لبنان يطلق مشاورات الخطة الوطنية لحوكمة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين

أطلقت الحكومة اللبنانية، اليوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، مسار المشاورات بشأن الخطة الوطنية لحوكمة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بهدف إعادة تنظيم أوضاع المخيمات وتعزيز سلطة الدولة ومؤسساتها، من خلال معالجة الملفات الأمنية والقانونية والإنسانية والإدارية.
وتقوم الخطة على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل السيادة والأمن والقانون، والحقوق والخدمات والتنمية الإنسانية، إلى جانب الإدارة والحوكمة المؤسساتية. ومن المقرر تنفيذها تدريجيًا، بدءًا من تطبيق نماذج مصغرة في بعض المخيمات، وصولًا إلى تحقيق الحوكمة الكاملة.
وتتضمن الإجراءات المقترحة تسليم السلاح إلى الجيش اللبناني وإنهاء المظاهر المسلحة تدريجيًا، وإنشاء مخفر لقوى الأمن الداخلي داخل كل مخيم وفق مفهوم الشرطة المجتمعية، فضلًا عن تعزيز دور القضاء وتسليم المطلوبين.
وفي الوقت نفسه، تشمل الخطة معالجة ملفات الحقوق الإنسانية والخدمات والأوراق الثبوتية، وإجراء مسوحات اجتماعية وعمرانية، وإنشاء هيئة مختصة بإدارة المخيمات.
وجرى إطلاق المشاورات في السراي الحكومي بالعاصمة بيروت، برعاية رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وحضوره، وبمشاركة لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني برئاسة السفير رامز دمشقية، وممثلين عن الجانب الفلسطيني ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، إلى جانب سفارتي النرويج وسويسرا وعدد من الجهات اللبنانية والدولية.
الحقوق الفلسطينية ليست مقابلًا لتسليم السلاح
أكد رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، السفير رامز دمشقية، أن الخطة تستهدف معالجة أوضاع تراكمت على مدار عقود، موضحًا أن المخيمات أُنشئت في البداية باعتبار اللجوء مؤقتًا والعودة قريبة، لكن تعاقب الأجيال أدى إلى تزايد الاحتياجات الاجتماعية والعمرانية والاقتصادية.
وأشار إلى أن المسؤوليات توزعت بين مؤسسات الدولة والجهات الفلسطينية والمانحين، بينما ظلت المعالجات الإنسانية والمرحلية هي السائدة خلال الأزمات، دون وجود تنظيم مؤسساتي متكامل لعدد من الملفات المتعلقة بالإدارة وتطبيق القانون.
وأوضح دمشقية أن جذور الخطة تعود إلى مسار بدأ عام 2015، وأسفر في عام 2017 عن «الرؤية اللبنانية الموحدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان»، التي تضمنت تفاهمات بشأن السيادة ورفض التوطين وحق العودة وحقوق اللاجئين والسلاح وإدارة المخيمات.
وأضاف أن تحويل هذه التفاهمات إلى قوانين وسياسات وإجراءات ظل محدودًا، لافتًا إلى أن الخطة الجديدة تسعى إلى الانتقال من المبادئ العامة إلى تحديد المسؤوليات والصلاحيات وآليات التنسيق والمساءلة، مع مراعاة اختلاف أوضاع المخيمات واحتياجاتها.
وشدد على أن المخيمات تقع ضمن السيادة اللبنانية، وأن مسؤولية حفظ الأمن وتطبيق القانون تقع على عاتق مؤسسات الدولة، مؤكدًا أن مفهوم الحوكمة لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمتد إلى الإدارة والقضاء والخدمات والحقوق.
وقال دمشقية إن «الحقوق ليست ثمنًا لتسليم السلاح، كما أن حصرية السلاح ليست موضع مقايضة»، مشيرًا إلى أن اللجنة تعمل بالتوازي على إعداد مشروع قانون شامل لتنظيم الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين، بما يتضمن حقوق العمل والضمان الاجتماعي وسائر الحقوق والواجبات التي تتطلب تشريعات.
كما أوضح أن الخلط بين الحقوق والتوطين عرقل معالجة هذه الملفات لسنوات، مؤكدًا أن رفض التوطين يمثل موقفًا دستوريًا ووطنيًا لبنانيًا، ويتوافق مع تمسك الفلسطينيين بحق العودة وهويتهم الوطنية.
وأضاف أن حرمان الفلسطينيين من حقوقهم لا يحمي لبنان من التوطين، كما أن منحهم هذه الحقوق لا يؤدي إليه، مشددًا على أن التمسك بحق العودة لا يعني استمرار تعليق حياة اللاجئين حتى تحقيقه.
نواف سلام: مخيمات اللاجئين تخضع للقانون اللبناني
من جانبه، وضع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام الخطة ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز دور الدولة ومؤسساتها، مستندًا إلى اتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري، ومبدأ حصرية السلاح وامتلاك الدولة قرار الحرب والسلم.
وأشار سلام إلى القمة التي جمعت الرئيس اللبناني جوزاف عون والرئيس الفلسطيني محمود عباس في بيروت خلال مايو 2025، والتي أكدت احترام السيادة اللبنانية وحصرية السلاح، بالتوازي مع العمل على تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين.
وأوضح أن مجلس الوزراء كلف الجيش، في 5 أغسطس 2025، إعداد خطة تطبيقية لحصر السلاح بيد الدولة، لافتًا إلى بدء خطوات لمعالجة ملف السلاح الفلسطيني بالتعاون مع القيادة الفلسطينية.
وأكد سلام أن المخيمات تقع ضمن السيادة اللبنانية وتخضع للقانون، وأن المرحلة المقبلة تتطلب جعل حضور مؤسسات الدولة داخلها واضحًا ومنتظمًا.
وفي السياق ذاته، جدد تمسك لبنان بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لما تبقى من أراضيه ووقف الاعتداءات، وتأمين عودة السكان إلى قراهم وبلداتهم، إلى جانب إعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحرب.
وشدد على أن معالجة أوضاع المخيمات تحتاج إلى رؤية شاملة لا تقتصر على الملف الأمني، بل تشمل سيادة القانون وانتظام عمل المؤسسات، وتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والخدماتية.
واعتبر أن تنظيم أوضاع المخيمات وتحسين مستوى معيشة سكانها يحققان مصلحة لبنانية أيضًا، في ظل انعكاس تراجع الخدمات وتدهور الأوضاع الأمنية والاجتماعية على البلدات والمدن المجاورة، وزيادة الأعباء على مؤسسات الدولة والبلديات.
أونروا: الخطة خطوة تاريخية طال انتظارها
من جانبها، رحبت مديرة شؤون وكالة «أونروا» في لبنان، الدكتورة دوروثي كلاوس، بإطلاق الخطة الوطنية، ووصفتها بأنها «خطوة تاريخية طال انتظارها».
وقالت إن المخيمات الفلسطينية الاثني عشر في لبنان تضم نحو 230 ألف لاجئ فلسطيني، يمثلون قرابة نصف عدد اللاجئين في البلاد، وينتمون إلى أربعة أجيال تعاقبت على مدار ثمانية عقود.
وأوضحت أن المخيمات تحولت إلى أحياء حضرية مكتظة ومعقدة، يعيش فيها أيضًا لبنانيون وسوريون، ولها نشاطها الاقتصادي الخاص.
وحددت كلاوس أبرز التحديات التي تواجه المخيمات في انتشار السلاح وضعف إنفاذ القانون وصعوبة الوصول إلى العدالة، إلى جانب ضعف الإدارة وتراجع الخدمات الأساسية، فضلًا عن استمرار القيود المفروضة على مزاولة الفلسطينيين بعض المهن وتملك العقارات.
وأضافت أن الخطة تستهدف الانتقال من الوضع غير الرسمي القائم إلى نظام حوكمة رسمي تحت سيادة الدولة اللبنانية، بما يسهم في تحسين الأمن وتطبيق القانون وتوسيع فرص العمل، معتبرة أن ذلك يحقق مصلحة الفلسطينيين واللبنانيين على حد سواء.
وأشارت إلى أن وكالة «أونروا» تعمل في لبنان منذ عام 1954، واضطرت خلال العقود الماضية إلى أداء مهام تتجاوز تفويضها الأصلي نتيجة غياب الحوكمة الرسمية داخل المخيمات.
وأكدت أن الوكالة ترحب بالعودة إلى التركيز على مهامها الأساسية في مجالات التعليم والصحة والإغاثة، مع تقديم الدعم لمسار الحوكمة الجديد.



