تقارير

بطارية عملاقة في باطن الأرض.. كيف تستغل البرتغال الصخور لتخزين الطاقة المتجددة؟

تتجه البرتغال إلى استكشاف حل مبتكر لمواجهة واحدة من أبرز تحديات الطاقة المتجددة، وهي كيفية تخزين الكهرباء الفائضة الناتجة عن محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وذلك من خلال الاستفادة من الطبقات العميقة من الصخور المسامية الموجودة تحت سطح الأرض لتخزين الطاقة على نطاق واسع.

وتقوم الفكرة على استخدام تقنية تُعرف باسم «تخزين الطاقة بالهواء المضغوط»، حيث يتم استغلال الكهرباء الفائضة خلال فترات ارتفاع إنتاج الطاقة الشمسية والرياح لتشغيل ضواغط تضغط الهواء، ثم يُخزن هذا الهواء داخل تكوينات جيولوجية مناسبة على أعماق تصل إلى آلاف الأمتار.

وعندما يرتفع الطلب على الكهرباء أو يتراجع إنتاج مصادر الطاقة المتجددة، يمكن استعادة الهواء المضغوط من باطن الأرض واستخدامه في تشغيل التوربينات لتوليد الكهرباء وإعادتها إلى شبكة الطاقة.

سعة تخزينية ضخمة

وأظهرت نماذج بحثية أجراها باحثون من جامعات ومراكز علمية في البرتغال أن بعض التكوينات الجيولوجية قد تتمتع بقدرات تخزينية هائلة، إذ يمكن لخزان جيولوجي واحد، في ظروف مثالية، أن يوفر سعة تصل إلى نحو تيراواط/ساعة.

ولا تعني هذه الأرقام وجود منشأة بهذا الحجم تعمل حاليًا، وإنما تشير إلى الإمكانات النظرية التي يمكن أن توفرها التكوينات الجيولوجية المناسبة إذا جرى تطوير التقنية على نطاق تجاري.

ويبحث العلماء عن مواقع تتمتع بخصائص محددة، من بينها المسامية والنفاذية والعمق وقدرة الصخور على تحمل الضغط والحفاظ على الهواء المخزن لفترات طويلة.

لماذا تحتاج البرتغال إلى هذا النوع من التخزين؟

تعتمد البرتغال بشكل متزايد على مصادر الطاقة المتجددة، خصوصًا الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لكن طبيعة هذه المصادر تجعل الإنتاج متغيرًا على مدار اليوم.

ففي أوقات معينة، يمكن أن تنتج محطات الطاقة الشمسية والرياح كهرباء تفوق احتياجات الشبكة، ما يؤدي إلى اضطرار مشغلي الشبكات إلى خفض الإنتاج أو فقدان جزء من الطاقة المتاحة.

أما تخزين هذه الكهرباء في باطن الأرض، فيتيح الاحتفاظ بالفائض خلال فترات ارتفاع الإنتاج واستخدامه لاحقًا عندما يكون الطلب أعلى أو عندما تنخفض سرعة الرياح أو تقل أشعة الشمس.

بديل للتخزين بالبطاريات

وتختلف هذه التقنية عن بطاريات الليثيوم-أيون التقليدية، إذ تستهدف تخزين كميات ضخمة من الطاقة لفترات أطول، وهو ما يجعلها مناسبة بشكل خاص لدعم شبكات الكهرباء التي تعتمد بصورة كبيرة على مصادر متجددة متقطعة.

كما أن استخدام التكوينات الجيولوجية العميقة يمكن أن يوفر مساحات تخزين كبيرة دون الحاجة إلى إنشاء عدد هائل من البطاريات فوق سطح الأرض.

لكن التقنية لا تخلو من تحديات، إذ تعتمد كفاءتها على طبيعة الموقع الجيولوجي، ومدى قدرة الصخور على الاحتفاظ بالهواء المضغوط، إضافة إلى كفاءة تحويل الكهرباء إلى هواء مضغوط ثم استعادة الكهرباء مرة أخرى.

دراسات لتحديد المواقع المناسبة

وتعمل فرق بحثية برتغالية على دراسة التكوينات الجيولوجية في مناطق مختلفة من البلاد، بهدف تحديد المواقع التي يمكن أن تكون مناسبة لتطبيق تخزين الهواء المضغوط.

وتشمل الدراسات تحليل عمق الطبقات الصخرية ودرجة نفاذيتها ومساميتها، إلى جانب طبيعة السوائل الموجودة داخل الصخور، ومدى قدرتها على تحمل عمليات الضغط والتفريغ المتكررة.

ويُعد اختيار الموقع من أهم مراحل المشروع، لأن نجاح التخزين لا يعتمد على وجود الصخور المسامية فقط، وإنما على قدرتها على العمل كخزان مستقر وآمن على مدار سنوات طويلة.

تجارب مماثلة حول العالم

ولا تعد فكرة استخدام باطن الأرض لتخزين الطاقة جديدة بالكامل، فقد لجأت دول مختلفة إلى استخدام التكوينات الجيولوجية العميقة لتخزين الغاز الطبيعي على نطاق واسع، ما وفر خبرات يمكن الاستفادة منها عند تطوير تقنيات تخزين الطاقة.

كما شهدت تقنيات تخزين الهواء المضغوط تجارب في عدد من الدول، إلا أن استخدام الخزانات الجيولوجية المسامية لتخزين الطاقة المتجددة على نطاق واسع لا يزال مجالًا بحثيًا وتطويريًا يحتاج إلى مزيد من الاختبارات قبل الوصول إلى انتشار تجاري واسع.

تحديات أمام «البطارية الجيولوجية»

رغم الإمكانات الكبيرة، فإن تحويل باطن الأرض إلى نظام تخزين ضخم للطاقة يتطلب التغلب على عدد من العقبات، أبرزها ضمان عدم تسرب الهواء المضغوط، والحفاظ على استقرار الخزان الجيولوجي، والتحكم في عمليات الحقن والاستخراج.

كما تمثل كفاءة النظام عاملًا مهمًا، إذ لا يمكن استعادة كامل الكهرباء المستخدمة في ضغط الهواء، ولذلك تعمل الأبحاث على تحسين كفاءة عمليات التخزين والتوليد وتقليل فقد الطاقة.

وتحتاج المشاريع المستقبلية كذلك إلى دراسة الجوانب الاقتصادية والبيئية، بما في ذلك تكلفة إنشاء الآبار والمنشآت والمعدات اللازمة لضغط الهواء واستخراجه وتحويله مرة أخرى إلى كهرباء.

خطوة نحو شبكة كهرباء أكثر استقرارًا

وتعكس التجربة البرتغالية توجهًا متزايدًا نحو البحث عن حلول تخزين طويلة الأمد تواكب التوسع في الاعتماد على الطاقة المتجددة.

وفي حال نجاح التقنية على المستوى التجاري، يمكن أن تساعد في تقليل هدر الكهرباء الناتجة عن الطاقة الشمسية والرياح، وتوفير مصدر احتياطي يمكن اللجوء إليه عند انخفاض الإنتاج.

وبذلك قد يتحول باطن الأرض مستقبلًا إلى جزء أساسي من منظومة تخزين الطاقة، بحيث لا تقتصر الاستفادة من الصخور العميقة على استخراج الموارد، بل تمتد إلى استخدامها كخزانات ضخمة للكهرباء النظيفة، بما يدعم استقرار الشبكات ويعزز قدرة الدول على التوسع في الطاقة المتجددة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى