«احفر يا بورنهام»…حوض النفط الذي يمثل رمزًا لترامب وصداعًا لرئيس الوزراء البريطاني الجديد

قد يكون نفط بحر الشمال، الذي كان يومًا محركًا رئيسيًا للاقتصاد البريطاني، في طريقه إلى التراجع، لكنه لا يزال يحتفظ بمكانة رمزية كبيرة في السياسة البريطانية، ويظل محورًا للجدل حول الطاقة والاقتصاد وأمن الطاقة ومستقبل الوظائف في المملكة المتحدة.
اكتُشف النفط قبالة الساحل الشمالي الشرقي لاسكتلندا في سبتمبر/أيلول 1969. ووفقًا للروايات المتداولة في قطاع النفط، جرى جمع أول عينة من النفط في مرطبان مخلل من كافتيريا منصة الحفر، ونُقلت إلى مكتب شركة «أموكو» في غريت يارموث، حيث فُرغت في منفضة سجائر وشُمّت ثم أُضرمت فيها النيران.
ومنذ تلك البداية، تحول نفط بحر الشمال إلى قوة اقتصادية ضخمة ورمز للقوة الوطنية البريطانية، خصوصًا بعد أزمة النفط التي سببتها منظمة أوبك.
وفي عام 1977، وصف رئيس الوزراء العمالي آنذاك جيم كالاهان نفط بحر الشمال بأنه «أفضل فرصة لبريطانيا منذ مئة عام»، معتبرًا إياه فرصة لتحسين الأداء الاقتصادي ورفع مستوى المعيشة وتحقيق المزيد من فرص العمل وبناء مجتمع أكثر عدالة.
وخلال عهد مارغريت تاتشر، أصبح النفط عنصرًا مهمًا في المشروع الاقتصادي لحكومتها. واقتربت عائداته في بعض الفترات من 10% من إجمالي الإيرادات الضريبية البريطانية، وهو ما ساعد في دعم سياسات خفض الضرائب والخصخصة.
نهاية سنوات الازدهار
بلغ إنتاج بحر الشمال ذروته في مطلع القرن الحالي، عندما وصل إلى نحو 4.4 مليون برميل من المكافئ النفطي يوميًا.
وشهدت مدينة أبردين، التي أصبحت مركزًا رئيسيًا لشركات النفط والغاز، ازدهارًا كبيرًا، مع آلاف الوظائف البحرية ذات الأجور المرتفعة.
لكن مرحلة الازدهار انتهت. فقد تراجعت كميات النفط والغاز القابلة للاستخراج اقتصاديًا بسرعة خلال العقدين الماضيين، ومن المتوقع أن يصل إنتاج الحوض بحلول عام 2030 إلى نحو 15% فقط من مستوى ذروته.
كما بدأت شركات النفط والغاز الكبرى في الانسحاب مع تراجع الاحتياطيات. وكانت شركة «بي بي» أحدث الشركات التي أعلنت هذا الصيف إنهاء وجودها في الحوض بعد ستة عقود.
وانخفض عدد العاملين مباشرة في قطاع النفط والغاز من نحو 120 ألف شخص خلال سنوات الازدهار إلى حوالي 27 ألف موظف حاليًا، وفق بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني.
لماذا لا يزال نفط بحر الشمال قضية سياسية؟
رغم تراجع أهميته الاقتصادية، لا يزال نفط بحر الشمال يحتل مكانة أكبر من حجمه الفعلي في المخيلة السياسية البريطانية.
ويرى المتخصص في تاريخ الطاقة إيوان جيبس أن النفط لا يزال مرتبطًا لدى كثير من البريطانيين بفكرة القوة والثروة والسيادة الوطنية.
ويقول إن هناك شعورًا مستمرًا لدى البعض بأن «هذا نفط بريطانيا»، وأن البلاد تمتلك موردًا وفيرًا، وأن عدم استغلاله يعني التخلي عن شيء مهم.
صراع سياسي حول الحفر
قبل الانتخابات العامة لعام 2024، أعلن حزب العمال أنه لن يصدر تراخيص استكشاف جديدة للنفط والغاز في بحر الشمال.
وكان القرار جزءًا من توجه نحو التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري وتسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة.
وكان وزير الطاقة آنذاك إد ميليباند يدافع عن التحول السريع إلى الطاقة النظيفة، معتبرًا أن بريطانيا تستطيع أن تصبح «قوة عظمى في الطاقة النظيفة»، بما يقلل اعتمادها على أسواق الوقود الأحفوري المتقلبة ويوفر وظائف جديدة ويخفض تكاليف الطاقة.
لكن بعد عامين، عاد ملف بحر الشمال إلى قلب المعركة السياسية.
ودعا زعيم حزب «ريفورم يو كيه» نايجل فاراج، وزعيمة حزب المحافظين كيمي بادنوك، إلى توسيع عمليات التنقيب في بحر الشمال، وتعهد كلاهما بعكس القيود المفروضة على التراخيص الجديدة في حال الوصول إلى السلطة.
كما دعا فاراج إلى أن تصبح بريطانيا مكتفية ذاتيًا من الغاز، بينما تعهدت بادنوك بدعم نمو صناعة النفط والغاز البريطانية لضمان أمن الطاقة للأجيال المقبلة.
ترامب يدخل على خط «احفر يا حبيبي، احفر»
دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب فكرة توسيع عمليات الحفر في بحر الشمال، مستخدمًا نسخة بريطانية من شعاره المعروف «Drill, baby, drill».
وادعى ترامب أن الحوض يمثل واحدة من أعظم الاحتياطيات في العالم، وأنه يحتوي على ما يعادل 500 عام من احتياطيات النفط والغاز.
لكن خبراء الطاقة والجيولوجيا يشككون بشدة في هذه التصريحات.
وقال ستيف باي، أستاذ أنظمة الطاقة ونائب مدير معهد الطاقة في جامعة كوليدج لندن، إن حوض بحر الشمال في حالة تراجع منذ عام 2000، ولا توجد احتمالات موثوقة لعكس هذا الاتجاه.
هل يؤدي المزيد من التنقيب إلى خفض فواتير البريطانيين؟
يرى خبراء الطاقة أن زيادة استخراج النفط والغاز من بحر الشمال لن تؤدي إلى خفض ملموس في فواتير الأسر البريطانية.
فالأسعار تتحدد إلى حد كبير في الأسواق العالمية، كما أن حجم الاحتياطيات المتبقية في بحر الشمال لا يكفي للتأثير في الأسعار العالمية.
والجزء الأكبر من النفط المتبقي في الحوض يتم تصديره إلى الخارج لتكريره ثم بيعه في الأسواق الدولية، وبالتالي لا يوفر حماية مباشرة لأمن الطاقة البريطاني.
أما الغاز، الذي يذهب جزء أكبر منه إلى المنازل والشركات البريطانية، فقد أصبحت الكميات المتبقية منه محدودة للغاية، ولا تكفي لإحداث تغيير كبير في اعتماد بريطانيا على الواردات.
ووفق دراسة حديثة أعدها موقع «كربون بريف»، فإن السماح بتراخيص جديدة سيحدث فرقًا محدودًا للغاية في إنتاج الغاز؛ إذ يُتوقع أن ينخفض استخراج الغاز من بحر الشمال بنسبة 99% بحلول عام 2050 من دون تراخيص جديدة، مقارنة بنحو 97% في حال إصدار تراخيص جديدة.
في المقابل، يمكن للتوسع في طاقة الرياح والطاقة الشمسية والتقنيات منخفضة الكربون أن يقلل اعتماد بريطانيا على واردات الغاز بوتيرة أسرع.
ومن المتوقع أن تنتج مشاريع الرياح والطاقة الشمسية الجديدة التي حصلت على دعم في أحدث مزاد حكومي نحو ستة أضعاف الكهرباء التي يمكن أن تنتجها التراخيص الجديدة للتنقيب.
ماذا عن الوظائف؟
يستخدم مؤيدو التنقيب عن النفط حجة الحفاظ على الوظائف، خصوصًا في شمال شرق اسكتلندا.
لكن حملة «أبليفت» تشير إلى أن عدد الوظائف التي يدعمها قطاع النفط والغاز انخفض بأكثر من النصف خلال العقد الماضي، من نحو 441 ألف وظيفة إلى حوالي 214 ألف وظيفة حاليًا.
وجاء هذا التراجع رغم قيام الحكومات السابقة بإصدار مئات التراخيص الجديدة خلال ست جولات منفصلة للتراخيص.
ويرى منتقدون أن الاعتماد على التوسع في النفط لن يعيد الوظائف التي فقدها القطاع على المدى الطويل، وأن مستقبل العمال ينبغي أن يكون في الطاقة المتجددة والصناعات الجديدة المرتبطة بها.
هل تحقق بريطانيا مكاسب ضريبية كبيرة من النفط؟
يرى منتقدو التوسع في التنقيب أن العوائد الضريبية ليست كبيرة بالقدر الذي يروج له أنصار الصناعة، خصوصًا عند احتساب الدعم الحكومي المقدم لشركات النفط والغاز.
كما يثيرون مسألة أرباح شركات الوقود الأحفوري، التي حققت أرباحًا قياسية بلغت نحو 93 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة حتى يونيو/حزيران.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه أوروبا موجات حر وحرائق غابات وجفافًا متزايدًا، بينما شهدت بريطانيا خمس موجات حر خلال صيف هذا العام.
موقف رئيس الوزراء البريطاني الجديد
ازدادت حساسية الملف بعدما أصبح أندي بورنهام رئيسًا للوزراء.
ففي يونيو/حزيران من العام الماضي، عندما كان لا يزال عمدة مانشستر الكبرى، دعم بورنهام معاهدة دولية مقترحة للتخلص التدريجي من الفحم والنفط والغاز، ووصفها بأنها «شريان حياة» ينبغي لجميع الحكومات الانضمام إليها.
لكن موقفه الأخير أثار قلق المدافعين عن المناخ، بعدما قال إنه سيتعامل مع عمليات التنقيب عن النفط والغاز في بحر الشمال بصورة «براغماتية»، وإن الحكومة لا تستطيع تجاهل الموارد المحتملة الموجودة هناك.
كما تبنت وزيرة الطاقة الجديدة مياتا فانبوله مواقف مشابهة منذ توليها المنصب، رغم تصريحات سابقة لها بشأن خطورة أزمة المناخ.
وبعد انتهاء المشاورات المتعلقة بمشروعي حقلي جاكداو وروزبانك، يمكن أن يصدر قرار الحكومة بشأنهما في أي وقت.
انتقادات حادة لسياسة التوسع في النفط
وصفت تيسا خان، مديرة منظمة «أبليفت»، الحديث عن نفط بحر الشمال باعتباره حلًا لمشكلات بريطانيا بأنه «خيال خطير».
وترى أن الحجج التي تستخدمها شركات الوقود الأحفوري وأنصارها لتبرير المزيد من التنقيب، مثل خفض فواتير الطاقة وتعزيز أمن الطاقة، لا تصمد أمام الواقع.
وتؤكد أن بريطانيا استهلكت معظم احتياطيات الغاز لديها بعد خمسة عقود من التنقيب، بينما أصبح معظم النفط المتبقي موجهًا إلى التصدير.
وترى خان أن حماية بريطانيا من صدمات الطاقة العالمية تتطلب تسريع التحول إلى الطاقة المتجددة ومساعدة الأسر والشركات على الانتقال إلى الكهرباء النظيفة.
الطاقة المتجددة والوظائف الخضراء
في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، أعلنت الحكومة البريطانية خططًا لإضافة 400 ألف وظيفة خلال خمس سنوات في الاقتصاد الأخضر المتنامي.
وقالت الحكومة إنها تستهدف مضاعفة عدد العاملين في الصناعات الخضراء بحلول عام 2030، مع التركيز على تدريب العاملين القادمين من قطاع الوقود الأحفوري، والخريجين الجدد، والعاطلين عن العمل، والمحاربين القدامى وغيرهم.
وحظيت الخطة بترحيب حذر من نقابات مثل «يونايت» و«جي إم بي»، التي تطالب منذ سنوات بخطة أكثر وضوحًا لانتقال العاملين من النفط والغاز إلى الطاقة النظيفة.
وبحسب تقرير حديث لاتحاد الصناعة البريطاني، يدعم الاقتصاد الأخضر بالفعل نحو مليون وظيفة، بينما توجد استثمارات إضافية تقترب قيمتها من نصف تريليون جنيه إسترليني قيد الإعداد.
بحر الشمال يتحول إلى مركز للطاقة المتجددة
بدأ التحول يظهر بالفعل في بحر الشمال نفسه، حيث تنتشر مزارع الرياح البحرية الضخمة.
وتنتج طاقة الرياح البحرية نحو 18% من إجمالي الكهرباء البريطانية.
وفي عام 2025، شكلت مصادر الطاقة المتجددة 50.4% من الكهرباء التي أنتجتها بريطانيا، مقابل 31.8% من الوقود الأحفوري.
لكن هذا النمو يواجه انتقادات بسبب عدم وصول فوائده بصورة كافية إلى العمال والمجتمعات المحلية.
وتقول نقابات تمثل عمال النفط والغاز إن التحول إلى الطاقة المتجددة لم يوفر حتى الآن الوظائف المستقرة طويلة الأجل التي وُعد بها العمال.
هل تتكرر أخطاء عصر النفط؟
يخشى بعض العاملين والنقابات والنشطاء أن تتكرر في قطاع الطاقة المتجددة الأخطاء نفسها التي حدثت خلال طفرة النفط.
فقد استفادت شركات النفط الخاصة من جزء كبير من أرباح بحر الشمال، بينما يرى منتقدون أن المجتمعات المحلية لم تحصل على نصيب يتناسب مع حجم الثروة التي خرجت من المنطقة.
ويطالب ناشطون بزيادة ملكية المجتمعات المحلية لمشاريع الطاقة، وبقدر أكبر من الملكية العامة، إضافة إلى إنشاء صندوق للثروة المجتمعية يضمن وصول فوائد مشاريع الطاقة الجديدة إلى المناطق والعمال.
نموذج النرويج
يستشهد كثير من الناشطين بالنرويج كنموذج مختلف.
فعندما اكتشفت النرويج النفط والغاز في بحر الشمال، أنشأت الحكومة صندوقًا سياديًا لإدارة الثروة النفطية وحماية الاقتصاد وتمويل الإنفاق العام في المستقبل.
وتجاوزت قيمة الصندوق النرويجي حاليًا تريليوني دولار، ليصبح أكبر صندوق من نوعه في العالم.
ويرى محللون أنه لو اتبعت بريطانيا نهجًا مشابهًا، لكان من الممكن أن تبلغ قيمة صندوق ثروتها السيادي اليوم نحو 850 مليار جنيه إسترليني.
ويقول منتقدون إن بريطانيا اتبعت بدلًا من ذلك نهجًا قائمًا على السوق، أدى إلى توجيه جزء كبير من فوائد النفط إلى أرباح الشركات العالمية بدلًا من المجتمعات المحلية.
السؤال الأكبر: من سيستفيد من التحول الأخضر؟
يرى العاملون في قطاع الطاقة والنقابات والمجتمعات المحلية أن القضية لم تعد تقتصر على سؤال: هل تستمر بريطانيا في التنقيب عن النفط والغاز أم لا؟
بل أصبحت تتعلق بكيفية إدارة المرحلة الانتقالية بأكملها.
ويريد العمال ضمان حصولهم على وظائف مستقرة، بينما تريد المجتمعات المحلية أن تستفيد اقتصاديًا من مشاريع الطاقة المتجددة التي تُقام في مناطقها.
أما الحكومة فتواجه معادلة صعبة بين الالتزامات المناخية، وأمن الطاقة، وتكاليف المعيشة، والوظائف، والعوائد الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، يستمر الجدل السياسي حول بحر الشمال حتى مع تراجع أهميته الاقتصادية.
وتتمثل القضية الأساسية في ما إذا كانت بريطانيا قادرة على الاستفادة من ثورة الطاقة المتجددة، وما إذا كانت فوائد هذه الثورة ستصل إلى العمال والمجتمعات في أنحاء البلاد، أم ستذهب بصورة أساسية إلى هوامش أرباح الشركات.
لم يعد بحر الشمال مصدر الثروة الهائلة الذي كان عليه في العقود الماضية، لكن النفط لا يزال يحمل قيمة سياسية ورمزية كبيرة في بريطانيا. وبينما يدعو اليمين البريطاني وترامب إلى المزيد من الحفر، يرى خبراء الطاقة والمناخ أن الاحتياطيات المتبقية لن تعكس مسار التراجع ولن تخفض فواتير البريطانيين بصورة ملموسة.
وفي المقابل، تتجه بريطانيا بسرعة نحو الطاقة المتجددة، لكن التحدي الحقيقي هو ضمان أن تتحول هذه الثورة إلى وظائف مستقرة وطاقة أقل تكلفة وثروة يستفيد منها العمال والمجتمعات المحلية، لا الشركات وحدها.



