اقتصاد وتكنولوجيا

تحقيق يكشف توظيف الإعلانات لاختراق الأجهزة دون نقرة.. شركة إسرائيلية تربط منصات التسويق ببرمجيات التجسس

كشف تقرير صادر عن مختبر «Citizen Lab» التابع لجامعة تورنتو عن استخدام شركة الإعلانات الإسرائيلية «Discover-Tech» في تمكين جهات مرتبطة ببرمجيات التجسس الحكومية من استهداف أجهزة وأشخاص عبر الإعلانات الرقمية، باستخدام هجمات لا تتطلب من الضحية الضغط على رابط أو فتح رسالة.

ونُشر التقرير في 15 أكتوبر 2026، موضحًا أن الشركة، التي تقدم خدمات إعلانية، أتاحت بنية تقنية يمكن استغلالها لتوصيل شيفرات خبيثة إلى أجهزة مستهدفة، بما يجعل الإعلانات الرقمية المحتملة وسيلة للاختراق بدلًا من اقتصار دورها على الترويج للمنتجات والخدمات.

هجمات تجسس لا تحتاج إلى أي تفاعل من الضحية

بحسب التقرير، استخدمت شركتان على الأقل مرتبطتان بصناعة برمجيات التجسس، هما «Candiru» و«Bindecy»، منصة «Discover-Tech» لاستهداف أشخاص وأجهزة عبر هجمات تُعرف باسم «Zero-Click»، أي الهجمات التي لا تتطلب من المستخدم النقر على إعلان أو فتح رابط لتنفيذ الاختراق.

وأطلق الباحثون على التقنية المستخدمة اسم «AdFection»، مشيرين إلى أنها استُخدمت لاستهداف صحفيين وموظفين في مؤسسات مختلفة، إلى جانب مسؤولين وموظفين مرتبطين بجهات دولية وشركات تقنية، من بينها حلف شمال الأطلسي والمفوضية الأوروبية وشركتا «NVIDIA» و«Arm».

ولم يحدد التحقيق الحكومات التي تقف وراء هذه العمليات، لكنه أشار إلى أن النتائج تقدم دليلًا تقنيًا على استخدام الإعلانات عبر الإنترنت في تنفيذ هجمات تجسس حكومية لا تتطلب تفاعلًا من المستهدف.

وقال بيل مارتشاك، الباحث الأول في «Citizen Lab»، إن الباحثين كانوا يتحدثون منذ فترة عن إمكانية توظيف الإعلانات لاستهداف أجهزة محددة واختراقها تلقائيًا، لكن التحقيق أتاح أدلة ملموسة على حدوث ذلك بالفعل.

أجهزة داخل شبكة الجزيرة ضمن الأهداف

ومن أبرز الوقائع التي رصدها التحقيق، تعرض ما لا يقل عن 45 جهاز كمبيوتر يعمل بنظام «Windows» داخل شبكة الجزيرة الإعلامية للاختراق على ما يبدو خلال عامي 2024 و2025، باستخدام برمجية «Candiru»، بعد تعرض الأجهزة لإعلانات محملة بشيفرات خبيثة.

وأشار التقرير إلى أن الهجمات استهدفت صحفيين وموظفين، في حين لم تتضح بصورة نهائية جميع الجهات التي تقف وراء العمليات أو نطاق الأضرار الناتجة عنها.

وتثير هذه الواقعة مخاوف خاصة بشأن سلامة المؤسسات الإعلامية، التي قد تضم أجهزتها معلومات حساسة ومصادر صحفية واتصالات مهنية، ما يجعل استهدافها عبر الإعلانات وسيلة محتملة للوصول إلى بيانات يصعب الحصول عليها بطرق أخرى.

كيف كشف الباحثون آلية عمل المنصة؟

تمكن فريق التحقيق من إعادة بناء أجزاء من لوحة التحكم الخاصة بمنصة «Controlium» التابعة للشركة، بعدما عثر على أجزاء من الشيفرة المصدرية مكشوفة في صفحات تسجيل الدخول، ما أتاح فحص بعض وظائف النظام دون الحاجة إلى تسجيل الدخول.

وبحسب الباحثين، بدت اللوحة مصممة بما يسمح بتوجيه محتوى إلى مستخدمين محددين، إلى جانب الوظائف الإعلانية المعتادة.

كما عثر الفريق على سجلات دخول مكشوفة لمستخدمي المنصة، تضمنت بيانات مرتبطة بموظفين اثنين على الأقل من شركة «Candiru»، وأخرى مرتبطة بشركة «Bindecy».

وقدم هذا الاكتشاف، وفق التقرير، مؤشرات إضافية على الصلة بين منصة الإعلانات والبنية المستخدمة في عمليات التجسس.

مئات الملايين من الإعلانات على مواقع وتطبيقات واسعة الانتشار

كشف تحليل سجلات المزايدة الإعلانية المتاحة عن ظهور إعلانات «Discover-Tech» في عشرات الآلاف من المواقع والتطبيقات خلال الفترة من مارس إلى يونيو 2026.

وبحسب البيانات التي أوردها التحقيق، عرضت الشركة نحو 442 مليون إعلان على أكثر من 120 ألف موقع، من بينها مواقع إخبارية مثل «BBC» و«The New York Times»، إلى جانب تطبيقات شهيرة، بينها «Duolingo» و«Badoo» و«Grindr».

كما رصد الباحثون إعلانات على أجهزة مستخدمة داخل شبكات مرتبطة بجيوش وحكومات وبنى تحتية حيوية ووكالات أمن سيبراني وطنية.

لكن التقرير لم يثبت أن جميع هذه الإعلانات أدت إلى اختراق الأجهزة التي ظهرت عليها؛ فوجود الإعلان ضمن السجلات لا يعني بالضرورة وقوع إصابة فعلية.

وفي سياق التحقيق نفسه، قالت منصة «Confiant»، التي شاركت في البحث، إنها عثرت على أدلة تشير إلى ظهور إعلانات يحتمل أن تكون خبيثة على أجهزة داخل شبكات الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمحكمة الجنائية الدولية.

جوجل تحظر الشركة من منصاتها الإعلانية

أعلنت شركة «Google» حظر «Discover-Tech» من منصاتها الإعلانية، موضحة أن القرار جاء بعد تحقيق مشترك مع «Citizen Lab» و«Confiant»، بسبب ما وصفته بانتهاكات منهجية لسياساتها.

ويبرز هذا الإجراء أهمية مراقبة سلاسل الإعلانات الرقمية، إذ قد تمر الإعلانات عبر وسطاء ومنصات متعددة قبل وصولها إلى المستخدم النهائي، وهو ما قد يجعل اكتشاف المحتوى الخبيث ومنع انتشاره تحديًا تقنيًا وأمنيًا.

ولم ترد شركة «Discover-Tech» أو شبكة الجزيرة الإعلامية على طلبات التعليق الواردة في التقرير، كما تعذر الوصول إلى شركة «Integrity Labs»، المطورة لبرمجية «Candiru»، وفقًا للمعلومات المنشورة.

تحذيرات من مخاطر تتجاوز شركة واحدة

أعاد التحقيق تسليط الضوء على المخاطر المرتبطة بصناعة برمجيات التجسس التجارية، التي سبق أن ارتبطت بحوادث استهداف ناشطين وصحفيين وشخصيات عامة، فضلًا عن استغلال ثغرات أمنية في تطبيقات وأجهزة مختلفة.

وحذر مارتشاك من أن القضية قد تمثل جزءًا من مشكلة أوسع في توظيف البنية الإعلانية لاستهداف الأشخاص، داعيًا الفئات الأكثر عرضة للمراقبة بسبب هويتها أو طبيعة عملها إلى تقليل تتبع الإعلانات واستخدام وسائل الحماية المناسبة.

وتوضح نتائج التحقيق أن الإعلانات الرقمية لا تشكل خطرًا لمجرد ظهورها على المواقع والتطبيقات، لكنها قد تتحول، في ظروف محددة، إلى قناة لتوصيل برمجيات خبيثة واستهداف أجهزة بعينها. لذلك، تبرز أهمية تحديث أنظمة التشغيل والمتصفحات، وتقييد التتبع الإعلاني، واستخدام أدوات حظر الإعلانات الموثوقة، خصوصًا لدى الصحفيين والعاملين في المؤسسات الحساسة.

ومع ذلك، تظل تفاصيل بعض الهجمات والجهات التي تقف وراءها غير محسومة، كما لا يمكن اعتبار كل جهاز ظهرت عليه إعلانات الشركة جهازًا مخترقًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى