أخبار دولية

الحصار الأمريكي يوقف ميناء جاسك الإيراني.. طريق بديل لمضيق هرمز يعود إلى الصفر

أدى الحصار البحري الأمريكي إلى توقف صادرات النفط الخام من ميناء جاسك الإيراني بشكل كامل خلال الأسبوع الأول من سبتمبر 2026، ليُحرم الميناء من أداء الدور الذي أنشأته طهران من أجله، وهو توفير مسار بديل لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، وفق بيانات تتبع الناقلات الصادرة عن شركة «كبلر».

وتشير بيانات «كبلر»، المتخصصة في معلومات أسواق الطاقة والسلع، إلى أن ميناء جاسك لم يشهد تحميل شحنات نفطية خلال الأشهر التي سبقت اندلاع الحرب، قبل أن تبدأ الصادرات منه في مارس بمتوسط بلغ 129 ألف برميل يوميًا.

وتراجعت الكميات في أبريل إلى نحو 63 ألف برميل يوميًا، ثم انخفضت إلى 54 ألف برميل يوميًا في مايو، قبل أن ترتفع إلى 91 ألف برميل يوميًا في يونيو، وهو الشهر الذي توصلت فيه إيران والولايات المتحدة إلى مذكرة تفاهم لوقف الصراع.

لكن صادرات جاسك بدأت في التراجع مجددًا، فوصل متوسطها إلى 76 ألف برميل يوميًا في يوليو، بالتزامن مع إعلان الولايات المتحدة إعادة فرض حصار بحري على إيران، ثم هبطت إلى 33 ألف برميل يوميًا خلال أغسطس، قبل أن تصل إلى الصفر في الأسبوع الأول من سبتمبر.

وتعكس هذه الأرقام تقدمًا في جهود واشنطن لاستخدام الضغط الاقتصادي في مواجهة طهران، بدلًا من الاعتماد على التصعيد العسكري وحده، إلا أن توقف الصادرات من جاسك لا يمثل دليلًا واضحًا على أن النظام الإيراني أصبح مستعدًا لتقديم تنازلات سياسية من أجل إنهاء الحرب.

وقال همايون فلكشاهي، رئيس تحليل أسواق النفط الخام في «كبلر»، إن محطة جاسك أُنشئت أساسًا للالتفاف على مضيق هرمز، باعتبارها مسارًا بديلًا محدودًا لميناء جزيرة خرج الواقع شمال الخليج العربي، والذي تعتمد عليه إيران في تصدير أكثر من 90% من شحناتها النفطية.

جاسك.. البديل المحدود لميناء خرج

استخدمت إيران ميناء جاسك للمرة الأولى عام 2024، عندما تعرضت لهجوم جوي إسرائيلي، ثم لجأت إليه مرة أخرى خلال حرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025، قبل أن تعود لاستخدامه عقب اندلاع الحرب الحالية في نهاية فبراير.

وبحسب فلكشاهي، فإن توقف حركة التصدير من ميناءي خرج وجاسك نتيجة الحصار البحري الأمريكي يعني أن صادرات النفط الإيرانية أصبحت عمليًا عند مستويات تقترب من الصفر.

ورغم أهمية جاسك الاستراتيجية، فإنه لا يستطيع أن يحل محل ميناء خرج بالكامل. وتبلغ الطاقة التصميمية للتحميل في جاسك نحو مليون برميل يوميًا، بينما تصل طاقة التحميل القصوى في خرج إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا، في حين كانت الشحنات الفعلية من خرج تبلغ قرابة 3.3 مليون برميل يوميًا قبل الحرب.

كما أن خط أنابيب النفط الذي ينقل الخام من منطقة غوره غربي إيران إلى ميناء جاسك لا يستطيع نقل أكثر من 500 ألف برميل يوميًا، وهو ما يعني أن المحطة تعمل عمليًا عند نصف طاقتها التصميمية حتى في حال توافر الخام وإمكانية تصديره.

حصار الموانئ واستهداف ناقلات النفط

ولا يعني عدم رصد تدفقات نفطية من جاسك بالضرورة أن كل عمليات نقل النفط الإيراني توقفت بصورة مطلقة، إذ أعلنت القيادة المركزية الأمريكية يوم السبت استهداف ثلاث ناقلات نفط خام إيرانية.

وشملت الضربات ناقلة كانت قبالة جزيرة خرج، وأخرى بالقرب من جاسك، إضافة إلى ناقلة فارغة في خليج عُمان، وقالت القيادة المركزية إن السفن المستهدفة كانت مرتبطة بما وصفته بـ«أسطول الظل» الذي يساهم في تمويل الحرس الثوري الإيراني.

وتبلغ حمولة الناقلة «ستارك 1»، التي تعرضت للاستهداف بالقرب من جاسك، نحو مليون برميل من النفط، وهو ما يعادل قرابة ربع إجمالي الكميات التي جرى تحميلها من الميناء خلال مارس، عندما سجلت صادرات جاسك أعلى مستوياتها عند 129 ألف برميل يوميًا.

وبالتالي، فإن نحو أربع شحنات بحجم حمولة «ستارك 1» كانت ستكفي تقريبًا لاستيعاب إجمالي صادرات جاسك خلال شهر مارس، وفق الأرقام الواردة في البيانات.

ويشير وجود ناقلات مرتبطة بما يسمى «أسطول الظل» بالقرب من الموانئ الإيرانية إلى احتمال استمرار سعي بعض الشحنات النفطية الإيرانية للوصول إلى الأسواق العالمية، ولو بكميات محدودة، فضلًا عن وجود كميات سبق تحميلها قبل فرض الحصار البحري وحتى قبل اندلاع الحرب.

وتُقدّر مخزونات النفط الإيراني الموجودة على ناقلات في المحيطين الهندي والهادئ بنحو 63 مليون برميل، وفق تقديرات «بلومبرغ» في مطلع يوليو، وكانت هذه الكميات موجهة بصورة أساسية إلى مصافي صينية مستقلة.

لكن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قدّر يوم السبت أن إيران لم يعد لديها سوى نحو 30 مليون برميل يمكن تصديرها إلى الصين، ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها طهران في قطاع النفط.

الغاز.. آخر ما تبقى من صادرات إيران

ومع تراجع صادرات النفط إلى مستويات شبه معدومة، أصبحت صادرات الغاز تمثل الجزء الأكبر من صادرات إيران الهيدروكربونية المتبقية، وتتمثل بصورة أساسية في الغاز المنقول عبر خطوط الأنابيب إلى تركيا والعراق، وفق فرانسيس بيران، الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس.

وتضع العقوبات الأمريكية التي تستهدف وقف التجارة الخارجية الإيرانية بشكل واسع أنقرة وبغداد أمام ضغوط متزايدة لتقليص أو وقف المدفوعات التي تحصل عليها طهران مقابل الغاز الإيراني.

لكن قدرة البلدين على الاستغناء عن الغاز الإيراني تختلف بشكل كبير.

فتركيا تمتلك مجموعة واسعة من البدائل، إذ تحصل على الغاز من روسيا وأذربيجان، إلى جانب واردات الغاز الطبيعي المسال التي تصل إليها عبر البحر، وهو ما يجعل تعويض الإمدادات الإيرانية أكثر سهولة نسبيًا.

أما العراق، فيواجه وضعًا أكثر تعقيدًا، إذ لا يدفع ثمن الغاز الإيراني عبر تحويلات مالية تقليدية، وإنما يستخدم زيت الوقود كوسيلة لتسوية قيمة الواردات، وهي الآلية نفسها التي تستهدفها العقوبات الأمريكية.

ورغم ذلك، لا يستطيع العراق الاستغناء بسهولة عن الغاز الإيراني، الذي يوفر ما يتراوح بين 30% و40% من احتياجات البلاد لتوليد الكهرباء.

ويمتلك العراق كميات كبيرة من الغاز المصاحب لإنتاج النفط في جنوب البلاد، إلا أن جزءًا كبيرًا منه لا يزال يُحرق بسبب نقص البنية التحتية اللازمة لمعالجته ونقله إلى محطات توليد الكهرباء.

وبذلك، أدت الضغوط الأمريكية والحصار البحري إلى إضعاف قدرة إيران على استخدام ميناء جاسك كمسار بديل لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، بعدما تراجعت صادرات الميناء من ذروة بلغت 129 ألف برميل يوميًا في مارس إلى الصفر خلال الأسبوع الأول من سبتمبر، في وقت تواجه فيه بقية صادرات الطاقة الإيرانية ضغوطًا متزايدة بسبب العقوبات والقيود على طرق التصدير والدفع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى