من هرمز إلى مخازن البنتاغون.. كيف استنزفت حرب إيران القوة العسكرية الأمريكية؟
فاتورة حرب إيران.. 33.4 مليار دولار تستنزف أمريكا وتكشف أزمة السلاح والقواعد

لم تعد تكلفة الحرب الأمريكية مع إيران مجرد رقم يضاف إلى فاتورة الإنفاق العسكري، فبعد أشهر من العمليات والضربات المتبادلة، بدأت تتكشف صورة أكثر تعقيدًا لحجم الخسائر التي تكبدتها واشنطن، من مليارات الدولارات التي أنفقتها في ساحات القتال، إلى طائرات ومنشآت عسكرية متضررة، وصولًا إلى أزمة أكثر حساسية تتمثل في تراجع مخزونات الذخائر الاستراتيجية.
وأظهر أول تقييم رسمي شامل صادر عن جهاز الرقابة في وزارة الدفاع الأمريكية أن الحرب مع إيران تركت آثارًا مباشرة على الجاهزية العسكرية الأمريكية، بعدما بلغت تكلفة العمليات 33.4 مليار دولار حتى 29 يونيو 2026، مع تسجيل نقص في بعض مخزونات الذخائر وظهور اختناقات في القاعدة الصناعية الدفاعية المسؤولة عن إعادة الإمداد.
فاتورة الحرب.. مليارات للذخائر والخسائر
تكشف الأرقام أن الجزء الأكبر من تكلفة الحرب ارتبط بالإنفاق العسكري المباشر، إذ أشارت تقارير استنادًا إلى بيانات البنتاغون إلى أن نحو 22.3 مليار دولار خُصصت للذخائر المستخدمة في العمليات، بينما بلغت خسائر المعدات نحو 3.7 مليار دولار، إضافة إلى مليارات أخرى ضمن النفقات التشغيلية واللوجستية.
وتعكس هذه الأرقام طبيعة حرب استهلكت كميات ضخمة من الأسلحة المتقدمة، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديًا متزايدًا في الحفاظ على جاهزية مخزوناتها العسكرية وتعويض ما يُستهلك بوتيرة سريعة.
مئات المنشآت الأمريكية في مرمى الضربات
ولم تقتصر الخسائر على الإنفاق والذخائر، إذ أكد تقرير المفتش العام للبنتاغون أن الضربات الإيرانية ألحقت أضرارًا أو دمرت مئات المباني والمنشآت في مواقع وقواعد أمريكية بالشرق الأوسط.
وتكشف التقديرات المنشورة أن الأضرار طالت شبكة واسعة من الأصول العسكرية والدبلوماسية الأمريكية، ما أجبر القوات على التعامل مع تداعيات لوجستية وتشغيلية معقدة، بما في ذلك إعادة ترتيب بعض خطوط الإمداد ونقل الموارد بعيدًا عن المناطق الأكثر تعرضًا للخطر.
الطائرات الأمريكية.. خسائر في قلب القوة الجوية
أحد أبرز جوانب التقرير يتعلق بالخسائر التي أصابت القوة الجوية الأمريكية. فقد تعرضت مقاتلة من طراز إف-35 إيه لأضرار نتيجة نيران معادية، في واقعة تعد الأولى التي تسجل فيها أضرار قتالية لهذا الطراز المتطور.
كما شملت الخسائر تدمير أو تضرر طائرات مقاتلة ومنصات دعم جوي، بينها طائرات إف-15 وطائرة هجومية من طراز إيه-10، إلى جانب طائرات للتزود بالوقود من طراز كي سي-135 ومروحيات وطائرات مسيرة.
وتكتسب هذه الخسائر أهمية خاصة لأن الحرب لم تستهدف فقط المنصات الهجومية، بل امتدت إلى طائرات الدعم اللوجستي التي تمثل عنصرًا أساسيًا في قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ عمليات جوية واسعة وعلى مسافات طويلة.
أزمة الذخائر.. الخطر الذي يقلق البنتاغون
لكن الجانب الأكثر حساسية في التقرير يتمثل في ما وصفه مراقبو البنتاغون بـالفجوات في المخزون الاستراتيجي للذخائر.
فالاستخدام المكثف للصواريخ والذخائر المتقدمة خلال الحرب أدى إلى استنزاف جزء من المخزونات الأمريكية، في حين كشف التقرير عن اختناقات في خطوط الإنتاج والصناعة الدفاعية قد تعرقل سرعة إعادة ملء المستودعات.
وهنا تتجاوز المشكلة الخسائر المباشرة في ساحة الحرب؛ لأن إعادة إنتاج بعض الذخائر المتطورة، خصوصًا الصواريخ وأنظمة الاعتراض، قد تحتاج إلى وقت طويل، ما يفرض ضغوطًا على التخطيط العسكري الأمريكي وقدرته على الاستجابة لأزمات أو صراعات أخرى.
بين تصريحات ترامب وأرقام البنتاغون
وتأتي هذه البيانات في وقت يواصل فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التأكيد على قوة الصناعة العسكرية الأمريكية وقدرتها على إنتاج أسلحة متطورة بكميات ضخمة.
غير أن التقرير الرسمي يقدم صورة أكثر تعقيدًا، إذ يظهر أن امتلاك أكبر ميزانية عسكرية في العالم لا يمنع حدوث فجوة بين سرعة استهلاك الذخائر في حرب واسعة وبين قدرة المصانع على تعويضها.
وتبرز هنا معادلة صعبة أمام واشنطن: فكلما طال أمد العمليات وارتفع معدل استخدام الأسلحة المتقدمة، ازدادت الحاجة إلى تسريع الإنتاج، ليس فقط لمواصلة الحرب، وإنما أيضًا للحفاظ على مستوى المخزون المطلوب للردع والاستعداد لمواجهات أخرى.
خسائر تمتد إلى المنشآت الدبلوماسية
ولم تسلم المنشآت الدبلوماسية الأمريكية من تداعيات الحرب، إذ سجلت الحكومة الأمريكية أضرارًا في مواقع دبلوماسية بعدد من دول المنطقة.
وبينما تختلف التقديرات المنشورة بشأن إجمالي الأضرار بحسب نطاق المواقع والتكاليف التي شملتها الحسابات، فإنها تؤكد أن الخسائر لم تقتصر على القواعد العسكرية، بل امتدت إلى البنية الدبلوماسية والعمليات المرتبطة بالإجلاء والاستجابة الطارئة.
حرب تتجاوز حدود المواجهة المباشرة
تزامنت الخسائر العسكرية الأمريكية مع اتساع تداعيات الصراع إقليميًا، حيث أصبحت القواعد والممرات البحرية ومنشآت الطاقة وخطوط الإمداد جزءًا من المشهد الأمني المتوتر.
وتصاعدت خلال الأيام الأخيرة المخاوف بشأن أمن البنية التحتية النفطية وحركة الطاقة في المنطقة، في ظل هجمات وضغوط متبادلة وتوترات امتدت آثارها إلى أسواق النفط والممرات الاستراتيجية، وفي مقدمتها منطقة الخليج ومضيق هرمز.
هل تستطيع واشنطن تعويض ما خسرته؟
تكشف الحرب أن التحدي الحقيقي أمام الولايات المتحدة لا يتمثل فقط في حجم الأموال التي أنفقتها، بل في الوقت والقدرة الصناعية اللازمين لإعادة بناء ما استُهلك أو تعرض للتدمير.
فالطائرات يمكن استبدالها، والمنشآت يمكن إصلاحها، لكن إعادة تكوين مخزون استراتيجي من الذخائر المتقدمة تتطلب سلاسل توريد ومصانع وقدرات إنتاج تعمل لسنوات في بعض الحالات.
وبينما بلغت الفاتورة المعلنة للحرب حتى نهاية يونيو 33.4 مليار دولار، تشير المعطيات إلى أن التكلفة النهائية قد لا تُقاس بالأموال وحدها، بل أيضًا بحجم الضغط الذي تعرضت له القوة العسكرية الأمريكية، وقدرتها على إعادة بناء مخزوناتها، والاستعداد في الوقت نفسه لمواجهة أي أزمات جديدة.

وهكذا، من القواعد المتضررة في الشرق الأوسط إلى الطائرات التي خرجت من الخدمة، ومن مليارات الدولارات التي أُنفقت إلى الذخائر التي باتت تحتاج إلى تعويض، تكشف حرب إيران عن وجه آخر للقوة العسكرية الأمريكية: قوة هائلة، لكنها ليست بمنأى عن الاستنزاف عندما تتحول المواجهة إلى حرب طويلة ومتعددة الجبهات.



