أخبار دولية

الانسحاب الأمريكي من العراق.. من يملأ الفراغ الأمني؟

يمثل الانسحاب الأمريكي من العراق تحولًا مهمًا في المشهد الأمني والسياسي، بعد أكثر من عقدين من الوجود العسكري الأمريكي، لينتقل العراق إلى مرحلة تتحمل فيها مؤسساته الأمنية مسؤولية أكبر عن حماية البلاد ومواجهة التحديات الداخلية.

ومع مغادرة القوات الأمريكية للقواعد العراقية، تبرز تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، في ظل مخاوف من توسع نفوذ الفصائل المسلحة أو استغلال تنظيم داعش لأي ثغرات أمنية، مقابل تأكيد بغداد أن المرحلة الجديدة تستند إلى تعزيز سيادة الدولة وتطوير قدرات أجهزتها الأمنية.

نهاية مهمة التحالف وبداية مرحلة جديدة

جاء الانسحاب الأمريكي في إطار تفاهمات بين بغداد وواشنطن بدأت عام 2024، بهدف إنهاء مهمة التحالف الدولي والانتقال إلى علاقة أمنية ثنائية تركز على التدريب وتبادل المعلومات.

وبحلول سبتمبر 2026، كانت القوات العراقية قد تسلمت المواقع التي كانت تشغلها قوات التحالف، لتصبح مسؤولية الأمن الداخلي بصورة أكبر في يد المؤسسات العراقية.

ويرى مراقبون أن التحدي لا يرتبط فقط بتسلم القواعد، وإنما بقدرة العراق على تعويض القدرات التي كانت توفرها القوات الأمريكية، خصوصًا في مجالات الاستخبارات والاستطلاع والدعم اللوجستي.

وقال المحلل الأمني العراقي جاسم البهادلي إن مغادرة القوات الأمريكية تمنح إيران وحلفاءها مساحة أكبر للتحرك، معتبرًا أن الوجود الأمريكي كان يمثل عامل توازن أمام النفوذ الإيراني.

في المقابل، أكد الخبير الأمني فاضل أبو رغيف أن نجاح المرحلة المقبلة يرتبط بقدرة الأجهزة العراقية على العمل والتنسيق المشترك، مشددًا على أهمية تطوير قدرات الجيش والأجهزة الأمنية والاستخباراتية لمنع أي اختراقات.

صراع النفوذ بعد الانسحاب

يرتبط مستقبل العراق بعد الانسحاب الأمريكي بتوازنات إقليمية معقدة، إذ ترى تحليلات أن إيران قد تسعى إلى توسيع حضورها السياسي والأمني داخل البلاد، بينما يمكن لدول الجوار الأخرى أن تعمل أيضًا على تعزيز نفوذها.

وقال الباحث الاستراتيجي علي المعموري إن دول المنطقة ستسعى إلى تعزيز حضورها في المشهد العراقي، وهو ما يضع بغداد أمام تحدي إدارة علاقاتها الخارجية والحفاظ على توازنها الإقليمي.

أما الكاتب والباحث السياسي جاسم الشمري، فيرى أن العراق بحاجة إلى بناء عقيدة أمنية موحدة ومعالجة الانقسامات السياسية التي تعرقل احتكار الدولة للسلاح، معتبرًا أن دعم الجيش وتقوية مؤسسات الدولة يمثلان عاملين أساسيين لمنع تحول الفصائل المسلحة إلى مراكز قوة موازية.

وفي المقابل، وصف أبو مجتبى الياسري، أحد قادة «المقاومة الإسلامية في العراق»، الانسحاب الأمريكي بأنه «انتصار تاريخي لمجموعات المقاومة الإسلامية العراقية»، معتبرًا أن خروج القوات الأجنبية يمثل استعادة للعراق لسيادته.

داعش.. التحدي الأمني المستمر

لا تقتصر تداعيات الانسحاب على صراع النفوذ بين القوى السياسية والفصائل المسلحة، إذ يظل تنظيم داعش مصدرًا رئيسيًا للمخاوف الأمنية.

ويحذر مسؤولون أمنيون من إمكانية استغلال التنظيم لأي ضعف في التنسيق الأمني أو تراجع في الدعم الاستخباراتي لإعادة تنشيط خلاياه.

وقال القائد الكردي سيروان بارزاني إن تحركات لخلايا تابعة لداعش رُصدت بعد الإعلان عن موعد الانسحاب، مشيرًا إلى أن التنظيم يحاول استغلال التطورات لإظهار قدرته على العودة.

كما قال العقيد خالد البياتي إن داعش يسعى إلى تنفيذ هجمات بهدف إيصال رسالة مفادها أنه لا يزال قادرًا على التأثير في المشهد الأمني.

اختبار جديد أمام بغداد

ينهي الانسحاب الأمريكي فصلًا طويلًا من الوجود العسكري الخارجي في العراق، لكنه في الوقت نفسه يضع الحكومة والقوات العراقية أمام مسؤوليات أكبر للحفاظ على المكاسب التي تحققت في مكافحة الإرهاب ومنع ظهور فراغ أمني يمكن أن تستغله أطراف داخلية أو إقليمية.

وتواجه بغداد في المرحلة المقبلة ملفات معقدة، من بينها ضبط الفصائل المسلحة، وتعزيز قدرات الجيش والأجهزة الأمنية، وإدارة علاقاتها مع واشنطن وطهران وأنقرة.

وفي ظل هذه التحديات، يبقى مستقبل الأمن العراقي مرتبطًا بقدرة مؤسسات الدولة على فرض القانون وتنسيق جهودها الأمنية ومنع أي طرف من امتلاك قوة موازية خارج إطار الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى