الأكراد بين رهانات واشنطن وتل أبيب وحسابات أنقرة وطهران

كتبت: هدير البحيري
في خضم التصعيد العسكري المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تعود إلى الواجهة مجددًا ورقة الجماعات الكردية المعارضة داخل إيران، كأحد السيناريوهات التي قد تلجأ إليها واشنطن لفتح جبهة ضغط داخلية على النظام الإيراني.
ففي وقت تتواصل فيه الضربات العسكرية وتتصاعد التوترات الإقليمية، كشفت تقارير إعلامية غربية عن مناقشات داخل دوائر القرار الأمريكية حول دعم جماعات كردية إيرانية مسلحة، بهدف استنزاف القوات الإيرانية وإشغالها في جبهة داخلية، ما قد يغير معادلات الصراع في المنطقة.
وبحسب تقرير لشبكة “سي إن إن”، فإن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تدرس تقديم دعم عسكري لجماعات كردية إيرانية معارضة، في خطوة قد تمهد لمشاركة تلك الجماعات في عمليات داخل الأراضي الإيرانية، خاصة في المناطق الغربية المحاذية لإقليم كردستان العراق.
وتنقل الشبكة عن مسؤول كردي إيراني رفيع قوله إن قوات كردية معارضة تستعد لاحتمال تنفيذ عملية برية داخل غرب إيران خلال الأيام المقبلة، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تحركات عسكرية وسياسية قد تعيد رسم خريطة المواجهة داخل البلاد.
الأكراد في إيران: معارضة تاريخية وصراع مستمر
يشكل الأكراد واحدة من أكبر القوميات غير الفارسية في إيران، إذ يقدر عددهم بين 8 و10 ملايين نسمة ويتمركزون أساسًا في المحافظات الغربية والشمالية الغربية.
ومنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، تشهد المناطق الكردية توترات متواصلة بين السلطات الإيرانية والجماعات المسلحة التي تطالب بمستويات مختلفة من الحكم الذاتي والحقوق السياسية والثقافية.
وتبرز في هذا السياق عدة تنظيمات مسلحة، أبرزها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، إلى جانب جماعات أخرى تتخذ من إقليم كردستان العراق قواعد خلفية لها، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية الوعرة للحدود المشتركة.
وفي السنوات الأخيرة، كثفت إيران عملياتها العسكرية ضد هذه الجماعات، حيث نفذ الحرس الثوري ضربات صاروخية وهجمات بطائرات مسيرة على مواقعها داخل الأراضي العراقية، متهمًا إياها بالسعي لزعزعة الاستقرار الداخلي.
وفي إطار أوسع، تضم إيران تركيبة سكانية متعددة الأعراق تشمل الأكراد الذين يشكلون نحو 10٪ من السكان، إلى جانب البلوش والعرب في الأحواز والأذريين وأقليات أصغر مثل الأرمن والآشوريين، ما يجعل أي تصاعد في النشاط الكردي المسلح داخل البلاد عاملًا قد يشجع أقليات أخرى على إعادة طرح مطالبها السياسية أو الثقافية، أو حتى الدفع نحو تحركات احتجاجية أو نزعات تمرد في مواجهة السلطة المركزية.
الأكراد في الاستراتيجية الأمريكية
تمثل الجماعات الكردية ورقة مهمة في حسابات القوى الدولية في الشرق الأوسط، خاصةً الولايات المتحدة التي نسجت علاقات وثيقة مع القوات الكردية في العراق وسوريا خلال العقدين الماضيين.
ويرى محللون أن واشنطن قد تعتبر الأكراد الإيرانيين أداة ضغط فعالة ضد طهران، عبر فتح جبهة داخلية تستنزف القدرات العسكرية والأمنية للنظام وتشتت قدراته بين الجبهات الخارجية والداخلية.
وتقوم هذه الفكرة إلى مبدأ إشغال القوات الإيرانية في صراع داخلي، بما يحد من قدرتها على إدارة الصراع الإقليمي أو الرد على الضغوط العسكرية والسياسية، ويتيح للقوى الأخرى استغلال الفراغ لتعزيز نفوذها.
الأكراد في العراق وسوريا
استخدمت الولايات المتحدة الجماعات الكردية كأداة استراتيجية في المنطقة، بدءًا من دعم الأكراد في العراق بعد حرب الخليج عام 1991، وصولًا إلى الاعتماد على القوات الكردية في سوريا ضد تنظيم داعش.
في كلا الحالتين، لعب الأكراد دور القوة المحلية على الأرض، مدعومين بضربات جوية ولوجستية أمريكية، ما ساهم في استنزاف خصوم واشنطن وتعزيز نفوذها الإقليمي.
وتشكل تجربة الأكراد العراقيين والسوريين نموذجًا يحتذى به في إدارة القوى غير الرسمية على الأرض، مع مراعاة الظروف السياسية والأمنية الخاصة بكل دولة.
إقليم كردستان.. نقطة الانطلاق المحتملة لمواجهة إيران
معظم الجماعات الكردية الإيرانية المسلحة تتمركز في مناطق حدودية داخل الإقليم، ما يجعل أي تحرك عسكري لها مرتبطًا بمدى استعداد سلطات الإقليم لغض الطرف عن استخدام أراضيه كنقطة انطلاق.
لكن هذا الخيار يضع حكومة الإقليم في موقف حساس، إذ تخشى أربيل من أن يؤدي انخراطها في صراع مباشر مع إيران إلى تعرضها لضغوط عسكرية واقتصادية كبيرة.
وقد سبق لإيران أن شنت ضربات صاروخية ومسيرة داخل الإقليم ضد مواقع قالت إنها تابعة لجماعات كردية إيرانية، ما يعكس استعدادها للتعامل بقوة مع أي تهديد ينطلق من تلك المناطق.
موقف تركيا: حساسية أنقرة تجاه أي قوة كردية
تعد تركيا، الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة داخل حلف الناتو، طرفًا أساسيًا في أي معادلة تتعلق بالجماعات الكردية في المنطقة.
وتتابع أنقرة عن كثب أي تحرك أمريكي قد يسهم في تعزيز قوة كردية مسلحة، خشية أن ينعكس ذلك على وحدة أراضيها أو يرفع مستوى النفوذ الكردي في دول الجوار مثل العراق وإيران.
هذا القلق يجعل إدارة المصالح التركية أكثر تعقيدًا، في ظل تشابك التحالفات وتضارب المصالح الإقليمية.
ونتيجة لذلك، تجد تركيا نفسها أمام معادلة حساسة تتطلب موازنة دقيقة بين أولوياتها الاستراتيجية وموقفها من الأكراد داخل حدودها وخارجها، ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي وتداخل حساباته.
الاستراتيجية الإسرائيلية: إضعاف طهران عبر الورقة الكردية
تظهر في الخلفية أيضًا الحسابات الإسرائيلية التي ترى في إضعاف إيران ضرورة أمنية عليا.
وتذهب بعض التقديرات إلى أن تشجيع تحركات كردية داخل إيران قد يخلق منطقة ضغط على طهران في شمال غرب البلاد، أو يحد من قدرتها على توجيه مواردها نحو الصراع مع إسرائيل.
كما أن انشغال إيران باضطرابات داخلية سيؤثر بطبيعة الحال على مستوى الدعم الذي تقدمه لحلفائها الإقليميين، من الميليشيات العراقية إلى حزب الله في لبنان، وهو ما تعتبره إسرائيل مكسبًا استراتيجيًا.
ويرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط فارس العلي أن استخدام الورقة الكردية الإيرانية في أي مواجهة أوسع مع طهران أصبح أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، سواء من حيث القدرات الميدانية أو تشابك الحسابات الإقليمية والدولية.
وقال العلي في حديث لـ”داي نيوز” إن الجماعات الكردية الإيرانية تمتلك قدرة تكتيكية على تنفيذ عمليات محدودة داخل العمق الإيراني، لكنها تفتقر إلى مقومات فتح جبهة واسعة أو مستدامة في ظل التفوق الأمني والعسكري للحرس الثوري.
ويشرح العلي أن هذه الجماعات، مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحزب الحياة الحرة الكردستاني وبعض فصائل كومله، تعتمد على شبكات محلية وخلايا صغيرة أكثر من اعتمادها على تشكيلات عسكرية كبيرة، ما يجعلها قادرة على تنفيذ هجمات نوعية أو عمليات كر وفر ضمن سقف عملياتي محدود.
إلا أن التحديات التي تواجهها كبيرة، أبرزها الاختراق الأمني من قبل الحرس الثوري، والجغرافيا المكشوفة رغم عمق الجبال، وغياب الحاضنة المسلحة الواسعة بين السكان. لذلك تبقى قدراتها محصورة في الإزعاج والاستنزاف المحلي، لا في تغيير موازين القوى داخل إيران.
وأضاف العلي أن العلاقة بين الأكراد الإيرانيين وإقليم كردستان تتسم بالتباين والحذر في الوقت نفسه. فالإقليم يستضيف مقار ومخيمات لعدد من الفصائل الكردية الإيرانية، لكنه يخضع لضغوط سياسية وأمنية واقتصادية من طهران وبغداد، ما يجعله حريصًا على عدم تحويل أراضيه إلى منصة حرب مفتوحة ضد إيران.
وقال العلي إن الإقليم يسعى إلى إدارة توازن دقيق: تجنب مواجهة مباشرة مع طهران بسبب هشاشة وضعه الداخلي واعتماده على المعابر والتجارة معها، وفي الوقت نفسه الحفاظ على خطوط التواصل مع واشنطن وعدم تقويض تطلعات الأكراد الإيرانيين.
لذلك قد يفرض قيودًا عملية على أي نشاط عسكري مباشر من أراضيه لتفادي ردود فعل إيرانية قاسية.
واشار العلي إلى أن أي دعم أمريكي واضح للأكراد الإيرانيين سيقابل بردود غير متكافئة من طهران قبل الذهاب إلى مواجهة مباشرة، تشمل تصعيد القصف الصاروخي والمسيرات على مقار الجماعات الكردية في العراق، والضغط على بغداد وأربيل لإغلاق هذه المقار، وتفعيل أوراق الميليشيات الموالية لإيران للضغط على الوجود الأمريكي.
ويرى أن احتمال توسع التصعيد ليشمل العراق قائم، لكن طهران تدرك أن مواجهة مفتوحة مع القوات الأمريكية قد تتحول إلى جبهة استنزاف طويلة، وإن كانت لن تتردد في استخدام العراق كساحة رسائل نارية إذا شعرت بأن الورقة الكردية تستخدم لتهديد أمنها الداخلي.
وأوضح العلي أن فشل استخدام الورقة الكردية قد يرتد على واشنطن سياسيًا وأمنيًا، عبر تعزيز سردية طهران حول استغلال الأقليات كأداة تفكيك وفوضى، وإضعاف ثقة الحلفاء المحليين، ودفع إيران إلى توسيع التصعيد عبر أذرعها الإقليمية، فضلًا عن تعزيز التنسيق الإيراني–التركي–الروسي في ملفات حساسة. وهذا يجعل الورقة الكردية قابلة للتحول من أداة ضغط إلى عبء استراتيجي.
ويرى العلي أن تصاعد النشاط الكردي قد يشكل عامل إلهام لبقية الأقليات الإيرانية، لكنه لا يعني بالضرورة اندماجًا تنظيميًا بينها، إذ لكل أقلية سياقها الخاص، مثل البلوش في الجنوب الشرقي والعرب في الأحواز والأذريون. ويشير إلى أن النظام الإيراني يعمل على منع أي تلاقٍ بين هذه المسارات عبر القمع الأمني والتنازلات الاقتصادية الموضعية والخطاب القومي–السيادي.
كما لفت إلى أن أي صراع كردي–إيراني واسع ستكون له تداعيات اقتصادية وإقليمية، أبرزها على تجارة النفط والطاقة وحركة الحدود مع العراق، حيث قد يرفع أي اضطراب أمني من المخاطر على الاستثمارات والبنية التحتية ويؤثر على التجارة ويزيد الضغط على الأسواق الإقليمية، إضافة إلى تأثيره على ثقة المستثمرين المحليين والدوليين في مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود.
ويرجح العلي أن مستقبل الدور الكردي الإيراني قد يتخذ واحدًا من ثلاثة مسارات رئيسية.
يتمثل الأول في سيناريو الاستنزاف المحدود، حيث يبقى النشاط الكردي محصورًا داخل شمال العراق مع استمرار الضربات الموضعية التي تنفذها طهران.
أما السيناريو الثاني فهو التصعيد المضبوط، وفيه تستغل بعض الفصائل أي فراغ أمني لتوسيع نطاق عملياتها، مقابل ردود إيرانية محسوبة لا تصل إلى مواجهة شاملة.
بينما يقوم السيناريو الثالث على الانكفاء والاحتواء، حيث ينجح النظام الإيراني في تقليص هامش حركة الجماعات الكردية والحد من قدرة واشنطن على استخدام الورقة الكردية كورقة ضغط فعالة.



