مخزونات الغاز في أوروبا عند أدنى مستوى منذ 15 عاماً.. هل يواجه القارة شتاءً صعباً؟

تدخل أوروبا موسم الشتاء بمخزونات غاز أقل بكثير من مستويات الأعوام الماضية، إذ بلغت نسبة امتلاء منشآت التخزين في الاتحاد الأوروبي نحو 72% مطلع أكتوبر، مقابل متوسط موسمي يقارب 87%.
وبحسب أحدث بيانات منظمة «البنية التحتية للغاز في أوروبا»، تعادل الكميات المخزنة نحو 815 تيراواط/ساعة، بعدما ارتفعت من 65.6% في بداية سبتمبر، لكنها لا تزال عند أدنى مستوى لهذا التوقيت منذ بدء تسجيل البيانات في عام 2011، وأقل بأكثر من 15 نقطة مئوية من متوسط السنوات الخمس الأخيرة.
ولا يعني انخفاض المخزونات بالضرورة أن أوروبا ستواجه نقصاً في الغاز أو انقطاعاً في التدفئة، إلا أنه يقلص هامش الأمان ويجعل القارة أكثر اعتماداً على شراء شحنات إضافية خلال ذروة الطلب الشتوي.
تفاوت كبير بين الدول الأوروبية
تختلف مستويات التخزين بصورة كبيرة بين الدول. فقد بلغت نسبة امتلاء المخزونات نحو 87% في إيطاليا، و84% في فرنسا، و99% في بولندا.
في المقابل، لا تتجاوز النسبة 58% في ألمانيا، صاحبة أكبر اقتصاد في أوروبا وإحدى أكبر قدرات التخزين في القارة، بينما تبلغ نحو 59% في هولندا.
وتبدو بريطانيا أكثر تعرضاً للضغوط، إذ لا تتجاوز نسبة امتلاء منشآت التخزين المشمولة بالبيانات 31%. إلا أن قدرة التخزين البريطانية محدودة أصلاً، كما تعتمد البلاد بدرجة كبيرة على تدفقات الغاز عبر الأنابيب وواردات الغاز المسال، ما يجعل نسبة التخزين وحدها غير كافية لتقييم أمن إمداداتها.
وتلزم القواعد الأوروبية الدول بالوصول إلى مستوى تخزين يبلغ 90% في أي وقت بين بداية أكتوبر وبداية ديسمبر، مع السماح بهامش مرونة قدره 10 نقاط مئوية يمكن توسيعه في حال استمرار ظروف السوق الصعبة.
وكانت المفوضية الأوروبية قد أشارت إلى أن بلوغ مستوى 80% قد يكون كافياً لتأمين احتياجات الشتاء الحالي، من دون أن يلغي ذلك الهدف الرسمي البالغ 90%.
لماذا تأخر ملء المخزونات؟
أنهت أوروبا شتاء 2025-2026 بمستويات منخفضة من مخزونات الغاز، بعد موجات برد رفعت الاستهلاك، ثم جاءت موجات الحر خلال الصيف لتزيد استخدام الغاز في توليد الكهرباء.
كما أثرت الحرب بين أمريكا وإيران واضطرابات حركة الملاحة في مضيق هرمز على صادرات الغاز المسال من منطقة الخليج، ما حد من تدفقات الإمدادات إلى الأسواق الأوروبية.
وتحسنت حركة شحنات الغاز المسال خلال سبتمبر، إذ عبرت ما بين 19 و21 ناقلة للمضيق، وفق بيانات «إس آند بي غلوبال» و«كبلر»، لكن استمرار هذا التحسن خلال أشهر الشتاء لا يزال غير مضمون، في ظل بقاء حركة الملاحة أقل من مستويات ما قبل الحرب.
كما ساهمت ظروف الأسعار في إبطاء عمليات التخزين، إذ لم يكن شراء الغاز الفوري المرتفع السعر وتخزينه لإعادة بيعه لاحقاً بأسعار أقل جذاباً للشركات، في وقت تنافس فيه المشترون الآسيويون على شحنات الغاز المسال.
أوروبا أكثر استعداداً من أزمة 2022
ورغم انخفاض المخزونات، تتمتع أوروبا اليوم بوضع أكثر استعداداً مما كانت عليه خلال أزمة الطاقة عام 2022، عندما تراجع تدفق الغاز الروسي بشكل حاد.
فقد توسعت قدرات استقبال الغاز المسال، وتنوعت مصادر الاستيراد، بينما توفر النرويج نحو 30% من احتياجات الاتحاد الأوروبي وبريطانيا من الغاز.
وأكدت شركة «غاسكو» المشغلة لشبكة الغاز النرويجية جاهزية النظام لتلبية الطلب خلال الشتاء بعد انتهاء أعمال الصيانة.
كما ارتفعت صادرات الغاز المسال الأمريكية إلى 10.9 ملايين طن خلال سبتمبر، ذهب نحو 54% منها إلى أوروبا.
وساعد تراجع استهلاك الغاز الأوروبي مقارنة بمستويات ما قبل أزمة 2022، نتيجة تحسين كفاءة استخدام الطاقة، والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة، وضعف بعض الصناعات كثيفة الاستهلاك، على تخفيف الضغوط على السوق.
لكن قرار الاتحاد الأوروبي حظر واردات الغاز المسال الروسي بالكامل اعتباراً من بداية 2027 سيبدأ تطبيقه خلال موسم التدفئة، ما سيزيد اعتماد القارة على الإمدادات الأمريكية والنرويجية والسوق العالمية.
أزمة أسعار قبل أن تكون أزمة إمدادات
بلغ سعر الغاز الأوروبي المرجعي نحو 73 يورو لكل ميغاواط/ساعة، أي ما يعادل نحو 82 دولاراً، بعدما ارتفع إلى أكثر من ضعف مستواه منذ بداية 2026.
ويهدد ارتفاع الأسعار بزيادة تكاليف الكهرباء والتدفئة، إلى جانب رفع تكلفة إنتاج الأسمدة والكيماويات والزجاج والمعادن، وهو ما قد يعيد الضغوط التضخمية ويزيد صعوبة مهمة البنك المركزي الأوروبي.
وبالتالي، سيكون الطقس عاملاً حاسماً في تحديد مسار سوق الغاز خلال الشتاء. فإذا جاء الشتاء معتدلاً واستمرت تدفقات الغاز من النرويج والولايات المتحدة، قد تتمكن أوروبا من تجاوز الموسم دون نقص فعلي، لكن مع تحمل أسعار مرتفعة.
أما إذا تزامنت موجة برد طويلة مع اضطرابات جديدة في مضيق هرمز أو منشآت الإمداد، فقد تشتد المنافسة بين أوروبا وآسيا على شحنات الغاز المسال، ما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وربما اضطرار بعض الصناعات الأوروبية إلى خفض استهلاكها.
وبذلك، تدخل أوروبا الشتاء دون أن تكون خزاناتها فارغة، لكنها تفتقر إلى هامش الأمان الذي تمتعت به خلال السنوات الأخيرة، لتتحول المخاوف من مجرد تأمين الكميات إلى تكلفة توفير الغاز وضمان استمرارية الإمدادات.



