صدمة أسعار الطاقة تعيد تشكيل مسار التضخم في الصين بعد سنوات من الانكماش

تشهد الصين تطورًا اقتصاديًا لافتًا قد يضع حدًا لأطول موجة انكماش سعري مرت بها خلال السنوات الأخيرة، حيث استمرت هذه الحالة لنحو ثلاث سنوات ونصف.
ويأتي هذا التحول نتيجة مباشرة للارتفاع الكبير في أسعار الطاقة عالميًا، وعلى رأسها النفط، وليس بسبب تحسن حقيقي في الطلب داخل الاقتصاد الصيني.
خلفية الانكماش في الصين
منذ أواخر عام 2022، وبعد إعادة فتح الاقتصاد عقب جائحة كورونا، واجهت الصين وضعًا اقتصاديًا صعبًا تمثل في:
فائض كبير في الإنتاج الصناعي
ضعف ملحوظ في الطلب المحلي والاستهلاك
انخفاض مستمر في أسعار السلع
تراجع أرباح الشركات
تباطؤ نمو الأجور
هذه العوامل مجتمعة أدت إلى استمرار الانكماش السعري، خاصة في مؤشر أسعار المنتجين، وهو ما يعكس انخفاض أسعار السلع عند خروجها من المصانع.
تغير التوقعات بسبب الطاقة
قبل الارتفاع الأخير في أسعار النفط، كانت التوقعات تشير إلى أن:
أسعار المنتجين ستظل في المنطقة السالبة طوال عام 2026
التعافي السعري سيكون بطيئًا جدًا
لكن مع القفزة الحادة في أسعار الطاقة، تغيرت هذه التوقعات بشكل واضح، حيث بدأت مؤسسات مالية عالمية مثل سيتي جروب وجولدمان ساكس ترجّح:
عودة أسعار المنتجين إلى الارتفاع قريبًا
احتمال بدء هذا التحول بالفعل خلال مارس 2026
ارتفاع تدريجي في أسعار المستهلكين أيضًا
دور أسعار النفط في التحول
السبب الرئيسي لهذا التغير هو الارتفاع الكبير في أسعار النفط، والذي جاء نتيجة التوترات الجيوسياسية في المنطقة، خاصة مع تصاعد الأحداث المرتبطة بإيران.
أبرز التأثيرات:
تجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل
زيادة بأكثر من 50% مقارنة بعام 2025
ارتفاع مباشر في تكاليف الإنتاج والنقل والصناعة
وتشير تقديرات مؤسسات بحثية إلى أن:
كل زيادة بنسبة 10% في أسعار النفط سنويًا
تؤدي إلى رفع مؤشر أسعار المنتجين في الصين بنحو 0.4%
هل هذا التحول إيجابي؟
رغم أن الخروج من الانكماش يعد نظريًا مؤشرًا إيجابيًا، فإن الواقع أكثر تعقيدًا:
الإيجابيات:
توقف تراجع الأسعار المستمر
تحسن نسبي في أرباح الشركات الصناعية
تقليل الضغوط الانكماشية على الاقتصاد
السلبيات:
الارتفاع مدفوع بالتكاليف وليس بالطلب
ضعف الاستهلاك المحلي لا يزال قائمًا
احتمال زيادة الضغوط على الشركات والمستهلكين
تعافي غير متوازن بين الإنتاج والاستهلاك
تأثير محدود على المستهلكين
يرى محللون أن:
أسعار المنتجين سترتفع بشكل أسرع
لكن أسعار المستهلكين لن ترتفع بنفس الوتيرة
وهذا يعني أن:
التأثير سيبقى أكبر في قطاع الإنتاج
الطلب المحلي سيظل ضعيفًا نسبيًا
التعافي الاقتصادي لن يكون شاملًا أو متكاملًا
قدرة الصين على امتصاص الصدمة
تمتلك الصين بعض العوامل التي تقلل من تأثير صدمات النفط مقارنة بدول أخرى، مثل:
التوسع الكبير في الطاقة المتجددة
تنويع مصادر استيراد الطاقة
سياسات حكومية لضبط الأسعار
لكن رغم ذلك، لا يمكنها تجنب التأثير بالكامل، خاصة مع الارتفاع الكبير والسريع في أسعار الخام.
الاقتصاد الصيني يقف أمام نقطة تحول مهمة:
قد ينتهي عصر الانكماش السعري الطويل
لكن دون تحسن حقيقي في الطلب الداخلي
وهذا يعني أن الصين قد تدخل مرحلة جديدة من التضخم “المدفوع بالتكاليف”، وهو وضع اقتصادي يحمل مخاطر، لأنه لا يعكس قوة في النمو بقدر ما يعكس ضغوطًا خارجية، وعلى رأسها ارتفاع أسعار الطاقة.



