القمة المصرية السعودية.. شراكة استراتيجية لوقف التصعيد وحماية أمن المنطقة

تأتي زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تصاعد الأزمات والتوترات العسكرية في المنطقة وتزايد المخاوف بشأن أمن البحر الأحمر واستقرار أسواق الطاقة والملاحة الدولية.
وتكتسب القمة المصرية السعودية أهمية خاصة في ظل العلاقات التاريخية والاستراتيجية التي تجمع القاهرة والرياض، باعتبارهما من أبرز القوى المؤثرة في المنطقة، وما يمكن أن يمثله التنسيق بينهما من عامل أساسي في مواجهة التهديدات الإقليمية والعمل على احتواء الأزمات المتصاعدة.
ويرى خبراء أن اللقاء يعكس إدراكًا مشتركًا لضرورة تعزيز التعاون والتشاور بين البلدين، خاصة مع التطورات الأمنية المتلاحقة في البحر الأحمر، والتصعيد في باب المندب، إلى جانب تداعيات المواجهات الأمريكية الإيرانية على حركة الملاحة في مضيق هرمز.
تنسيق مصري سعودي لحماية البحر الأحمر
أكد الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في الشؤون الاستراتيجية، أن أهمية الزيارة ترتبط بالحاجة إلى تعزيز التنسيق بين مصر والسعودية باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للأمن القومي العربي.
وأوضح أن المرحلة الحالية تتطلب تنسيق الأدوار بين البلدين بهدف خفض مستوى التصعيد وحماية أمن البحر الأحمر، بما يسمح باستمرار خطط التنمية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وأشار إلى أن مباحثات القاهرة والرياض لا تقتصر على العلاقات الثنائية، وإنما تمتد إلى مجموعة من الملفات الإقليمية المعقدة، وفي مقدمتها تصعيد الحوثيين في منطقة باب المندب، والتوترات الأمريكية الإيرانية وانعكاساتها على حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وأضاف أن التطورات الحالية تؤكد أهمية اعتماد الدول العربية على قدراتها وإمكاناتها الذاتية لحماية أمنها القومي، مشيرًا إلى ضرورة اتخاذ الدول المطلة على البحر الأحمر مواقف واضحة تجاه أي تحركات تهدد أمن المنطقة.
التعاون الاقتصادي حاضر بقوة
ولا تقتصر أهمية القمة على الجوانب السياسية والأمنية، إذ يمثل التعاون الاقتصادي محورًا مهمًا في العلاقات المصرية السعودية.
ويرى سلامة أن القمة يمكن أن تفتح المجال أمام توسيع التعاون في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والتجارة والاستثمار، بما يعزز العلاقات الاقتصادية بين البلدين ويبعث برسائل طمأنة للمستثمرين.
كما تعكس القمة، بحسب رؤيته، استمرار حالة التضامن والتنسيق بين القاهرة والرياض، في مواجهة المحاولات الرامية إلى التأثير على قوة العلاقات بين البلدين.
توافق حول القضية الفلسطينية
من جانبه، يرى الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، أن زيارة ولي العهد السعودي للقاهرة تأتي في مرحلة تسعى خلالها مصر والسعودية إلى خلق فرص جديدة للتنمية، وهو ما يتطلب أولًا العمل على وقف التصعيد الإقليمي والتمسك بمبادئ الشرعية الدولية.
وأشار إلى وجود توافق في المواقف المصرية والسعودية تجاه عدد من الملفات الساخنة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
وأوضح أن مصر تواصل رفض مخططات تهجير الفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية، بينما تتمسك السعودية بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967، باعتبار ذلك أساسًا لأي مسار سياسي أو عملية تطبيع.
وأضاف أن استمرار التنسيق بين القاهرة والرياض يوجه رسائل مهمة إلى الأطراف الإقليمية والدولية، أبرزها أن البلدين يمتلكان علاقات تاريخية وثقلًا استراتيجيًا يمكنهما من مواجهة التحديات ومحاولة منع أي ترتيبات خارجية تستهدف إعادة تشكيل المنطقة دون مراعاة مصالح دولها.
«مسافة السكة».. تعاون أمني واقتصادي وسياسي
وفي السياق نفسه، أكد الدكتور خالد شنيكات، رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية، أن العلاقات المصرية السعودية شهدت تطورًا كبيرًا خلال السنوات الماضية، مستندة إلى مبدأ «مسافة السكة» الذي يعكس وحدة أمن مصر والخليج وعدم إمكانية الفصل بينهما.
وأوضح أن الشراكة بين القاهرة والرياض تقوم على ثلاثة مسارات رئيسية.
ويتمثل المسار الأول في التعاون الأمني، خاصة حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر، والحفاظ على أمن مضيق باب المندب باعتباره ممرًا دوليًا حيويًا، إلى جانب دعم سيادة الدول وتشجيع الحلول السياسية للأزمات، وفي مقدمتها الأزمة اليمنية.
أما المسار الثاني فيرتبط بـالتعاون الاقتصادي والتنموي، في ظل قوة التبادل التجاري بين البلدين، ووجود أعداد كبيرة من العمالة المصرية في السعودية، فضلًا عن الاستثمارات السعودية المباشرة في السوق المصرية.
بينما يتمثل المسار الثالث في التنسيق السياسي والدبلوماسي، سواء من خلال الاتصالات المباشرة والبيانات المشتركة، أو عبر جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، بهدف دعم الحلول السلمية للنزاعات ورفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وتؤكد القمة المصرية السعودية، في ظل هذه التطورات، أن التنسيق بين القاهرة والرياض يمثل محورًا رئيسيًا في التعامل مع أزمات المنطقة، وحماية أمن البحر الأحمر والخليج، ودعم الاستقرار السياسي والاقتصادي في العالم العربي.



