مقالات

التصعيد بين باكستان وأفغانستان.. ماذا بعد هجوم كوهات؟

بقلم: د. ريم أبوالخير

عاد التصعيد بين باكستان وأفغانستان إلى الواجهة بعد أشهر من الهدوء الحذر، وأسقط اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في مارس الماضي. وتمتد الحدود بين البلدين أكثر من 2600 كيلومتر، وقد عجزت التهدئات المؤقتة عن معالجة الأزمة الأمنية العميقة التي تحكمها؛ فانهارت التفاهمات الميدانية عند أول اختبار دموي.

ماذا جرى في هجوم كوهات؟

استهدف هجوم انتحاري مقرًّا لقيادة الشرطة ومسجدًا داخله في مدينة كوهات بإقليم خيبر بختونخوا، شمال غربي باكستان، في 18 سبتمبر 2026. وأسفر الهجوم عن مقتل 31 شخصًا على الأقل، بينهم 16 شرطيًا، وإصابة أكثر من 100 آخرين. وقتلت القوات الأمنية 6 مسلحين حاولوا اقتحام المقر، كما قتلت 10 آخرين في عمليات استباقية سبقت التفجير. واستمرت المواجهة نحو 20 ساعة.

كيف ردّت إسلام آباد؟

شنّ سلاح الجو الباكستاني ضربات مكثفة، وأعلنت إسلام آباد تدمير ثلاثة أهداف ومعسكرات حدودية ومقتل 28 مسلحًا. ثم وسّع سلاح الجو ضرباته لتطال 10 مواقع داخل الأراضي الأفغانية، وأكد أنها كانت تُستخدم لإطلاق الطائرات المسيّرة وتخزينها.

ماذا تقول كابل؟

نفت حكومة طالبان وجود معسكرات مسلحة في المواقع المستهدفة، وقال نائب المتحدث باسمها حمد الله فطرت إن الغارات دمّرت منازل ومتاجر في ولايتي كونر وباكتيكا. وأكدت بعثة الأمم المتحدة (يوناما) مقتل 3 مدنيين وإصابة 4 آخرين. ووصفت كابل الضربات بأنها «تكرار للجرائم»، ورأت فيها محاولة لصرف الأنظار عن الإخفاقات الأمنية الداخلية للجيش الباكستاني.

وتصاعد الموقف بعد ذلك؛ إذ أطلقت القوات التابعة لطالبان 8 طائرات مسيّرة وقصفت مواقع حدودية باكستانية عقب إحباط محاولة تسلل. ثم أعلنت إسلام آباد إحباط هجوم في منطقة غوليستان الحدودية ومقتل عدد من عناصر طالبان الأفغانية، وسط تبادل متقطع لإطلاق النار وحالة استنفار قصوى.

ماذا سبق التصعيد الحالي؟

شهدت أواخر فبراير جولة قتال دموية امتدت أسابيع ووصلت إلى قندهار وكابل، وتسببت، بحسب يوناما، في مقتل مئات المدنيين الأفغان.

أسفرت وساطات إقليمية عن اتفاق لوقف إطلاق النار في مارس، لكنه ترك الملفات الجوهرية بلا حلول سياسية أو أمنية ملزمة.

تجددت الاشتباكات والضربات الجوية في أواخر يونيو، وخلّفت عشرات الضحايا المدنيين، ثم ساد هدوء حذر حتى وقع هجوم كوهات.

لماذا يتجدد الصراع؟

مخاوف باكستان: تتهم إسلام آباد كابل بمنح حركة «طالبان باكستان» (TTP) ملاذات آمنة، وتعدّ هجمات الحركة المتزايدة في خيبر بختونخوا وبلوشستان تهديدًا وجوديًا.

موقف كابل: ترفض حكومة طالبان استخدام أراضيها ضد الجوار، وتعدّ الغارات انتهاكًا لسيادتها، وتتهم إسلام آباد بإيواء جماعات معادية لها.

خط ديورند: يخيّم النزاع التاريخي على هذا الخط، ومعه التحصينات والأسلاك الشائكة التي تقيمها باكستان، على كل احتكاك بين حرس الحدود ومسلحي القبائل.

كيف يمتد الضغط إلى الاقتصاد؟

يتوقف معبرا طورخم وسبين بولداك، شريان الاقتصاد الأفغاني، فور أي مواجهة؛ فتتعطل حركة البضائع وتتكبد التجارة البينية خسائر باهظة. وتلوّح إسلام آباد بورقة الترحيل الجماعي لمئات الآلاف من الأفغان غير النظاميين، وتراها كابل محاولة لفرض إملاءات سياسية وأمنية عبر الضغط الاجتماعي.

ما السيناريوهات المتوقعة؟

يستمر الاستنزاف (الأرجح): تتواصل هجمات المسلحين، وتقابلها غارات باكستانية محددة وردود مدفعية أفغانية، ثم يتدخل وسطاء لفتح المعابر وإعادة ضبط التهدئة دون معالجة جذور الخلاف.

تنزلق الدولتان إلى مواجهة أوسع: إذا تكررت هجمات نوعية بحجم هجوم كوهات، قد تندفع المؤسسة العسكرية الباكستانية إلى توغل بري أو توسيع القصف الجوي، فتُجَرّ الدولتان إلى حرب شاملة.

يُفعَّل تنسيق استخباراتي بإشراف دولي: تُقام آليات رصد إقليمية مشتركة تُبعد مسلحي «طالبان باكستان» عن الشريط الحدودي، مقابل احترام إسلام آباد للسيادة الأفغانية وتقديمها تسهيلات تجارية لكابل.

تثبت التطورات الأخيرة أن وقف إطلاق النار لن يصمد ما لم تُعالج المسألة الأمنية من جذورها؛ فبين إصرار إسلام آباد على تفكيك معاقل «طالبان باكستان» وتمسك كابل برفض انتهاك أجوائها وأراضيها، يبقى الاستقرار الحدودي رهنًا بأي خرق أمني جديد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى