واشنطن وبكين.. تفاهمات حذرة وصراع بلا مواجهة

كتبت: منار حجاج
في وقت يشهد فيه العالم تحولات سياسية واقتصادية متسارعة، تتزايد المؤشرات على أن العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية والصين لم تعد قائمة فقط على الصدام المباشر، بل على محاولة إدارة التنافس ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة تهدد استقرار العالم، وبين التصعيد في ملف تايوان والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز والطاقة، تسعى واشنطن وبكين إلى تحقيق توازن دقيق بين الصراع والتفاهم، في مشهد يعكس إعادة تشكيل ملامح النظام الدولي وحدود النفوذ بين القوى الكبرى.
وفي هذا السياق يقول ديميتري بريجع، باحث سياسي و خبير في شؤون الشرق الأوسط و أوراسيا: “من وجهة نظري، ما يجري بين واشنطن وبكين ليس انتقالًا من الصراع إلى الشراكة، بل انتقال إلى إدارة التنافس بشروط أكثر براجماتية. فـ القوتان أدركتا أن التصادم المباشر، في ظل التوترات العالمية الممتدة من تايوان إلى مضيق هرمز، ومن أوكرانيا إلى أسواق الطاقة، قد يتحول إلى أزمة لا يستطيع أي طرف السيطرة على نتائجها، لذلك، يبدو أن العالم أمام دبلوماسية جديدة عنوانها: “نتصارع.. لكن دون إفساد النظام الدولي بالكامل”. فالصين لا تسعى إلى تغيير النظام الدولي بصورة جذرية كما تفعل روسيا، بل تعمل على إعادة تشكيله تدريجيًا بما يخدم صعودها السياسي والاقتصادي”.
ويوضح ديمتري بريجع، الرسائل المتبادلة بين واشنطن وبكين تعكس محاولة واعية لإعادة ضبط قواعد الاشتباك بين القوتين الأكبر عالميًا، فالصين تتحدث بلغة الاستقرار الاستراتيجي، لكنها في الوقت نفسه تعتبر تايوان خطًا أحمر لا يمكن التهاون فيه، في المقابل، تحاول الولايات المتحدة إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع بكين، دون أن تظهر بمظهر المتراجع عن التزاماتها تجاه تايوان أو حلفائها في آسيا”.
ويشير ديمتري بريجع إلى أن الخارجية الصينية قد أكدت أن اللقاء بين الرئيس الصيني شي جين بينج والرئيس الأمريكي دونالد ترامب أسفر عن رؤية لبناء علاقة “بناءة ومستقرة استراتيجيًا”، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن قضية تايوان تظل القضية الأهم في العلاقات الصينية الأمريكية، وأن سوء التعامل معها قد يقود إلى صدامات أو حتى نزاعات عسكرية، لافتًا إلى أن الطرفين يسعيان إلى إدارة الخلافات عبر التفاهمات، وليس عبر التصعيد المباشر.
ويتابع بريجع حديثه قائلاً: “تحاول بكين تسويق نفسها كقوة عقلانية وهادئة، لا تتعامل بمنطق التنافس الانتخابي والانقسام الحزبي كما يحدث في الولايات المتحدة. وهذا لا يعني أن سياساتها أقل صلابة، بل يعني أنها تقدم هذه الصلابة في صورة “استقرار سياسي”، فالصين تقول للعالم إنها لا تغيّر اتجاهاتها كل أربع سنوات، ولا تربط استراتيجياتها بالمزاج الانتخابي أو الصراعات الداخلية، وهو ما يمنحها ميزة في الخطاب السياسي أمام كثير من دول الجنوب العالمي التي تبحث عن شريك يمكن توقع سلوكه
في المقابل، تعاني الولايات المتحدة من حالة استقطاب داخلي تثير تساؤلات لدى حلفائها بشأن مدى استمرارية الالتزامات الأمريكية بعد كل انتخابات رئاسية.
ورغم ذلك، لا يمكن وصف الصين بأنها “قوة استقرار” بالمعنى المثالي، إذ إنها تسعى في النهاية إلى إعادة تشكيل النظام الدولي بما يخدم مصالحها الكبرى، خاصة في ملفات تايوان، وبحر الصين الجنوبي، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد العالمية”.
ويستكمل الباحث السياسي: “تحاول واشنطن تحويل التنافس مع الصين من ملف آسيوي محدود إلى قضية عالمية شاملة، فـ تايوان لم تعد مجرد قضية أمنية في شرق آسيا، بل أصبحت مرتبطة بسلاسل أشباه الموصلات، وحرية الملاحة، والردع البحري، وأمن الحلفاء، واستقرار الاقتصاد العالمي.
لذلك ترى الولايات المتحدة أن أي تهاون في ملف تايوان قد يؤثر على مصداقيتها أمام حلفائها في الخليج وأوروبا واليابان وكوريا الجنوبية.
كما أن الربط بين تايوان وأمن الملاحة والطاقة بات واضحًا، خاصة مع تصاعد الحديث الأمريكي عن حماية الملاحة في مضيق هرمز، بالتوازي مع مراقبة التحركات الصينية في بحر الصين الجنوبي.
ويكشف ذلك عن رغبة أمريكية في بناء خطاب موحد يقوم على رفض سيطرة أي قوة سواء كانت إيران في الخليج أو الصين قرب تايوان على الممرات الاستراتيجية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي”.
ويؤكد ديمتري ان الولايات المتحدة تحاول وضع الصين أمام معادلة معقدة؛ فإذا كانت بكين تريد الظهور كقوة دولية مسؤولة، فعليها دعم حرية الملاحة في مضيق هرمز، لكن إذا رفضت تطبيق المبدأ نفسه في تايوان وبحر الصين الجنوبي، فستبدو كقوة تتعامل بازدواجية.
وهذه هي المقاربة الدبلوماسية التي تحاول واشنطن توظيفها في آسيا والشرق الأوسط، من أجل إحراج الصين سياسيًا ودفعها لتحمل مسؤوليات أكبر داخل النظام الدولي.
تدرك الصين أهمية إيران بالنسبة لمصالحها الاقتصادية والطاقة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول العلاقة معها إلى عبء سياسي أو أمني.
فبكين تستفيد من النفط الإيراني، ومن العلاقات التجارية والاستثمارية طويلة الأمد، لكنها لا ترغب في اندلاع حرب إقليمية واسعة قد تؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز أو ارتفاع أسعار النفط بصورة تهدد الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، تدرك إيران أن الصين ليست مجرد شريك اقتصادي، بل شريك استراتيجي يساعدها على تخفيف آثار العقوبات الغربية. ومع ذلك، فإن بكين تتعامل بمنطق المصالح الكبرى، وليس بمنطق التحالفات العقائدية الثابتة.
ولهذا، قد تمارس الصين ضغوطًا على إيران عندما تتعرض مصالحها للخطر، لكنها لن تتحرك وفق الرؤية الأمريكية بشكل كامل، حتى لا تبدو وكأنها وكيل دبلوماسي لواشنطن”.
ويقول بريجع : “تشير تقارير حديثة إلى تراجع التجارة بين الصين وإيران ودول الخليج خلال أزمة مضيق هرمز، مع انخفاض الواردات والصادرات بصورة ملحوظة منذ مارس الماضي، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي تتركه التوترات الإقليمية على الاقتصاد الصيني.
ورغم ذلك، لا تبدو بكين مستعدة للتخلي عن علاقاتها الاستراتيجية مع إيران، خاصة في مجالات النفط والغاز والطاقة، وفي الوقت نفسه، تتحول العلاقات الاقتصادية بين الصين وإيران تدريجيًا إلى ورقة تفاوض ضمن الصراع العالمي حول العقوبات والطاقة والنظام الدولي.
فـ الولايات المتحدة لا تريد استمرار شراء الصين للنفط الإيراني، لأن ذلك يضعف فعالية العقوبات الأمريكية، بينما ترى بكين أن العقوبات الأحادية تمثل أداة ضغط سياسية خطيرة يمكن استخدامها ضد أي دولة في المستقبل.
ورغم استمرار التنافس الحاد بين واشنطن وبكين، فإن هناك مؤشرات على وجود تقارب حذر وتفاهمات غير معلنة بين الطرفين، خاصة فيما يتعلق بإدارة الأزمات الكبرى ومنع انفجار الصراعات الإقليمية.
وتدرك إيران أن الصين شريك ضروري، لكنها تعلم أيضًا أن بكين ليست حليفًا دائمًا يمكن الاعتماد عليه في كل الظروف، إذ تعيد ترتيب أولوياتها وفقًا لحسابات المصالح الدولية”.
ويختتم بريجع حديثه قائلًا: “وفي النهاية، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة تقوم على إدارة التنافس بين القوى الكبرى، وليس إنهاء هذا التنافس، في ظل إدراك الجميع أن أي مواجهة مفتوحة قد تكون مكلفة للجميع”.



