اقتصاد وتكنولوجيا

إيلون ماسك يقتحم سوق الاتصالات الأمريكية.. «سبيس إكس» تواجه منافسة شرسة بتكلفة مليارات الدولارات

تستعد شركة «سبيس إكس» المملوكة للملياردير إيلون ماسك لدخول سوق خدمات الهاتف المحمول في الولايات المتحدة، في خطوة تضعها أمام منافسة مباشرة مع عمالقة الاتصالات «إيه تي آند تي» (AT&T) و«فيرايزون» (Verizon) و«تي موبايل» (T-Mobile)، وسط تساؤلات بشأن حجم الاستثمارات المطلوبة والعائد المتوقع من المشروع.

وبحسب مقال رأي نشرته «بلومبرغ» في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يخطط ماسك لبناء شبكة اتصالات هجينة تضم نحو 15 ألف قمر صناعي قادر على الاتصال المباشر بالهواتف المحمولة، إلى جانب بنية تحتية أرضية تتيح منافسة شركات الاتصالات التقليدية، خصوصًا في المناطق الحضرية.

وتأتي الخطوة في سوق أمريكية تُقدّر قيمتها بنحو 240 مليار دولار، تهيمن عليها الشركات الثلاث الكبرى التي تنفق مبالغ ضخمة لتطوير شبكاتها وزيادة قدرتها على نقل البيانات.

استثمارات بعشرات المليارات وعوائد غير واضحة

يتطلب تنفيذ المشروع استثمارات بعشرات مليارات الدولارات، لكن العائد المحتمل والمدة اللازمة لبناء الشبكة لا يزالان غير واضحين، وفقًا للمقال.

ورغم أن الأقمار الصناعية قد تمنح «سبيس إكس» قدرة على توسيع التغطية في المناطق الريفية والنائية، فإن هذه المناطق لا تضم الكثافة السكانية نفسها الموجودة في المدن، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة الشركة على تحقيق أرباح كافية من هذه الميزة وحدها.

كما تواجه الشركة تحديًا يتمثل في دخول سوق ناضجة، إذ يمتلك معظم المستهلكين بالفعل هواتف محمولة ويشتركون في خدمات الاتصالات، ما يعني أن النمو سيعتمد بدرجة كبيرة على جذب عملاء من المنافسين الحاليين.

وأشار المقال إلى أن أسهم شركات «إيه تي آند تي» و«فيرايزون» و«تي موبايل» تراجعت في الجلسة التالية لتأكيد ماسك عزمه دخول السوق، كما انخفض سهم «سبيس إكس» بنحو 9% خلال الأسبوع الذي تناوله التقرير.

وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع استثمارات أخرى ضخمة مرتبطة بمشروعات ماسك، تشمل خططًا لإنشاء مراكز بيانات في الفضاء، وتقارير عن مساعٍ لاقتراض 40 مليار دولار لشراء رقائق حاسوبية من «إنفيديا» لصالح مشروع الذكاء الاصطناعي «إكس إيه آي» (xAI).

ويعتمد جانب من طموحات الشركة أيضًا على نجاح صاروخ «ستارشيب» في تنفيذ عمليات إطلاق متكررة واستعادة مرحلتيه، بما قد يسهم في خفض تكاليف الوصول إلى الفضاء.

حرب أسعار محتملة تصب في مصلحة المستهلكين

يرى المقال أن الفرصة المتاحة أمام «سبيس إكس» تكمن في إمكانية تقديم خدمات اتصالات بأسعار أقل من المنافسين، مستفيدة من تقنياتها في الأقمار الصناعية وقدراتها المالية.

وإذا نجحت الشركة في تقديم خدمات مماثلة بتكلفة أقل، فقد تتمكن من اقتناص حصة من السوق، وهو ما قد يدفع الشركات الثلاث الكبرى إلى خفض أسعارها أو تقديم عروض أكثر تنافسية للحفاظ على عملائها.

وفي هذه الحالة، قد يستفيد المستهلكون من المنافسة المتزايدة، حتى إذا لم تتمكن «سبيس إكس» من تحقيق جميع أهدافها التجارية.

أما إذا ركزت الشركة على توفير التغطية في المناطق التي تفتقر إلى إشارة الهاتف المحمول، فقد تقتصر جاذبية خدماتها على شريحة محدودة من العملاء الذين يعيشون في المناطق النائية أو يترددون عليها.

الترددات والبنية التحتية تحديان رئيسيان

مضت «سبيس إكس» في خططها للحصول على موارد ترددية تتيح لها دخول قطاع الاتصالات، من بينها شراء نطاق ترددي يبلغ 14 ميغاهرتز من الطيف منخفض التردد المقترن، إلى جانب الحصول على موافقة لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية لتطوير شبكة أقمار صناعية مخصصة للاتصال المباشر بالأجهزة المحمولة.

وكانت الشركة قد وافقت في العام السابق على دفع 17 مليار دولار مقابل الحصول على طيف ترددي متوسط النطاق من شركة «إيكوستار» (EchoStar).

ومع ذلك، لا تزال مواردها الترددية أقل من تلك المتاحة لدى شركات الاتصالات الكبرى، ما قد يدفعها إلى شراء مزيد من الترددات عبر المزادات أو الصفقات الخاصة، في وقت يُتوقع أن تسعى الشركات المنافسة بدورها إلى تعزيز أصولها الترددية للحفاظ على تفوقها.

وتبرز تكلفة البنية التحتية الأرضية بوصفها تحديًا إضافيًا. ووفقًا لريتشارد هاس، خبير الطيف الترددي لدى شركة «إل إس تيلكوم» البريطانية، قد تصل تكلفة محطة اتصالات أساسية كبيرة على أحد الأبراج إلى 250 ألف دولار، بحسب المنطقة.

وقدّر هاس أن «سبيس إكس» قد تحتاج إلى نحو 50 ألف موقع من هذا النوع، بما يرفع التكلفة التقديرية إلى 12 مليار دولار في الحد الأعلى للحسابات التي عرضها.

تجربة «إيكوستار» تحذر من مخاطر المنافسة

يستشهد المقال بتجربة «إيكوستار» بوصفها مثالًا على التحديات المالية التي تواجه الشركات الساعية إلى بناء شبكة اتصالات تنافسية من الصفر.

فقد أنفقت الشركة، وفقًا للتقرير، نحو 30 مليار دولار على الطيف الترددي و16 مليار دولار على البنية التحتية اللاسلكية، من دون استكمال بناء الشبكة بالكامل. كما تراجع عدد مشتركيها من 8.5 مليون في عام 2021 إلى نحو 7.4 مليون عند تقديم طلب الإفلاس في يونيو/حزيران.

وتوضح هذه التجربة أن امتلاك الترددات والاستثمار في البنية التحتية لا يضمنان وحدهما النجاح، خصوصًا في سوق تتطلب إنفاقًا مستمرًا للحفاظ على جودة الخدمة واستقطاب العملاء.

ومع ذلك، يرى المقال أن «سبيس إكس» تختلف عن التجارب السابقة بفضل تقنياتها في الأقمار الصناعية ومواردها المالية، ما يجعلها منافسًا لا يمكن الاستهانة به، رغم دخولها سوقًا تسبقها فيها شركات راسخة تمتلك قواعد عملاء واسعة وشبكات قائمة.

وفي المحصلة، تضع خطة ماسك الشركة أمام معادلة صعبة: استثمارات ضخمة لبناء شبكة قادرة على منافسة عمالقة الاتصالات، في مقابل عوائد لم تتضح بعد. وبينما قد تفتح المنافسة الباب أمام أسعار أقل وخدمات أوسع للمستهلكين، فإن نجاح «سبيس إكس» سيعتمد على قدرتها على تحويل تفوقها الفضائي إلى نموذج تجاري مستدام في سوق شديدة التنافس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى