أخبار دولية

إنذار غامض قرب قاعدة فيرفورد البريطانية

كشفت تفاصيل جديدة عن حادثة أمنية غامضة وقعت قرب قاعدة «آر أيه إف فيرفورد» الجوية في جنوب إنجلترا، وهي قاعدة تستخدمها القوات الجوية الأمريكية، بعدما أدت مكالمة طوارئ مفاجئة إلى استنفار أمني واسع واعتقال خمسة أشخاص للاشتباه في ارتباطهم بمخطط إرهابي محتمل مدعوم من إيران.

وبحسب معلومات نقلتها صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين أمنيين ومحققين من عدة دول، بدأت الواقعة خلال ساعات الليل عندما كانت ثلاث شاحنات بيضاء تتحرك في منطقة ريفية بالقرب من القاعدة. وأجرى أحد الأشخاص الموجودين داخل إحدى الشاحنات اتصالاً برقم الطوارئ البريطاني، في وقت كانت فيه الأجهزة الأمنية قد تلقت قبل نحو أسبوعين تحذيرات استخباراتية من احتمال استهداف قواعد أمريكية في بريطانيا وأوروبا.

وسرعان ما وصلت الشرطة المسلحة إلى المنطقة، حيث اعتقلت الرجل وأربعة آخرين. وانتشرت لاحقاً صورة للرجال الخمسة وهم جالسون على جانب الطريق، وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم.

مكالمة غامضة أشعلت الاستنفار

لا تزال السلطات البريطانية تحاول معرفة سبب إقدام أحد المشتبه بهم على الاتصال بالشرطة، وما إذا كان الاتصال محاولة متعمدة لإحباط هجوم، أم جزءاً من مخطط أكبر، أم مجرد تصرف غير مفهوم من أحد المشاركين.

وأدت المكالمة إلى تحرك أمني واسع شمل إخلاء نحو 85 منزلاً في المنطقة، وإرسال روبوت متخصص في تفكيك المتفجرات لفحص الشاحنات، إضافة إلى عقد اجتماع أمني على مستوى الحكومة.

وقال رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام في وقت لاحق إن هناك «مؤشرات قوية» على احتمال وجود دور إيراني في القضية، من دون أن يقدم تفاصيل علنية عن طبيعة هذه المؤشرات.

وعندما فتشت الشرطة الشاحنات، لم تعثر على متفجرات، وإن كانت قد اكتشفت كمية من البنزين. وفي اليوم التالي، أُفرج عن الرجال الخمسة بكفالة، مع إخضاعهم لشروط مشددة تتعلق بالتنقل والتواصل، بينما استمر التحقيق معهم.

لماذا كانت السلطات البريطانية قلقة؟

تأتي الواقعة في ظل تحذيرات استخباراتية سبقت الحادثة بأسابيع، إذ تلقى مسؤولون عسكريون أمريكيون في منتصف سبتمبر/أيلول معلومات من أجهزة استخبارات أمريكية وغربية تحذر من احتمال وقوع هجوم على قاعدة فيرفورد.

وتستخدم القاعدة بشكل أساسي من جانب القوات الجوية الأمريكية، كما أنها مرتبطة بالعمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة.

وبحسب مسؤولين أمريكيين، جرى بناء صورة المخطط المحتمل من خلال اعتراض اتصالات ومعلومات من مصادر بشرية وبيانات استخباراتية أخرى، إلا أن التحذيرات لم تتضمن موعداً محدداً للهجوم أو أسماء المنفذين.

وكان التقييم الاستخباراتي يشير إلى أن أي هجوم محتمل قد يعتمد على طائرات مسيّرة، وأن العملية ربما تكون مدعومة أو موجهة من جهات مرتبطة بطهران.

كما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية حذرت نظيرتها البريطانية من احتمال وقوع هجوم ترعاه إيران، من دون تحديد هدف بعينه.

تحركات مريبة قرب القاعدة

مع ارتفاع مستوى التأهب الأمني، بدأ سكان المناطق المحيطة بقاعدة فيرفورد يلاحظون إجراءات غير معتادة.

وقال عضو في المجلس المحلي إن شائعات انتشرت بين السكان بشأن تحركات داخل القاعدة وزيادة إجراءات الحماية.

وفي 16 سبتمبر/أيلول، نشر أحد سكان المنطقة في مجموعة خاصة على فيسبوك أنه شاهد رجلاً يرتدي قناعاً أسود ويركض داخل القرية خلال ساعات المساء.

كما أفاد ثلاثة سكان آخرين بأنهم شاهدوا رجلاً مقنعاً يرتدي ملابس سوداء، لكن لم يتضح ما إذا كانوا يتحدثون عن الشخص نفسه أو ما إذا كان له أي ارتباط بالحادثة.

تحذيرات امتدت إلى ألمانيا وإيطاليا

لم تقتصر المخاوف على بريطانيا، إذ أفاد مسؤول أمريكي بأن إسرائيل حذرت ألمانيا أيضاً من ارتفاع مخاطر استهداف قواعد أمريكية على أراضيها، وخصوصاً قاعدتي سبانغداهليم ورامشتاين.

وقبل أربعة أيام من حادثة فيرفورد، نشر موقع إعلامي مدعوم من إيران تصريحات للقائد السابق للحرس الثوري الإيراني يحيى رحيم صفوي، انتقد فيها استخدام أوروبا كمركز لوجستي للعمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران.

وذكر صفوي قواعد جوية تستخدمها القوات الأمريكية، من بينها رامشتاين في ألمانيا، وأفيانو في إيطاليا، وفيرفورد في بريطانيا.

وجاء ذلك بعد تحذير سابق من الحرس الثوري الإيراني في يوليو/تموز، قال فيه إن الدول التي تسمح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها لشن هجمات على إيران قد تتحمل مسؤولية تلك العمليات، وإن القواعد المستخدمة لهذا الغرض يمكن اعتبارها أهدافاً مشروعة.

ثلاث شاحنات تسد طريق مزارعة

تطور الموقف بشكل مفاجئ في ليلة الحادثة، عندما عادت مزارعة محلية إلى منزلها بعد حضور مناسبة، لتجد الشاحنات البيضاء الثلاث متوقفة بطريقة تسد مدخل منزلها.

وقالت المزارعة لاحقاً لوسائل إعلام بريطانية إنها شاهدت بين 8 و10 أشخاص يرتدون أقنعة ويركضون في المنطقة.

وعند الساعة 1:36 صباحاً، اتصلت برقم الطوارئ البريطاني 999، وقالت لاحقاً إنها تعتقد أن اتصالها ربما ساهم في إحباط مخطط كان يجري التحضير له.

لكن التسلسل الزمني الذي قدمته الشرطة أظهر أن اتصال المزارعة جاء بعد نحو 50 دقيقة من اتصال أحد الأشخاص الموجودين في الشاحنات بالشرطة، ولذلك لم يتضح ما إذا كان الأشخاص الذين شاهدتهم هم المشتبه بهم الخمسة أم عناصر أمن وصلت إلى المكان بعد بدء الاستنفار.

خمسة مشتبه بهم ثم الإفراج عنهم

وصفت الشرطة العملية بأنها معقدة وواسعة النطاق، مؤكدة أن التعامل معها يرتبط بالأمن القومي.

لكن التطورات في اليوم التالي أثارت مزيداً من التساؤلات، بعدما أُفرج عن الرجال الخمسة بكفالة، رغم الاشتباه في ارتباطهم بعمل إرهابي محتمل.

وأكدت الشرطة عدم العثور على متفجرات داخل الشاحنات، فيما قال مسؤولون إن المشتبه بهم ما زالوا قيد التحقيق ويخضعون لشروط صارمة.

ويرى مسؤولون أمريكيون وبريطانيون أن العملية ربما تكون مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني أو بجهاز عسكري آخر داخل طهران، لكن لا توجد حتى الآن أدلة معلنة تثبت بشكل قاطع طبيعة هذا الارتباط.

أسئلة كثيرة بلا إجابات

ترك الحادث وراءه مجموعة من الأسئلة التي لم تتمكن السلطات من حسمها حتى الآن.

فالمحققون يحاولون تحديد ما إذا كان الرجال الخمسة جزءاً من مخطط حقيقي لاستهداف قاعدة فيرفورد، أم أنهم كانوا مجرد أدوات جرى استخدامها دون معرفة الهدف الحقيقي.

كما يجري بحث احتمال أن تكون المجموعة قد استُخدمت لصرف الانتباه عن عملية أخرى، أو أن السلطات اعترضتهم قبل أن يتمكنوا من التواصل مع أشخاص آخرين، أو أن الحادثة بأكملها كانت عملية خداع هدفها نشر الخوف وإثارة حالة من الذعر حول القواعد الأمريكية في بريطانيا.

وبالرغم من حالة الاستنفار الكبيرة، لم تتمكن السلطات حتى الآن من العثور على دليل مادي يثبت أن الرجال كانوا على وشك تنفيذ هجوم على قاعدة فيرفورد.

لكن توقيت الحادثة، والتحذيرات الاستخباراتية السابقة، والتهديدات الإيرانية المعلنة ضد القواعد التي تستخدمها القوات الأمريكية، جعلت الواقعة واحدة من أكثر القضايا الأمنية غموضاً في بريطانيا خلال الأيام الأخيرة، وأعادت تسليط الضوء على مخاطر امتداد الصراع مع إيران إلى الأراضي الأوروبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى