أخبار عربية

إسرائيل تعيد رسم خريطة الضفة الغربية بمشاريع استيطانية واسعة تعزل الفلسطينيين وتدفع نحو التهجير

تسارع إسرائيل منذ اندلاع الحرب في غزة في تنفيذ مشاريع استيطانية وبنية تحتية واسعة في الضفة الغربية، في وقت تراجعت فيه الأنظار الدولية إلى حد كبير عن التطورات الجارية هناك.

وتظهر هذه المشاريع بوضوح على مشارف رام الله، حيث يجري تنفيذ أعمال بنية تحتية كبيرة تشمل توسيع الطرق، وربط المستوطنات والبؤر الاستيطانية، ومد شبكات للكهرباء والاتصالات، إلى جانب مشروعات أخرى تهدف إلى إعادة تشكيل حركة السكان وطبيعة المنطقة.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار إغلاق المدخل الرئيسي لمدينة رام الله، وفرض حاجز عسكري دائم منذ بداية الحرب على غزة، ما دفع السكان إلى استخدام طرق بديلة أكثر صعوبة وطولاً.

توسيع الطرق وربط المستوطنات

تعمل السلطات الإسرائيلية منذ نحو عامين على تطوير الطريق رقم 60، الذي يمر في وسط الضفة الغربية، وتحويله إلى طريق واسع متعدد المسارات يربط المستوطنات الإسرائيلية ببعضها وبإسرائيل.

وترافق أعمال توسيع الطريق مع عزل عدد من القرى الفلسطينية عن محيطها، ما يجبر سكانها على استخدام طرق قديمة وبديلة للوصول إلى المدن والمناطق المجاورة.

كما يجري العمل على تطوير الطريق رقم 90 في الجزء الشرقي من الضفة الغربية، بما يعزز الربط بين المستوطنات ويمتد من شمال إسرائيل إلى جنوبها.

الطاقة والزراعة في الأغوار

لا تقتصر المشاريع الإسرائيلية على الطرق، بل تشمل أيضاً استثمارات واسعة في قطاع الطاقة، خصوصاً مشروعات الطاقة الشمسية في منطقة الأغوار، التي تمثل نحو 28% من مساحة الضفة الغربية.

وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، توفر مشروعات الطاقة الشمسية في المنطقة نحو 20% من احتياجات إسرائيل من الطاقة.

كما توسعت المشاريع الزراعية، خصوصاً زراعة النخيل والزهور وغيرها من المحاصيل المخصصة للتصدير، لتصبح المنطقة مصدراً مهماً للإنتاج الزراعي والعملات الأجنبية.

توسع استيطاني غير مسبوق

يعد التوسع الاستيطاني أحد أبرز ملامح التغيير الجاري في الضفة الغربية، إذ تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى ترخيص وبدء إقامة 104 مستوطنات جديدة، تضاف إلى نحو 165 مستوطنة قائمة.

كما أُعلن عن إقامة نحو 160 بؤرة استيطانية جديدة، إلى جانب أكثر من 300 بؤرة قائمة.

وتبرز البؤر الاستيطانية الرعوية بصورة خاصة، إذ يعتمد بعضها على تربية المواشي والسيطرة على مساحات من المراعي، الأمر الذي يؤدي إلى إخلاء تجمعات فلسطينية رعوية من مناطقها.

وتشير تقديرات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن هذه البؤر باتت تسيطر على نحو 18% من مساحة الضفة الغربية، بينما أفادت تقارير حقوقية بسرقة أكثر من 12 ألف رأس من الماشية الفلسطينية.

تسليح المستوطنين وحماية البؤر

وبحسب التقرير، حصل مستوطنون في عدد من هذه البؤر على أسلحة ومركبات دفع رباعي ومواشٍ وطرق معبدة ومصادر للطاقة، إضافة إلى طائرات مسيرة ودوريات عسكرية توفر الحماية.

ويرى منتقدو هذه الإجراءات أنها تساعد على توسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية وتغيير الواقع السكاني والجغرافي فيها.

السيطرة على المياه

تمثل المياه جانباً آخر من الصراع على الأرض، إذ شملت الإجراءات الإسرائيلية السيطرة على مصادر المياه والينابيع والتجمعات المائية.

وأدى ذلك، وفق التقرير، إلى تراجع إمدادات المياه وجفاف مساحات من الأراضي الزراعية، خصوصاً في أريحا والأغوار، الأمر الذي انعكس على النشاط الزراعي للسكان الفلسطينيين.

الضغط الاقتصادي على الفلسطينيين

تزامن التوسع الاستيطاني مع إجراءات اقتصادية أثرت بصورة كبيرة على الضفة الغربية، من بينها تقييد عمل الفلسطينيين داخل إسرائيل واستبدال جزء من العمالة الفلسطينية بعمال من دول آسيوية.

كما أدى وقف تحويل الإيرادات الجمركية المستحقة للسلطة الفلسطينية إلى أزمة مالية حالت دون قدرتها على دفع رواتب موظفيها بصورة منتظمة.

ويرى اقتصاديون أن تراجع فرص العمل وتوقف تحويل الإيرادات ساعدا في تعميق البطالة والفقر والانكماش الاقتصادي.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وفق التقرير، إلى وصول معدل البطالة في الضفة الغربية إلى نحو 30% خلال العام الحالي، مع تسجيل مستويات أعلى من البطالة المقنعة.

كما تراجعت دخول قطاعات واسعة من السكان، في ظل ارتفاع صعوبة تغطية النفقات الأساسية نتيجة التدهور الاقتصادي.

المواقع الأثرية تتحول إلى جزء من الصراع

امتدت الإجراءات الإسرائيلية كذلك إلى المواقع الأثرية والتراثية في الضفة الغربية، بما في ذلك مواقع تقع داخل المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية.

وذكرت صحيفة “هآرتس” أن وحدة الآثار التابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية شهدت توسعاً كبيراً في ميزانيتها ومهامها خلال السنوات الأخيرة.

وبحسب الصحيفة، ارتفعت ميزانية الوحدة من نحو 14 مليون شيكل عام 2019 إلى حوالي 124 مليون شيكل، فيما ارتفع عدد موظفيها من 10 إلى نحو 60 موظفاً.

وترى الصحيفة أن جزءاً من هذه الاستثمارات يهدف إلى تطوير مواقع أثرية بطريقة تعزز الوجود الإسرائيلي والاستيطاني في المنطقة.

كما أشارت إلى خطة لاستثمار نحو 500 مليون شيكل في مواقع أثرية وتراثية بالضفة الغربية، إلى جانب عشرات الملايين لتطوير مواقع أخرى.

مخاوف من تغيير مستقبل الضفة

وأثارت هذه التطورات نقاشاً متزايداً داخل إسرائيل حول مستقبل الضفة الغربية والنتائج السياسية بعيدة المدى لسياسة ما تسميه الحكومة الإسرائيلية “فرض السيادة”.

ويرى الباحث في معهد الدراسات “ديان”، ميخائيل ميليشتاين، أن إسرائيل تواجه خيارين رئيسيين: التوجه نحو دولة واحدة تقوم على تفوق قومي وديني، أو البحث عن ترتيبات سياسية وأمنية أكثر واقعية.

وفي المقابل، ترى صحيفة “هآرتس” أن الإجراءات المتواصلة في الضفة الغربية لا تستهدف فقط توسيع المستوطنات، بل ترتبط أيضاً بعملية تهجير للفلسطينيين.

وبحسب تحليل نشرته الصحيفة، فإن القضية التي تفرض نفسها في المشهد الإسرائيلي لم تعد تقتصر على شكل الدولة أو حل الدولتين، وإنما أصبحت مرتبطة بمستقبل الوجود الفلسطيني نفسه في المنطقة الواقعة بين البحر المتوسط ونهر الأردن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى