اقتصاد وتكنولوجيا

بعد نجاحها القتالي.. لماذا لم تتحول J-10CE الصينية إلى صفقات عالمية؟

شهدت المقاتلة الصينية J-10CE خلال العامين الماضيين اهتمامًا دوليا متزايدا، خصوصًا بعد الحديث عن تحقيقها أول انتصار جوي معلن في قتال فعلي خلال مايو 2025، إلى جانب امتلاكها راد،ار من طراز AESA وقدرات الاشتباك مع أهداف خارج مدى الرؤية، فضلا عن إمكانات الحرب الإلكترونية.

ورغم ذلك، فإن زيادة الاهتمام المقاتلة لم تتحول تلقائيا إلى موجة من العقود الجديدة، وهو ما يرتبط بطبيعة سوق الطائرات المقاتلة، الذي يعتمد على اعتبارات تتجاوز الأداء والسعر.

وتشير تقارير مختلفة إلى أن بعض الدول أبدت اهتمامًا بـJ-10 ثم لم تعلن عن إتمام صفقات، لكن وصف جميع هذه الحالات بأنها «صفقات ملغاة» قد لا يكون دقيقة، إذ إن بعضها كان في مراحل التقييم أو المشاورات أو المفاوضات الأولية، بينما استند بعضها الآخر إلى تقارير إعلامية غير مؤكدة.

إندونيسيا نموذج على تعقيد القرار

في يونيو 2025، أعلنت إندونيسيا أنها تدرس إمكانية الحصول على J-10، مع بحث عوامل تتعلق بالأداء والسعر والتوافق مع المعدات الموجودة لديها، إلى جانب خدمات ما بعد البيع وشروط التعاقد.

وفي أكتوبر من العام نفسه، طرحت أسئلة على الجانب الصيني بشأن تقارير تحدثت عن تأكيد إندونيسيا شراء المقاتلة، إلا أنه لم يتم الإعلان عن عقد رسمي أو عدد محدد من الطائرات.

وفي الوقت نفسه، كانت إندونيسيا قد وقعت في 2022 عقدا مع فرنسا لشراء 42 مقاتلة رافال، ووصلت أول دفعة، المكونة من 6 مقاتلات، في مايو 2026.

لكن وصول الرافال لا يعني بالضرورة أن مشروع J-10 أُلغي، لأن العقد الفرنسي سبق النقاشات المتعلقة بـJ-10 بعدة سنوات.

كما استمر التعاون الدفاعي بين إندونيسيا والصين؛ ففي أغسطس 2026 عقد البلدان الدورة الثانية من آلية الحوار الوزاري «2+2» بين وزيري الخارجية والدفاع، مع استمرار الحديث عن التعاون في المعدات والتقنيات الدفاعية والتدريبات والمناورات وتدريب الأفراد والأمن البحري.

الطائرة ليست العنصر الوحيد في الصفقة

عند شراء مقاتلة حديثة، لا تحصل الدولة على الطائرة وحدها، إنما تدخل في منظومة متكاملة تشمل:

الصواريخ والذخائر.

قطع الغيار.

معدات الفحص والصيانة.

أجهزة المحاكاة.

تدريب الطيارين.

تدريب فرق الصيانة.

تجهيز القواعد الجوية.

شبكات البيانات.

أنظمة القيادة والسيطرة.

الدعم الفني والتحديثات المستقبلية.

ولهذا فإن إدخال مقاتلة جديدة من دولة أخرى قد يتطلب إعادة بناء أجزاء من منظومة التدريب والصيانة والتسليح والاتصالات.

وتصبح هذه المسألة أكثر تعقيدا بالنسبة إلى الدول التي تعتمد منذ سنوات طويلة على منظومات تسليح غربية، لأن الانتقال إلى مقاتلة صينية يعني إدخال منظومة تشغيل ودعم مختلفة.

مصر وحقيقة التقارير المتعلقة بـJ-10

ظهرت في بداية 2025 تقارير تحدثت عن تسلم مصر مقاتلات J-10CE الصينية، لكن وزارة الدفاع الصينية نفت تلك المعلومات ووصفتها بأنها غير صحيحة.

وفي يوليو 2025، وعند سؤال وزارة الدفاع الصينية عن تقارير بشأن مفاوضات دول مختلفة للحصول على J-10 ومعدات عسكرية أخرى، تحدث الجانب الصيني عن استعداد بلاده لمشاركة نتائج تطوير المعدات العسكرية مع الدول الصديقة، مع التأكيد على أن صادرات الأسلحة الصينية تتم بصورة حذرة ومسؤولة، دون الكشف عن أسماء الدول أو تفاصيل العقود.

وبالتالي، فإن عدم الإعلان عن صفقة لا يعني بالضرورة أن المقاتلة فشلت في الحصول على اهتمام دولي، كما أن وجود تقارير عن اهتمام دولة بها لا يعني أنها اتخذت قرارًا نهائيا بالشراء.

لماذا تستغرق صفقات المقاتلات سنوات؟

تخضع صفقات الطائرات الحربية عادة لمفاوضات طويلة، وقد تتضمن تفاصيل تتعلق بالتمويل ونقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي وحقوق الصيانة والإصلاح وتوفير قطع الغيار وتكاليف التشغيل والدعم لسنوات طويلة.

كما أن الاعتبارات السياسية والاستراتيجية تلعب دورا في اختيار المورد.

وقد تفضل بعض الدول توزيع مشترياتها العسكرية بين أكثر من دولة، مثل فرنسا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة وغيرها، لتقليل الاعتماد على مورد واحد والحفاظ على علاقات دفاعية متعددة.

لكن هذا الخيار قد يؤدي في المقابل إلى زيادة التعقيد اللوجستي، بسبب تشغيل أنواع مختلفة من المعدات والأسلحة وأنظمة الدعم.

رافال ضد J-10.. المقارنة لا تتعلق الأداء فقط

لا يكفي أن تقارن الدولة بين مواصفات طائرتين من حيث السرعة أو الرادار أو التسليح، إذ يتعين عليها أيضًا دراسة مدى توافق الطائرة الجديدة مع البنية العسكرية القائمة.

فالدولة التي تستخدم مقاتلات غربية منذ عقود تمتلك بالفعل قواعد ومنشآت طيارين وفنيين وبرامج تدريب وذخائر وقطع غيار مرتبطة بهذه المنظومات.

ولهذا فإن الانتقال إلى مورد جديد قد يتطلب استثمارات إضافية وإعادة تنظيم جانب من البنية التشغيلية.

كما أن إرجاع كل مفاوضات لم تتحول إلى عقود إلى ضغوط أمريكية يحتاج إلى أدلة موثوقة ومحددة لكل حالة، لأن عوامل أخرى مثل التمويل والاحتياجات العسكرية والتوافق التشغيلي والعلاقات السياسية يمكن أن تدخل في القرار.

باكستان.. تجربة مختلفة مع J-10CE

تمثل باكستان حالة مختلفة، إذ تمكنت من إدخال J-10CE إلى الخدمة والاستفادة من قدراتها، في ظل وجود تاريخ طويل من التعاون الدفاعي بين إسلام آباد وبكين، ما ساعد على تراكم الخبرات في مجالات التدريب والأفراد والمعدات.

وبالنسبة إلى دولة لم تستخدم المقاتلات الصينية على نطاق واسع من قبل، فإن إدخال طائرة جديدة إلى الخدمة يكون أكثر تعقيدا ويحتاج إلى وقت أطول.

كما أعلنت شخصيات ومسؤولون باكستانيون التعاقد على المقاتلة الشبيحة الصينية J-35، لكن بعض التفاصيل المتداولة، مثل العدد النهائي للطائرات وجدول التسليم ومواصفات النسخة المتعاقد عليها، تحتاج إلى التمييز بين ما أعلن رسميًا وما نشرته وسائل الإعلام.

الصين توسع عرض منظومتها الجوية

في معرض «نسور الحضارة 2026» الذي أقيم في مصر بين منتصف أغسطس وأوائل سبتمبر، شاركت القوات الجوية الصينية لأول مرة خارج البلاد بعرض مجموعة من المنصات، شملت طائرة الإنذار المبكر والسيطرة KJ-500، المقاتلة J-16، وطائرة التزود بالوقود YY-20A، المروحية  Z-20K

واللافت أن العرض لم يركز على مقاتلة واحدة، إنما قدم مجموعة من الطائرات التي تؤدي أدوارا مختلفة، من الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة إلى القتال الجوي والتزود بالوقود والبحث والإنقاذ.

ويعكس ذلك أهمية تقديم الصين نفسها كمصدر لمنظومة جوية متكاملة، وليس مجرد مورد لمقاتلة منفردة.

التحدي الحقيقي أمام J-10CE

أدى الأداء العملياتي المعلن المقاتلة إلى زيادة الاهتمام بها، لكن تحويل هذا الاهتمام إلى عقود تصدير يحتاج إلى عوامل إضافية، أبرزها قدرة الصين على توفير الدعم اللوجستي والتدريب وقطع الغيار والصيانة والتحديثات ودمج الأنظمة على المدى الطويل.

فالنجاح القتالي قد يرفع مستوى الاهتمام بالمقاتلة، لكنه لا يحسم وحده قرار شراء طائرة مقاتلة تستمر خدمتها لعقود.

وبالتالي، فإن الحديث عن «تخلي دول عديدة عن J-10» يحتاج إلى قدر من الدقة؛ فبعض الحالات كانت مجرد تقييمات أو مفاوضات، وبعض التقارير لم تؤكد رسميًا، بينما توجد دول تتبع اصلا سياسة تنويع مصادر التسليح.

وفي النهاية، ستتضح مكانة J-10CE في سوق المقاتلات العالمية بصورة أكبر من خلال العقود التي يتم الإعلان عنها رسميًا، وأعداد الطائرات التي يجري تسليمها، وتجارب المستخدمين الأجانب، ومدى قدرة الصين على توفير منظومة دعم متكاملة ومستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى