هل تستطيع الأندية تغيير «جنسيتها الكروية»؟.. فيفا ويويفا يضعان قواعد صارمة للانتقال بين الدوريات

لا تستطيع أندية كرة القدم الأوروبية الانتقال من دوري إلى آخر أو تغيير منظومتها الكروية بقرار منفرد، رغم وجود حالات استثنائية لأندية تلعب خارج الدوريات التابعة لدولها الأصلية. وترتبط هذه الحالات بظروف سياسية أو جغرافية أو اقتصادية، وتحتاج إلى موافقات من الجهات الكروية المختصة.
وتختلف كرة القدم الأوروبية في هذا الأمر عن بعض الرياضات الأمريكية، التي يمكن فيها لمالك الفريق نقل ناديه إلى مدينة أو ولاية أخرى بحثًا عن سوق أكبر أو عوائد اقتصادية أفضل. أما في أوروبا، فتظل الأندية مرتبطة بالاتحادات الوطنية التي تنظم مسابقاتها وتحدد مسارات التأهل إلى البطولات القارية.
ومن أبرز الحالات نادي ديري سيتي، الذي اضطر إلى مغادرة منظومة كرة القدم في أيرلندا الشمالية بسبب الاضطرابات السياسية والأمنية. فقد أصبح ملعبه «براندي ويل» غير آمن لاستضافة مباريات الدوري، خصوصًا بعد تعرض حافلة فريق باليمينا يونايتد للهجوم والحرق عام 1971، ورفض عدد من الأندية زيارة ديري. وانتقل النادي لخوض مبارياته في كوليرين، لكن تراجع حضور الجماهير والإيرادات جعلا استمرار الوضع صعبًا، ليغادر الدوري عام 1972. وبعد سنوات من المحاولات، تقدم عام 1985 للانضمام إلى الدوري في جمهورية أيرلندا، وحصل على موافقة فيفا ويويفا والاتحادات المعنية.
أما إف سي أندورا، فكانت ظروفه مختلفة، إذ تأسس عام 1942 في وقت لم تكن فيه أندورا تملك اتحادًا لكرة القدم أو دوريًا محليًا، وهو الوضع الذي استمر حتى إنشاء الاتحاد الأندوري عام 1994. لذلك حصل النادي على موافقة فيفا والاتحاد الإسباني للعب ضمن مسابقات كرة القدم الإسبانية عبر الاتحاد الكتالوني، وقضى سنوات طويلة في الدرجات الدنيا قبل أن يرتقي إلى دوري الدرجة الثانية الإسباني بعد استثمارات مجموعة «كوسموس» التابعة لجيرارد بيكيه.
وتقدم موناكو نموذجًا آخر، حيث ينتمي النادي إلى دولة مستقلة لكنه يشارك منذ عقود في منظومة كرة القدم الفرنسية، ويخوض الدوري الفرنسي ويمثل فرنسا في المسابقات الأوروبية. وأثارت الامتيازات الضريبية التي تتمتع بها الإمارة خلافات مع كرة القدم الفرنسية، خاصة مع إعفاء معظم المقيمين من ضريبة الدخل.
وتصاعد الخلاف عام 2013 بعدما فرضت فرنسا ضريبة بنسبة 75% على الدخول المرتفعة، وهو ما دفع رابطة الدوري الفرنسي إلى محاولة إجبار موناكو على نقل مقره إلى الأراضي الفرنسية. وانتهى النزاع باتفاق عام 2014 دفع بموجبه النادي 50 مليون يورو مقابل الاحتفاظ بمقره في موناكو والاستمرار في الدوري الفرنسي، قبل أن يقضي مجلس الدولة الفرنسي لاحقًا بعدم قانونية الاتفاق.
ويعد نادي فادوز من أبرز النماذج في ليختنشتاين، الدولة التي لا تمتلك دوريًا وطنيًا، لذلك تشارك أنديتها السبعة في نظام الدوري السويسري. ورغم لعب فادوز في سويسرا، فإنه يحتفظ بهويته الليختنشتاينية، ويتأهل إلى البطولات الأوروبية من خلال كأس ليختنشتاين.
وفي عام 2022 أصبح فادوز أول نادٍ من ليختنشتاين يصل إلى دور المجموعات في إحدى بطولات يويفا، بعدما توج بكأس بلاده واجتاز التصفيات. كما أن تصدره الدوري السويسري، نظريًا، لا يمنحه لقب الدوري، إذ يذهب اللقب إلى أفضل نادٍ سويسري في الترتيب.
وتفرض قواعد فيفا ويويفا قيودًا كبيرة على انتقال الأندية بين الاتحادات الوطنية. فلا يستطيع النادي أو رابطة الدوري الانضمام بمفرده إلى اتحاد كرة قدم في دولة أخرى أو المشاركة في مسابقاته دون الحصول على موافقات الجهات المنظمة، بما في ذلك فيفا والاتحاد القاري والاتحادات الوطنية المعنية.
ولا تتوقف المشكلة عند مجرد المشاركة في دوري جديد، إذ يرتبط التأهل إلى دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي ودوري المؤتمر الأوروبي بالنظام الوطني الذي ينتمي إليه النادي. وبالتالي فإن تغيير الاتحاد أو الدوري قد يؤثر في طريق النادي إلى البطولات الأوروبية ومقاعد التأهل الخاصة به.
كما تزيد لوائح ترخيص الأندية في يويفا من صعوبة الانتقال، إذ تشترط في بعض الحالات ارتباط النادي باتحاد وطني لمدة ثلاثة مواسم متتالية على الأقل، مع مشاركة الفريق الأول في مسابقات وطنية رسمية خلال تلك الفترة، وهي القاعدة التي تحد من إمكانية تغيير المنظومة الكروية سريعًا لتحقيق مكاسب رياضية أو مالية.
وفي ويلز ظهرت محاولة مختلفة عام 2025 من خلال مشروع «بروجيكت سيمرو»، الذي حظي بدعم الاتحاد الويلزي لكرة القدم وكان يستهدف مشاركة كارديف سيتي وسوانزي سيتي وريكسهام ونيوبورت كاونتي في كأس الدوري الويلزي، مع استمرار وجودها في هرم كرة القدم الإنجليزية. وكان من المتوقع أن تحقق الفكرة نحو 3 ملايين جنيه إسترليني سنويًا للكرة الويلزية، لكنها اصطدمت برفض الاتحاد الإنجليزي، لتؤكد صعوبة الجمع بين نظامين كرويين مختلفين.
كما طُرح خلال أزمة استقلال كتالونيا احتمال انتقال برشلونة إلى الدوري الفرنسي إذا انفصل الإقليم عن إسبانيا. ووصل النقاش إلى حد طرح رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق مانويل فالس، المولود في برشلونة والمعروف بتشجيعه للنادي، فكرة انضمام برشلونة إلى المسابقات الفرنسية، إلا أن الأمر بقي في إطار النقاش السياسي ولم يتحول إلى مشروع رسمي أو مفاوضات فعلية.
والأمر نفسه تكرر مع سلتيك ورينجرز، اللذين ارتبط اسماهما مرارًا بفكرة الانتقال إلى الدوري الإنجليزي بسبب ضخامة جماهيريتهما والفارق المالي الكبير بين السوقين الإنجليزي والاسكتلندي. وفي عام 2009 نوقشت فكرة إدخالهما في دوري إنجليزي موسع، لكنها فشلت بعدما رفضتها أندية الدوري الإنجليزي الممتاز، وصوت 14 ناديًا ضدها. وكان انتقال الناديين سيمنحهما عوائد مالية أكبر ومنافسة أقوى، لكنه كان يعني أيضًا تقاسم الإيرادات مع منافسين جديدين.
وظهرت كذلك فكرة «بينيليجا» لإقامة دوري مشترك يضم أبرز أندية بلجيكا وهولندا، بهدف إنشاء بطولة قادرة على منافسة الدوريات الأوروبية الكبرى. وقدرت شركة «ديلويت» أن المسابقة كان يمكن أن تحقق إيرادات تتراوح بين 250 و400 مليون يورو من حقوق البث والعقود التجارية، لكن المشروع واجه مخاوف تتعلق بخسارة الأندية لمباريات جماهيرية وإيرادات مهمة، إضافة إلى تعقيدات التأهل الأوروبي ووجود مقاعد منفصلة لكل من بلجيكا وهولندا، قبل أن تتراجع الأندية الهولندية عن دعمه في 2022.
كما ظهرت مقترحات لإنشاء «دوري الأطلسي» يضم أندية كبيرة من أسواق أوروبية أصغر، مثل أياكس وبي إس في وفينورد وسلتيك ورينجرز، إلى جانب أندية من بلجيكا والدول الإسكندنافية، بهدف تكوين سوق أكبر ومواجهة التفوق المالي للأندية الإنجليزية والإسبانية. لكن الفكرة اصطدمت بمصالح الدوريات المحلية التي قد تفقد أكبر أنديتها وأكثرها جذبًا للجماهير والرعاة.
ووصل الجدل حول حدود سلطة الاتحادات إلى المحاكم الأوروبية في قضية دوري السوبر الأوروبي. ففي ديسمبر 2023، قضت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي بأن الطريقة التي طبقت بها فيفا ويويفا قواعد الموافقة المسبقة على مسابقات الأندية الدولية الجديدة لم تكن متوافقة مع قانون المنافسة الأوروبي، بسبب اتساع صلاحيات الهيئات المنظمة في منع المسابقات من دون معايير واضحة وشفافة وموضوعية.
لكن الحكم لم يمنح الأندية حرية مطلقة للانفصال عن الدوريات أو الاتحادات المحلية، ولم يلغِ دور يويفا في إدارة كرة القدم الأوروبية، إذ تظل اعتبارات الجدارة الرياضية وتنظيم المسابقات والجدول الزمني من الأمور التي تخضع لقواعد الجهات المنظمة. وعقب الحكم، بدأ يويفا في تعديل قواعده الخاصة بالموافقة على المسابقات الدولية الجديدة.
وبذلك، فإن تغيير «الجنسية الكروية» للنادي ممكن من الناحية العملية، لكنه لا يحدث بقرار منفرد من الإدارة. والحالات الموجودة في أوروبا جاءت نتيجة ظروف استثنائية، مثل الحروب والأزمات السياسية، أو غياب دوري محلي، أو عوامل جغرافية، أو ترتيبات اقتصادية خاصة.
أما انتقال نادٍ كبير إلى دوري دولة أخرى لمجرد البحث عن أموال أكبر أو منافسة أقوى، فيظل أكثر تعقيدًا، لأنه لا يتعلق بالنادي وحده، بل بحقوق البث، والمقاعد الأوروبية، والجماهير، والرعاة، والاستثمارات، والتوازن التنافسي، ومصالح الدوري الذي يغادره النادي.
ولهذا، ورغم تحول كرة القدم إلى صناعة عالمية تتجاوز الحدود، لا تزال منظومتها الأوروبية قائمة أساسًا على الاتحادات الوطنية، ولا يستطيع أي نادٍ ببساطة اتخاذ قرار بالانتقال إلى بلد آخر واعتبار دوري جديد موطنه الكروي دون موافقات وإجراءات معقدة.



