احتجاجات الطلاب تهدد المشهد السياسي الفرنسي قبل الانتخابات الرئاسية

تتواصل الاحتجاجات الطلابية في فرنسا مع اتساع نطاقها من ضواحي باريس إلى مدن مختلفة في البلاد، وسط مخاوف من تحولها إلى حركة اجتماعية أوسع قد تزيد الضغوط على الحكومة قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل 2027.
وبدأت الاحتجاجات في منتصف سبتمبر 2026، على خلفية تدهور أوضاع المدارس ونقص المعلمين واكتظاظ الفصول الدراسية وطول اليوم الدراسي، قبل أن تتوسع مطالب الطلاب لتشمل تحسين البنية التحتية للمؤسسات التعليمية والحد من التفاوت الاجتماعي.
مطالب تعليمية تتحول إلى حركة احتجاجية
رفع الطلاب شعارات تنتقد نقص الموارد داخل المدارس، وغياب المعلمين وعدم توافر البدلاء، فضلاً عن تدهور المباني وعدم ملاءمة بعض الفصول الدراسية للظروف المناخية.
وامتدت التحركات إلى مناطق متعددة، وشارك فيها طلاب من مدارس مختلفة، بما في ذلك مؤسسات خاصة وجامعات، وهو ما اعتبره مراقبون تطوراً لافتاً في طبيعة الحركة واتساع نطاقها.
كما حظيت الاحتجاجات بدعم من نقابات المعلمين والاتحادات الطلابية، التي ترى أن المشكلات الحالية تعكس أزمة ممتدة في نظام التعليم الفرنسي، وليست مجرد مطالب مؤقتة.
احتجاجات تستحضر ثورة مايو 1968
أعادت بعض مشاهد الاحتجاجات في ساحة الباستيل بباريس إلى الأذهان أحداث الثورة الطلابية في مايو 1968، عندما تحولت تحركات الطلاب إلى إضرابات عمالية واسعة شلت قطاعات كبيرة من الاقتصاد الفرنسي.
ويخشى مراقبون أن يؤدي تزامن الاحتجاجات الطلابية مع تحركات اجتماعية أخرى إلى توسيع نطاق الأزمة. ومن المقرر تنظيم تظاهرات جديدة في 13 أكتوبر، فيما تستعد مجموعات أخرى لمسيرة في 17 أكتوبر احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود.
ويرى خبراء أن تقاطع المطالب التعليمية مع الغضب من الأوضاع الاقتصادية قد يمنح الحركة زخماً إضافياً، لكنهم يشيرون إلى أن العطلات المدرسية المقبلة قد تحد من قدرتها على الاستمرار.
أزمة اقتصادية تزيد الضغوط على الحكومة
تأتي الاحتجاجات في وقت تواجه فيه الحكومة الفرنسية صعوبات في تأمين الدعم البرلماني لموازنة عام 2027، وسط خلافات بشأن إجراءات التقشف والإنفاق العام.
وتتوقع الحكومة أن يبلغ عجز الموازنة نحو 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، فيما تزيد تكاليف المعيشة والطاقة من الضغوط على الأسر، خاصة الفئات محدودة الدخل.
وتتزامن هذه الظروف مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، في ظل انقسام سياسي واضح وصعوبة التوصل إلى توافق بشأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
وأعلنت وزارة التعليم نشر 3000 مدرس بديل في مختلف أنحاء البلاد لمعالجة نقص المعلمين، إلا أن النقابات انتقدت الخطة، معتبرة أنها لا تقدم حلاً طويل الأجل، وأن توزيع المدرسين قد لا يتوافق مع احتياجات المدارس من حيث التخصص والموقع الجغرافي.
إصابات واعتقالات تثير انتقادات حقوقية
شهدت بعض الاحتجاجات اشتباكات مع قوات الأمن وأعمال تخريب في عدد من المدارس، فيما استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق متظاهرين.
وبحسب بيانات وزارة العدل الفرنسية الواردة في تقرير «يورونيوز»، بلغ عدد الموقوفين منذ بداية الاحتجاجات 6877 شخصاً حتى يوم الجمعة، وكان 86% منهم من القاصرين.
كما أثارت إصابات خطيرة في صفوف الطلاب انتقادات منظمات حقوقية، من بينها حالات فقدان أحد الأطراف وإصابات في العين والوجه خلال المواجهات. وأُعلن عن فتح تحقيقات داخلية في عدد من الوقائع، فيما دعت الأمم المتحدة إلى الحفاظ على سلمية التظاهرات وضمان تناسب استخدام القوة.
وفي المقابل، أفادت السلطات بإصابة مئات من أفراد الشرطة والدرك، إلى جانب تعرض مدارس لأعمال تخريب وحرق ونهب في بعض المناطق.
صراع سياسي حول استغلال غضب الشباب
اتهم رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بعض السياسيين باستغلال غضب الطلاب لتحقيق مكاسب انتخابية، محذراً من أن سلامة الشباب لا ينبغي أن تتحول إلى أداة للصراع السياسي.
ووجهت الحكومة وأحزاب من اليمين واليمين المتطرف انتقادات إلى جان لوك ميلونشون وحزب «فرنسا الأبية»، متهمة إياهما بمحاولة توظيف الاحتجاجات سياسياً. في المقابل، أكد ميلونشون دعم حزبه للطلاب، مشيراً إلى أنه لا يقود التحركات، وداعياً إلى استمرارها بصورة سلمية.
ويرى باحثون أن عنف المواجهات ساهم في جذب مزيد من البالغين إلى الحركة، من نقابيين وأولياء أمور، بعضهم شارك في دعم الطلاب قانونياً وميدانياً.
كما يحذر خبراء من أن الاحتجاجات قد تعكس غضباً اجتماعياً أوسع مرتبطاً بتزايد الفوارق الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة والصعوبات التي تواجهها أسر الطبقة العاملة.
وسائل التواصل تمنح الحركة انتشاراً واسعاً
أسهمت منصات التواصل الاجتماعي في تسريع انتشار الاحتجاجات، من خلال تداول مقاطع مصورة من المدارس والشوارع، ما أتاح للطلاب توثيق الأحداث ونقل روايتهم للمواجهات مع قوات الأمن.
ويرى متخصصون أن هذه المنصات تساعد الشباب على التنظيم وبناء شعور بالانتماء إلى حركة مشتركة، لكنها لا تكفي وحدها لإطلاق احتجاجات واسعة أو ضمان استمرارها.
وتظل المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة الطلاب على الحفاظ على زخم التحركات، ومدى استجابة الحكومة لمطالبهم، وإمكانية التقاء الاحتجاجات التعليمية مع التحركات النقابية والاجتماعية الأوسع.
وبينما لا يزال من المبكر تحديد ما إذا كانت هذه الاحتجاجات ستتحول إلى حركة اجتماعية كبرى أم ستتراجع تدريجياً، فإن اتساعها وتصاعد التوترات حولها يضعان الحكومة الفرنسية أمام اختبار سياسي واجتماعي مهم قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.



