أوروبا تتحرك لمواجهة تصاعد الهجمات الهجينة الروسية.. آلية طوارئ أوروبية لتنسيق الرد

تعمل الدول الأوروبية على تعزيز تعاونها الأمني لمواجهة ما تصفه بـ«الهجمات الهجينة» المنسوبة إلى روسيا، والتي تشمل أنشطة متنوعة مثل الهجمات السيبرانية، واستخدام الطائرات المسيّرة، وأعمال التخريب، وحملات التضليل، وسط مخاوف أوروبية من اتساع نطاق هذه التهديدات واختبار قدرة الدول على التعامل معها بشكل جماعي.
وفي أحدث التحركات، يناقش الاتحاد الأوروبي إنشاء آلية طوارئ تتيح للدول الأعضاء التشاور بصورة سريعة وتنسيق ردودها عند وقوع هجمات أو حوادث ذات طبيعة هجينة.
ويأتي هذا التحرك بعد عدد من الوقائع التي أثارت مخاوف داخل أوروبا، من بينها حادثة مطار لايبزيغ في ألمانيا، التي اتهمت برلين روسيا بالوقوف وراءها، إلى جانب حوادث أخرى مرتبطة بالطائرات المسيّرة وأعمال تخريب استهدفت بنية تحتية في دول أوروبية.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن التعامل مع هذه التهديدات يزداد تعقيدًا لأنها لا تصل في كثير من الأحيان إلى مستوى الهجوم العسكري المباشر، ما يجعل وجود آلية مشتركة لتبادل المعلومات واتخاذ القرارات أمرًا أكثر أهمية.
آلية أوروبية مستوحاة من المادة الرابعة للناتو
اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إنشاء آلية طوارئ تستلهم فكرة المادة الرابعة من حلف شمال الأطلسي، بحيث تستطيع أي دولة عضو تعتبر نفسها مهددة الدعوة إلى مشاورات عاجلة مع بقية الدول وتنسيق استجابة أوروبية مشتركة.
ولا تعني المادة الرابعة في حلف الناتو اللجوء التلقائي إلى القوة العسكرية، وإنما تمنح الدول الأعضاء إمكانية طلب التشاور عندما ترى أن أمنها أو سلامة أراضيها أو استقلالها السياسي معرض للخطر.
ويطرح المقترح الأوروبي تساؤلات بشأن طبيعة التنسيق بين الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، خاصة أن الحلف يمتلك بالفعل آليات للتعامل مع التهديدات الهجينة.
وأكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن الهدف لا يتمثل في إنشاء منظومة بديلة للناتو، وإنما في ضمان عمل الآليات الأوروبية والأطلسية بصورة متكاملة ومنسقة.
كما أبدت دول ليست أعضاء في الناتو، من بينها أيرلندا، دعمها لفكرة تعزيز التنسيق الأوروبي في مواجهة هذه التهديدات، مع مراعاة القيود الدستورية الخاصة بكل دولة.
تحذيرات من تصعيد روسي
يتزامن التحرك الأوروبي مع تحذيرات صادرة عن جهاز الاستخبارات العسكرية الدنماركية بشأن احتمال زيادة روسيا أنشطتها الهجينة ضد أهداف غربية.
وتشمل المخاطر التي جرى التحذير منها هجمات إلكترونية يمكن أن تؤثر في الخدمات الأساسية، إلى جانب عمليات تخريب تستهدف منشآت أو بنية تحتية حيوية.
وفي تقييم حديث، خلصت الاستخبارات الدنماركية إلى أن احتمال شن روسيا هجومًا عسكريًا على دولة عضو في حلف الناتو لا يزال محدودًا، لكنها أشارت إلى إمكانية ارتفاع مستوى الخطر في ظروف معينة.
من جانبه، يؤكد حلف الناتو امتلاكه خيارات للتعامل مع الهجمات الهجينة بمختلف أشكالها، فيما يواصل أمينه العام مارك روته الدعوة إلى استمرار دعم أوكرانيا.
وقال روته إن الحلف مستعد للتعامل مع الهجمات السيبرانية وغيرها من أشكال الحرب الهجينة، معتبرًا أن استمرار تقديم المساعدات إلى كييف يمثل أحد عناصر التعامل مع الضغوط الروسية.
استهداف البنية التحتية والرأي العام
ويرى مسؤولون أوروبيون أن الهجمات الهجينة لا تستهدف فقط المنشآت الحيوية، وإنما قد تهدف أيضًا إلى التأثير في الرأي العام ونشر الشعور بعدم الأمان.
وقد يؤدي ذلك، بحسب هذه التقديرات، إلى إضعاف التأييد الشعبي لاستمرار تقديم الدعم لأوكرانيا، وهو ما يجعل حماية البنية التحتية الحيوية والمطارات وشبكات الاتصالات والطاقة جزءًا متزايد الأهمية من الاستراتيجية الأمنية الأوروبية.
ولا يتمثل التحدي أمام الاتحاد الأوروبي في التعامل مع حادث منفرد فحسب، بل في تحديد اللحظة التي تتحول فيها سلسلة من الحوادث والهجمات المحدودة إلى تهديد أوسع يتطلب استجابة جماعية.
ومن شأن إنشاء آلية طوارئ مشتركة أن يوفر للدول الأوروبية إطارًا أسرع لتبادل المعلومات وتنسيق الإجراءات واتخاذ مواقف مشتركة قبل تفاقم أي أزمة وخروجها عن نطاق السيطرة.
وتعكس هذه التطورات تغيرًا تدريجيًا في مفهوم الأمن الأوروبي، إذ لم يعد الخطر مرتبطًا فقط باحتمال وقوع هجوم عسكري تقليدي، بل أصبح يشمل أيضًا الهجمات السيبرانية، والطائرات المسيّرة، والتخريب، وتعطيل البنية التحتية، والتضليل.
ومع تكرار هذه الحوادث، تتجه أوروبا إلى تطوير آليات أكثر تنسيقًا بهدف تعزيز قدرتها على الاستجابة والردع أمام التهديدات الهجينة.



