إسبانيا تتجه إلى انتخابات مبكرة في 29 نوفمبر.. كيف دفعت أزمة السكن سانشيز إلى حل البرلمان؟

تتجه إسبانيا إلى انتخابات عامة مبكرة يوم 29 نوفمبر المقبل، بعد إعلان رئيس الوزراء بيدرو سانشيز حل البرلمان والعودة إلى صناديق الاقتراع، في خطوة تنهي الولاية الحالية قبل موعدها المقرر في عام 2027، وسط أزمة سياسية متصاعدة وصعوبات متزايدة في الحفاظ على الأغلبية البرلمانية.
وجاء القرار عقب خسارة الحكومة تصويتين في البرلمان بشأن إجراءات لمواجهة أزمة السكن، لكنه يعكس أيضًا تراكم الخلافات مع الأحزاب الداعمة للحكومة، إلى جانب الضغوط المرتبطة بقضايا الفساد والهجرة وتراجع القدرة على تمرير التشريعات.
سانشيز يراهن على انتخابات مبكرة لتجديد التفويض الشعبي
أعلن سانشيز، الاثنين، حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة في 29 نوفمبر، عقب مشاورات مع أعضاء حكومته وقيادات الحزب الاشتراكي.
وقال إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تجديد ثقة المواطنين وتشكيل أغلبية تقدمية أوسع تتيح للحكومة تنفيذ سياساتها.
وكان سانشيز قد تولى رئاسة الحكومة بعد انتخابات يوليو 2023، رغم حصول الحزب الشعبي المحافظ على أكبر عدد من المقاعد، إذ نجح في تشكيل حكومة بالاعتماد على تحالفات مع قوى يسارية وأحزاب إقليمية وقومية.
لكن هذه التركيبة البرلمانية ظلت هشة، وجعلت استمرار الحكومة وتمرير قراراتها مرتبطين بمفاوضات متكررة مع الأحزاب التي تقدم لها الدعم.
هزيمتان برلمانيتان بسبب أزمة السكن
شكّلت أزمة السكن الشرارة المباشرة للإعلان عن الانتخابات المبكرة، بعدما رفض البرلمان، الجمعة، مرسومين طارئين قدمتهما الحكومة لمعالجة الأزمة.
وتضمنت الإجراءات تدابير تتعلق بعمليات الإخلاء والمضاربة العقارية، لكن المرسوم الأول سقط بأغلبية 178 صوتًا مقابل 172، فيما رُفض الثاني بأغلبية 184 صوتًا مقابل 166.
ولم تقتصر المعارضة على الحزب الشعبي المحافظ وحزب فوكس اليميني، إذ انضم إليهما حزب «معًا من أجل كتالونيا» (Junts)، الذي كان دعمه عنصرًا مهمًا في تمكين سانشيز من تشكيل حكومته.
وأظهرت نتائج التصويت صعوبة تأمين الحكومة أغلبية مستقرة داخل البرلمان، حتى في الملفات التي تمثل أولوية اجتماعية واقتصادية.
أزمة السكن والقدرة الشرائية في قلب المواجهة
تواجه إسبانيا ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع أسعار المنازل والإيجارات، وهي مشكلة دفعت إلى احتجاجات في مدن عدة للمطالبة بحلول أكثر فاعلية تضمن القدرة على تحمل تكاليف السكن.
وسعت حكومة سانشيز إلى طرح إجراءات جديدة لمواجهة الأزمة، إلا أن إسقاطها برلمانيًا عمّق الخلافات مع بعض القوى التي اعتمدت عليها الحكومة منذ تشكيلها.
وبذلك لم تعد أزمة السكن مجرد ملف معيشي، بل تحولت إلى محور للصراع السياسي بين الحكومة ومعارضيها، ومن المتوقع أن تحتل مكانة بارزة في الحملة الانتخابية المقبلة، إلى جانب القدرة الشرائية وتكاليف المعيشة.
أغلبية معقدة تعرقل سياسات الحكومة
اعتمد سانشيز خلال ولايته على تحالف يضم الحزب الاشتراكي وقوى يسارية وأحزابًا إقليمية وقومية تختلف مواقفها بشأن عدد من القضايا.
وساعدت هذه التحالفات رئيس الوزراء على البقاء في السلطة، لكنها جعلت إقرار التشريعات يتطلب تفاوضًا مستمرًا مع أطراف لا تتفق بالضرورة على جميع السياسات الحكومية.
كما لم تتمكن الحكومة من إقرار موازنة عامة جديدة منذ عام 2023، وهو ما زاد التساؤلات بشأن قدرتها على مواصلة عملها حتى نهاية الولاية المحددة في عام 2027.
ومع تراجع قدرتها على ضمان دعم حلفائها، تصاعدت الضغوط السياسية خلال الأشهر الماضية، حتى أصبح حل البرلمان والاحتكام إلى الناخبين أحد الخيارات المطروحة أمام رئيس الوزراء.
قضايا الفساد والهجرة تزيد الضغوط على سانشيز
تزامنت أزمة الأغلبية البرلمانية مع ملفات أخرى أثارت جدلًا داخل إسبانيا، من بينها تحقيقات وقضايا مرتبطة بشخصيات قريبة من الحزب الاشتراكي، استغلتها المعارضة في انتقاداتها للحكومة.
كما يمثل ملف الهجرة أحد القضايا المطروحة في المواجهة السياسية المقبلة، إلى جانب تقييم أداء الحكومة ومدى استجابتها للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
وأقر سانشيز بوجود أخطاء وبأن قطاعات من القاعدة الاجتماعية التي دعمته غير راضية عن أداء حكومته، قبل اتخاذ قرار الدعوة إلى انتخابات مبكرة بهدف الحصول على تفويض شعبي جديد.
مواجهة جديدة بين الاشتراكيين واليمين في 29 نوفمبر
من المنتظر أن تشهد الانتخابات منافسة بين الحزب الاشتراكي بقيادة سانشيز والحزب الشعبي، أكبر أحزاب المعارضة، إلى جانب حزب فوكس اليميني والأحزاب الإقليمية التي تؤدي دورًا مؤثرًا في تشكيل الحكومات الإسبانية.
وتعيد الانتخابات المقبلة رسم المشهد السياسي الذي أفرزته انتخابات 2023، حين اضطر سانشيز إلى بناء شبكة من التحالفات والتفاهمات لضمان استمراره في الحكم.
ومن المتوقع أن تشمل أبرز ملفات الحملة الانتخابية أزمة السكن، والقدرة الشرائية، والهجرة، وسجل الحكومة، فضلًا عن قضايا الفساد التي أثارت جدلًا بشأن شخصيات مرتبطة بالحزب الاشتراكي.
ولا يتوقف التحدي عند تحديد الحزب الذي سيحصل على أكبر عدد من المقاعد، بل يمتد إلى قدرة المعسكرات السياسية على تشكيل أغلبية برلمانية تسمح بتكوين حكومة مستقرة، في ظل نظام حزبي تجعل فيه التحالفات والأحزاب الإقليمية عاملًا حاسمًا في تحديد شكل السلطة.



