باب المندب في مرمى النار.. كيف أصبح المضيق ورقة إيران الرابحة في حربها مع أمريكا؟

لم يعد الصراع بين إيران والولايات المتحدة محصورًا في مضيق هرمز أو في مياه الخليج، إذ برزت جبهة جديدة في الطرف الآخر من المنطقة: باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، حيث عزز الحوثيون المدعومون من إيران وجودهم في مواقع استراتيجية قرب المضيق، ما يفتح جبهة ضغط جديدة على حركة التجارة والطاقة العالمية.
من هرمز إلى باب المندب
تكمن خطورة التطورات الأخيرة في أن إيران باتت تملك، عبر حليفها الحوثي في اليمن، إمكانية الضغط على ممر بحري مختلف تمامًا عن مضيق هرمز. فبينما يمثل هرمز بوابة رئيسية لخروج النفط من الخليج، يربط باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وبالتالي فإن اضطراب الملاحة فيه ينعكس مباشرة على طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.
ومع إغلاق هرمز فعليًا في ظل الحرب مع إيران، أصبحت الأنظار أكثر تركيزًا على باب المندب باعتباره مسارًا بديلًا وحيويًا، وهو ما يمنح السيطرة عليه قيمة استراتيجية أكبر من السابق.
جزيرة ميون.. مفتاح السيطرة على المضيق
كان التحول الأبرز هو وصول الحوثيين إلى جزيرة ميون، المعروفة أيضًا باسم بريم، الواقعة في قلب باب المندب. وتكتسب الجزيرة أهمية استثنائية لأنها تقسم المضيق إلى ممرين بحريين، وتتيح من موقعها مراقبة حركة السفن العابرة.
وتشير التطورات الميدانية إلى أن الحوثيين وسعوا سيطرتهم على الساحل الغربي لليمن، بالتزامن مع السيطرة على مواقع وجزر أخرى في البحر الأحمر. وفي 10 سبتمبر، أفادت رويترز بأن الجماعة اقتربت من بسط نفوذها على المضيق، قبل أن تتوالى التطورات الميدانية خلال الأيام التالية.
وفي أحدث تطور، استولى الحوثيون على جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى، ما عزز قدرتهم على التحكم في مساحة أكبر من جنوب البحر الأحمر والممرات المؤدية إلى باب المندب.
لماذا يمثل باب المندب ورقة ضغط لإيران؟
القيمة الحقيقية لباب المندب لا ترتبط بالسيطرة على جزيرة أو ممر بحري فحسب، وإنما بالقدرة على تهديد الملاحة العالمية دون الحاجة إلى خوض مواجهة بحرية مباشرة مع الولايات المتحدة.
فالحوثيون يمتلكون صواريخ وطائرات مسيرة وقدرات بحرية تسمح لهم باستهداف السفن أو تهديدها، كما أن السيطرة على مواقع قريبة من المضيق تمنحهم مجالًا أكبر للمراقبة والاستهداف.
وبذلك تستطيع طهران، إذا استمر التصعيد، استخدام الجبهة اليمنية لفتح مسار ضغط إضافي على خصومها، خصوصًا السعودية والولايات المتحدة، في وقت تواجه فيه واشنطن أصلًا ضغوطًا عسكرية واقتصادية بسبب الحرب في إيران.
وتقول رويترز إن تقدم الحوثيين على الساحل اليمني للبحر الأحمر عزز نفوذ إيران وحلفائها على تدفقات التجارة والطاقة العالمية، كما وضع دول الخليج أمام خيارات صعبة مع ارتفاع تكلفة الاضطرابات النفطية.
النفط في قلب المعركة
يمثل النفط أحد أهم أسباب حساسية باب المندب. فقبل سنوات، كان نحو 10% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا يمر عبر المضيق، إلا أن حركة النفط تراجعت منذ ذلك الحين، بينما قد يؤدي استمرار الهجمات إلى مزيد من الانخفاض.
وتزداد المخاطر لأن الأزمة في باب المندب تأتي بالتزامن مع اضطراب مضيق هرمز وتعطل مسارات أخرى للطاقة في المنطقة.
وفي أحدث التطورات، تعرضت بنية النفط السعودية لضغوط إضافية، مع استمرار تعطل خط الأنابيب السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب، ما يزيد هشاشة منظومة تصدير النفط في المنطقة ويجعل أي اضطراب جديد في باب المندب أكثر تأثيرًا على الأسواق.
ولهذا ارتفعت أسعار النفط بقوة مع تصاعد المخاطر، في ظل مخاوف من أن يؤدي تعطيل أكثر من طريق رئيسي للطاقة في الوقت نفسه إلى صدمة جديدة في الإمدادات العالمية.
الحوثيون ليسوا مجرد أداة إيرانية
ورغم أن الدعم الإيراني للحوثيين واضح، فإن اختزال الجماعة في كونها مجرد ذراع تنفذ أوامر طهران قد يكون تبسيطًا للمشهد.
وتشير تحليلات نقلتها CNN إلى أن العلاقة بين إيران والحوثيين تقوم على تحالف وثيق، لكن للجماعة أيضًا حساباتها الخاصة، بما في ذلك صراعها مع السعودية ومحاولتها تعزيز موقعها العسكري والسياسي داخل اليمن والمنطقة.
ويرى محللون أن الحوثيين يستفيدون من الحرب الأوسع لإعادة فرض أنفسهم كقوة إقليمية مؤثرة، خصوصًا بعدما أصبحوا من أبرز الأطراف المنخرطة في الصراع الممتد من إيران إلى البحر الأحمر.
وبالتالي، فإن طهران تستفيد من قدرات الحوثيين، لكن الحوثيين بدورهم يستفيدون من حاجة إيران إليهم كورقة ضغط إقليمية.
أسلحة إيرانية.. وتهديد لا يحتاج إلى احتلال المضيق
تكشف المعلومات التي نقلتها CNN عن حجم التحدي العسكري. فقد عرضت قوات يمنية شحنة أسلحة قالت إنها إيرانية الصنع وصادرتها قبل وصولها إلى الحوثيين، وشملت صواريخ وأنظمة رادار بعيدة المدى ومحركات طائرات مسيرة ومعدات بصرية.
وتقول السلطات اليمنية إن الشحنة ليست سوى جزء من عمليات تهريب أكبر، وإن مهربين تحدثوا عن شحنات سابقة بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات.
لكن الأخطر أن الحوثيين لا يحتاجون بالضرورة إلى السيطرة الكاملة على كل شبر من باب المندب حتى يصبحوا قادرين على تهديد الملاحة؛ فمجرد امتلاك مواقع عسكرية قريبة من المضيق، إلى جانب الصواريخ والطائرات المسيرة والألغام البحرية المحتملة، يمكن أن يرفع تكلفة المرور ويجبر شركات الشحن على تغيير مساراتها.
هل تستطيع أمريكا حماية باب المندب؟
هنا تظهر المعضلة الأمريكية.
فواشنطن تواجه بالفعل حربًا واسعة مع إيران، بينما تعرضت القوات الأمريكية لضغوط كبيرة في المنطقة. وأي تدخل عسكري مباشر ضد الحوثيين قد يفتح جبهة جديدة، ويستهلك مزيدًا من الموارد والأسلحة، ويضع القوات الأمريكية في مواجهة تهديدات من أكثر من اتجاه.
وقد قال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إن واشنطن تتابع تحركات الحوثيين عن كثب، وتتواصل مع السعودية والإمارات وغيرها من الأطراف، كما أقر بوجود محادثات مباشرة مع الحوثيين.
وتكشف هذه الاتصالات أن واشنطن تحاول، على الأقل في الوقت الراهن، إدارة الأزمة دون الانزلاق إلى حرب جديدة واسعة في اليمن.
لكن رويترز أشارت إلى أن السعودية طلبت تدخلًا أمريكيًا مباشرًا ضد الحوثيين، بينما اكتفت واشنطن بمستوى محدود من الدعم، وهو ما يعكس حساسية فتح جبهة عسكرية إضافية في ظل الحرب مع إيران.
ورقة ضغط على ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي
لا تتوقف أهمية باب المندب عند الاقتصاد والطاقة؛ فالأزمة تحمل بعدًا سياسيًا أمريكيًا أيضًا.
أي ارتفاع كبير ومستمر في أسعار النفط سينعكس على البنزين والتضخم وتكاليف النقل والسلع داخل الولايات المتحدة، ما قد يزيد الضغوط على إدارة الرئيس دونالد ترامب، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
ولهذا فإن استخدام الحوثيين للمضيق كأداة ضغط يمنح إيران إمكانية التأثير في الاقتصاد العالمي والسياسة الأمريكية من خلال جبهة تقع على بعد آلاف الكيلومترات من أراضيها.
وهذه هي النقطة الأكثر حساسية في المشهد: إيران لا تحتاج إلى إغلاق باب المندب رسميًا حتى تستفيد منه كورقة ضغط؛ يكفي أن تجعل المرور عبره محفوفًا بالمخاطر حتى ترتفع تكلفة التجارة والطاقة عالميًا.
ماذا يعني سقوط باب المندب؟
إذا تمكن الحوثيون من تثبيت سيطرتهم على المواقع المحيطة بالمضيق والجزر الاستراتيجية فيه، فقد تتحول الأزمة من تهديد مؤقت للسفن إلى واقع جيوسياسي طويل الأمد.
فإغلاق أو تعطيل هرمز يضغط على صادرات الطاقة الخليجية، بينما تهديد باب المندب يضرب الطريق البحري الذي يربط الخليج وآسيا بأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
وهكذا قد تجد الأسواق العالمية نفسها أمام ممرين استراتيجيين معرضين للخطر في وقت واحد، وهو السيناريو الذي يرفع تكلفة الطاقة والتأمين والشحن، ويدفع السفن إلى طرق أطول وأكثر تكلفة.
ومن هنا تتحول جزيرة صغيرة مثل ميون إلى ورقة أكبر بكثير من مساحتها الجغرافية: موقعها يمنح من يسيطر عليها قدرة على التأثير في أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
وبذلك، يصبح باب المندب بالنسبة لإيران ورقة استراتيجية غير مباشرة: ضغط على السعودية، وتهديد لإمدادات النفط، وإرباك للتجارة العالمية، واستنزاف للولايات المتحدة، وكل ذلك عبر حليف محلي قادر على خوض المعركة دون دخول إيران في مواجهة بحرية مباشرة مع واشنطن.
والخطر الأكبر أن استمرار هذا الوضع قد يجعل السيطرة على باب المندب جزءًا من إعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، لا مجرد فصل جديد من الحرب اليمنية.



