا لن يكون اختفاءً مفاجئًا للشعار، بل إعادة إنتاج له بصورة مختلفة.

هناك أربعة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول: استمرار الشعار دون تغيير.

في هذا السيناريو تبقى الهتافات كما هي في المناسبات الرسمية الكبرى، مثل ذكرى الثورة أو يوم القدس أو الفعاليات السياسية المرتبطة بالحرس الثوري والمؤسسات العقائدية. ويستند هذا الاحتمال إلى أن إزالة الشعار قد تُفهم داخل البيئة المحافظة على أنها تراجع أيديولوجي أو تنازل عن أحد رموز الثورة.

السيناريو الثاني: إعادة تفسير الشعار.

قد تلجأ القيادة الإيرانية إلى تكثيف الخطاب القائل إن المقصود بـ”الموت لأمريكا” ليس الشعب الأمريكي بل السياسات الأمريكية أو الهيمنة الأمريكية. هذا التفسير سبق أن استخدمته شخصيات إيرانية بارزة في مراحل سابقة.

بهذه الطريقة يمكن الاحتفاظ بالشعار شكليًا مع تخفيف حدته السياسية.

السيناريو الثالث: تقليص ظهوره تدريجيًا.

في هذا السيناريو لا يُلغى الشعار رسميًا، لكنه يصبح أقل حضورًا في الإعلام الرسمي والمناسبات اليومية، مع بقائه حاضرًا في المناسبات العقائدية الكبرى.

هذا الأسلوب يسمح للنظام بتحقيق توازن دقيق؛ فهو لا يصطدم بالتيار المحافظ، وفي الوقت نفسه يرسل إشارات تهدئة للخارج.

السيناريو الرابع: ازدواجية الخطاب.

وهذا ربما يكون السيناريو الأكثر احتمالًا.

في هذا النموذج تستمر المفاوضات والاتفاقات والتعاون في ملفات معينة، بينما يبقى الخطاب الثوري قائمًا في الداخل.

أي أن الدولة تتفاوض مع واشنطن سياسيًا، بينما تستمر المنصات الإعلامية وبعض التجمعات الشعبية في ترديد الشعارات التقليدية.

قد يبدو هذا تناقضًا من الخارج، لكنه داخل النظام الإيراني لا يُنظر إليه بالضرورة باعتباره تناقضًا؛ لأن هناك فصلًا بين مفهوم “إدارة الصراع” ومفهوم “إنهاء الصراع”.

كما أن مسألة الجمهور الموالي للنظام تستحق اهتمامًا خاصًا.

المؤيدون للنظام لا يتحركون عادة وفق مبادرات فردية مستقلة، بل يتأثرون بدرجة كبيرة بالخطاب الصادر عن مؤسسات الدولة والمرجعيات السياسية والدينية.

لذلك فإن السؤال ليس: هل سيتوقف المواطنون الموالون للنظام عن ترديد الشعار؟

السؤال الأقرب إلى الواقع هو: ماذا ستطلب منهم القيادة أن يقولوا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى