أخبار دولية

الجنائية الدولية تتحصن ضد عقوبات أمريكا بإجراءات مالية وتقنية

أكدت المحكمة الجنائية الدولية أنها اتخذت إجراءات احترازية لتعزيز قدرتها على مواصلة عملها في مواجهة تداعيات العقوبات الأمريكية المحتملة، في ظل استمرار الخلاف بين المحكمة وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وقالت نائبة المدعي العام للمحكمة، نزهت شميم خان، إن المحكمة عملت خلال الفترة الماضية على الحد من تأثير أي عقوبات أمريكية جديدة قد تستهدف المؤسسة بصورة أوسع، مؤكدة أن الاستعدادات لهذا الاحتمال بدأت منذ نحو عام.

المحكمة تستعد لعقوبات أمريكية أوسع

وأوضحت خان، في تصريحات لصحيفة «فايننشال تايمز»، أن المحكمة لا تنتظر صدور عقوبات جديدة للتحرك، مشيرة إلى أنها وضعت بالفعل إجراءات احترازية تهدف إلى حماية عملياتها المالية والتقنية.

وأضافت أن المحكمة تلقت معلومات غير رسمية عن احتمال فرض إجراءات أمريكية جديدة، لكنها لم تتلق حتى الآن إخطارًا رسميًا بشأن عقوبات تستهدف المؤسسة بأكملها.

وتأتي هذه الاستعدادات بعدما فرضت واشنطن بالفعل عقوبات على مسؤولين في المحكمة، بينما تتحدث تقارير عن احتمال توسيع نطاق الإجراءات لتشمل جوانب يمكن أن تؤثر في قدرة المحكمة على الوصول إلى الخدمات المالية والتكنولوجية الدولية.

تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية

وشملت إجراءات المحكمة مراجعة بنيتها التكنولوجية وتقليل اعتمادها على بعض الشركات الأمريكية.

وبحسب ما أوردته «فايننشال تايمز»، بدأت المحكمة خلال العام الماضي نقل بعض برامج العمل المكتبي من خدمات شركة «مايكروسوفت» الأمريكية إلى منصة OpenDesk الألمانية، ضمن جهود لتنويع مزودي الخدمات التقنية.

كما اتخذت المحكمة إجراءات احتياطية أخرى شملت مراجعة ترتيباتها المصرفية والتأمين والسفر والعمل عن بعد، إلى جانب الحفاظ على نسخ ورقية ورقمية من بعض الملفات والوثائق المهمة.

وتشير وثائق رسمية للمحكمة إلى استمرار العمل على تعزيز مرونة أنظمتها المعلوماتية والأمن السيبراني، بالتوازي مع متابعة آثار العقوبات الأمريكية القائمة.

ترتيبات مالية وبدائل للخدمات

لم تقتصر استعدادات المحكمة الجنائية الدولية على الجانب التقني، إذ عملت أيضًا على إعداد ترتيبات بديلة للخدمات المصرفية والتأمين الصحي وغيرها من الخدمات الأساسية.

كما اتخذت إجراءات تتعلق بالرواتب، من بينها دفع مستحقات بعض الموظفين مقدمًا، بهدف تقليل مخاطر حدوث اضطرابات في عمليات الدفع إذا امتدت العقوبات إلى المؤسسة نفسها.

ورفضت المحكمة الكشف عن تفاصيل بعض خططها البديلة، خشية أن يؤدي الإعلان عنها إلى إضعاف فعاليتها.

كيف بدأت المواجهة بين واشنطن والجنائية الدولية؟

تصاعد الخلاف بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا على خلفية التحقيقات التي أجرتها المحكمة بشأن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين.

وفي 6 فبراير 2025، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، متضمنًا إمكانية تجميد ممتلكات وأصول أشخاص مستهدفين، إلى جانب فرض قيود على دخول مسؤولين وموظفين ووكلاء في المحكمة إلى الولايات المتحدة.

وجاء الأمر التنفيذي بعد إصدار المحكمة في نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب في غزة.

وترفض إسرائيل اختصاص المحكمة والاتهامات الموجهة إلى مسؤوليها، بينما أكدت واشنطن بدورها اعتراضها على ممارسة المحكمة اختصاصها على مواطني الولايات المتحدة وإسرائيل، باعتبار أن الدولتين ليستا طرفين في نظام روما الأساسي.

عقوبات سابقة على مسؤولين بالمحكمة

لم تقتصر الإجراءات الأمريكية على الأمر التنفيذي الصادر في فبراير 2025، إذ طالت العقوبات مسؤولين في المحكمة، من بينهم قضاة، وشملت إجراءات مثل تجميد أصول خاضعة للولاية الأمريكية وفرض قيود على التعاملات.

وتقول الإدارة الأمريكية إن هذه الإجراءات مرتبطة باعتراضها على تحركات المحكمة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما تتمسك المحكمة باستقلالها وباختصاصاتها المنصوص عليها في نظام روما الأساسي.

وكانت المحكمة قد واجهت أيضًا إجراءات أمريكية خلال الولاية الأولى لترامب، عندما فرضت واشنطن عقوبات على المدعية العامة السابقة فاتو بنسودا ومسؤول آخر في مكتب الادعاء بسبب التحقيق المتعلق بأفغانستان. وألغت إدارة الرئيس السابق جو بايدن تلك العقوبات في أبريل 2021.

لماذا تمثل العقوبات تحديًا للمحكمة؟

تكمن إحدى أبرز المشكلات المحتملة في أن العقوبات الأمريكية قد لا تقتصر آثارها على الأشخاص المدرجين مباشرة على قوائم العقوبات، إذ يمكن أن تؤثر في تعامل المؤسسات المالية والتكنولوجية العالمية مع الجهات الخاضعة للقيود الأمريكية.

ولهذا ركزت المحكمة على تنويع خدماتها وتقليل اعتمادها على مزود واحد أو على شركات قد تتأثر بالعقوبات، إلى جانب وضع ترتيبات بديلة للعمليات المصرفية والتقنية.

وقالت خان إن بعض مسؤولي المحكمة الذين تعرضوا للعقوبات واجهوا ما وصفته بـ«الإفراط في الامتثال»، عندما اتخذت بعض المؤسسات إجراءات إضافية تتجاوز المتطلبات المباشرة للعقوبات، ما دفع المتضررين إلى البحث عن وسائل بديلة لمواصلة تعاملاتهم.

المحكمة تتمسك بمواصلة عملها

وتؤكد المحكمة الجنائية الدولية أن إجراءاتها تستند إلى نظام روما الأساسي، فيما تواصل تعزيز قدرتها المؤسسية والتقنية في مواجهة الضغوط الخارجية.

ويعكس التحرك الحالي انتقال الخلاف بين واشنطن والمحكمة من مسألة تتعلق بالاختصاص القانوني والعلاقات السياسية إلى تحديات عملية مرتبطة بالتمويل والتكنولوجيا والخدمات التي تعتمد عليها المحكمة في أداء مهامها.

ومع استمرار الحديث عن احتمال فرض إجراءات أمريكية أوسع، تعمل المحكمة على تعزيز مرونتها التشغيلية وتقليل نقاط الاعتماد التي قد تتأثر بأي عقوبات مستقبلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى