إيران وروسيا تحت مجهر الاستخبارات البريطانية.. ما طبيعة التهديدات؟

حذر رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية البريطانية «إم آي 5»، كين مكالوم، من تطور طبيعة التهديدات المرتبطة بإيران، مشيرًا إلى أن طهران تسعى إلى استهداف مواقع أكثر تحصينًا، مثل القواعد العسكرية والمنشآت الاستخباراتية، بدلًا من الاقتصار على عمليات التخريب والهجمات المحدودة، وفقًا لما نقلته صحيفة «تليجراف» البريطانية.
وأوضح مكالوم، في خطابه السنوي بشأن التهديدات الأمنية، أن الاشتباه في مخطط لاستهداف قاعدة فيرفورد الجوية البريطانية، التي تستخدمها قاذفات أمريكية، لا يمثل حالة منفردة، لافتًا إلى ظهور تهديدات مماثلة في مواقع أخرى حول العالم، خصوصًا في الشرق الأوسط.
تحقيقات في مخطط استهداف قاعدة فيرفورد
أثار الاشتباه في مخطط لاستهداف قاعدة فيرفورد، في 27 سبتمبر، مخاوف أمنية دفعت إلى إجلاء نحو 12 قاذفة أمريكية من طراز «بي-1». وألقت السلطات القبض على سبعة مشتبه بهم على الأقل، بينهم خمسة بريطانيين أوقفوا بالقرب من القاعدة، قبل الإفراج عنهم في اليوم التالي.
وذكرت الشرطة أنها لم تعثر على متفجرات أو أسلحة داخل الشاحنات التي استخدمها المشتبه بهم، بل وجدت عبوات وقود. ولا تزال شرطة مكافحة الإرهاب تحقق في القضية، دون إعلان أدلة تشير إلى أن القاعدة كانت تواجه خطرًا وشيكًا.
أكثر من 50 اعتقالًا في قضايا مرتبطة بإيران
كشف مكالوم عن تنفيذ أكثر من 50 عملية اعتقال في بريطانيا خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، ضمن تحقيقات مرتبطة بإيران. وقال إن طهران اعتمدت في السنوات الأخيرة على تجنيد أشخاص من الأوساط الإجرامية عبر الإنترنت لتنفيذ عمليات تخريب وحرق وطعن، استهدف بعضها مجتمعات يهودية.
وأضاف أن تشديد إجراءات المراقبة دفع إيران إلى الاعتماد على وسطاء إجراميين، مشيرًا إلى أن قدراتها خارج الشرق الأوسط لا تزال محدودة. في المقابل، تنفي طهران ارتباطها بالمخططات التي تتهمها السلطات الغربية بالوقوف وراءها.
روسيا ومحاولات التأثير في استفتاء بريكست
وفي سياق آخر، تحدث رئيس «إم آي 5» عن محاولات روسية للتأثير في استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، من خلال التغطية الإعلامية والحسابات المزيفة على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا «إكس».
وأشار إلى أن قناتي «آر تي» و«سبوتنيك» الروسيتين الناطقتين بالإنجليزية نشرتا خلال فترة الاستفتاء تقارير ركزت على الهجرة ومناهضة الاتحاد الأوروبي، فيما حاولت حسابات مزيفة التأثير في الناخبين. لكنه أكد أن هذه الأساليب لم تكن متطورة أو ناجحة بصورة ملحوظة، مشددًا على ضرورة الفصل بين محاولات التدخل والنتائج التي تحققت فعليًا.
ووفقًا لمجموعة «89 أب» المعنية بالحملات الرقمية، نشرت القناتان 261 مقالًا بشأن الهجرة والقضايا المناهضة للاتحاد الأوروبي، وصفت المجموعة معظمها بأنها مضللة، وقدرت أن المقالات حققت نحو 134 مليون ظهور محتمل للصفحات. كما أشارت دراسات أخرى إلى وجود حسابات روسية مرتبطة بالدولة نشرت محتوى عن الاستفتاء، مع اختلاف التقديرات بشأن حجم هذه الأنشطة.
الحكومة البريطانية: لا دليل على تغيير نتيجة الاستفتاء
أكدت رئاسة الوزراء البريطانية أن التدخل الروسي في الانتخابات العامة عام 2019 ثبت وقوعه، معتبرة أنه من غير المتصور ألا تكون موسكو قد حاولت التأثير في استفتاء عام 2016. لكنها شددت على أن الحكومة لا تعتقد أن تلك المحاولات أثرت في نتيجة التصويت.
وكانت تصريحات بشأن تلقي تأكيدات بوقوع تدخل روسي قد أثارت جدلًا حول شرعية نتيجة بريكست، قبل التراجع عن أي إيحاء بأن الاستفتاء غير شرعي.
محاولات التدخل لا تثبت تغيير سلوك الناخبين
تسلط القضية الضوء على صعوبة تقييم التدخلات الرقمية في الحياة السياسية؛ إذ إن إثبات محاولة التأثير لا يعني بالضرورة إثبات تغيير اختيارات الناخبين أو نتائج الانتخابات.
وقد تسهم هذه الأنشطة في تضخيم القضايا الخلافية وتعميق الاستقطاب وإضعاف الثقة بالمؤسسات، حتى عندما يتعذر تحديد أثرها المباشر.
وفي المقابل، حذر مكالوم من أن استمرار الجدل بشأن التدخل الروسي دون أدلة جديدة على حجم تأثيره قد يمنح الكرملين مكسبًا غير مباشر، عبر إبقاء المجتمع البريطاني منقسمًا حول أحد أبرز قراراته السياسية.
ويتمثل التحدي أمام السلطات البريطانية في كشف محاولات التدخل ومحاسبة المسؤولين عنها، مع تجنب اعتبار مجرد وقوعها دليلًا على أنها حسمت نتيجة الاستفتاء.



