دراسة بريطانية تكشف تأثير العنصرية في تجربة الحزن والفقد

كشفت دراسة بريطانية واسعة أن العنصرية والتجارب المرتبطة بها يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في الطريقة التي يعيش بها الأشخاص تجربة الحزن والفقد بعد وفاة أحد أحبائهم، داعية إلى إعادة تصميم خدمات دعم المفجوعين لتكون أكثر أمانًا وشمولًا ومراعاة للاختلافات الثقافية والدينية.
وأجرت الدراسة كلية كينجز كوليدج لندن بالتعاون مع جامعة شيفيلد، بتمويل من المعهد الوطني لأبحاث الصحة والرعاية، وتُعد أكبر دراسة نوعية في المملكة المتحدة تبحث تجارب الفقدان لدى أشخاص من خلفيات عرقية متنوعة في مجال الرعاية الصحية.
وأظهرت النتائج أن بعض المشاركين واجهوا مظاهر عنصرية داخل المستشفيات وأماكن العمل وحتى أثناء جلسات الدعم النفسي، الأمر الذي أثر في ثقتهم بالخدمات الصحية وزاد شعورهم بعدم الأمان في الوقت الذي كانوا فيه في أمس الحاجة إلى المساندة.
تجارب مؤلمة خلال نهاية الحياة والفقدان
تحدث المشاركون عن مواقف شعروا خلالها بأن خلفياتهم العرقية أو الثقافية أثرت في طريقة معاملتهم.
ومن بين الحالات التي وثقتها الدراسة، تعرضت قريبة لأحد المشاركين للإهمال داخل جناح بالمستشفى بسبب خلفيتها العرقية، بينما أُرسل إمام إلى سرير رجل هندوسي يحتضر، بعدما افترض العاملون الطبيون بشكل خاطئ أن المرضى المنتمين إلى ديانات مختلفة يتشاركون الخلفية الدينية والثقافية نفسها.
وفي تجربة أخرى، قالت إحدى المشاركات إن مستشارتها سمحت لها بالحديث عن وفاة شقيقتها، لكنها لم تسمح لها بالتحدث عن العنصرية التي تعرضت لها، ما جعل تجربة الحزن أكثر تعقيدًا وألمًا.
وأكدت إحدى المشاركات، وهي امرأة سوداء من منطقة الكاريبي، أن مواجهة العنصرية يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من إصلاح خدمات دعم الفقدان.
121 شخصًا من 13 خلفية عرقية
أجرى الباحثون مقابلات مع 121 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 21 و81 عامًا، ينتمون إلى مجتمعات بنغلاديشية وهندية وصينية وباكستانية وأفريقية سوداء وكاريبية سوداء وعربية وأيرلندية بيضاء وبولندية وغيرها.
وشملت عملية البحث مناطق مختلفة في إنجلترا، من بينها لندن وشيفيلد وليستر ولوتون، كما امتدت إلى مناطق أخرى عبر شبكات المجتمع ووسائل التواصل الاجتماعي.
وكان نحو 70% من المشاركين من الجيل الأول من المهاجرين، بينما كان أكثر من نصف المشاركين يتحدثون الإنجليزية كلغة إضافية.
وأجريت المقابلات ومجموعات النقاش باللغات التي يفضلها المشاركون، بمساعدة باحثين من المجتمعات المحلية تلقوا تدريبًا على إجراء المقابلات، وهو ما ساعد الباحثين على الوصول إلى أشخاص نادرًا ما يتم تمثيل تجاربهم في أبحاث الفقدان.
الحزن ليس تجربة فردية فقط
توضح الدراسة أن الحزن لا يحدث بمعزل عن البيئة الاجتماعية والثقافية للشخص، وإنما يتأثر بعلاقاته العائلية ومجتمعه ودينه وظروفه الاجتماعية والتجارب التي مر بها، بما في ذلك التعرض للعنصرية.
ويرتبط الفقدان بمخاطر صحية ونفسية متعددة، من بينها ارتفاع احتمالات القلق والاكتئاب والحزن المطول، وزيادة الحاجة إلى خدمات الرعاية الصحية وتراجع الصحة العامة وارتفاع خطر الوفاة، خصوصًا خلال السنة الأولى بعد فقدان شخص مقرب.
لكن الباحثين وجدوا أن خدمات دعم الفقدان الحالية لا تصل إلى جميع الفئات بصورة متساوية، وأن نماذج الحزن السائدة تم تطويرها تاريخيًا دون مشاركة كافية من المجتمعات ذات الخلفيات العرقية والثقافية المتنوعة.
الأسرة والدين والمجتمع.. دعم قد يتحول إلى ضغط
أظهرت الدراسة أن الدعم العائلي والديني والمجتمعي يمكن أن يكون عنصرًا أساسيًا في مساعدة الشخص على التعامل مع الحزن، لكنه قد يصبح في بعض الحالات مصدرًا إضافيًا للضغط.
فالتقاليد الدينية والثقافية وشبكات الإيمان يمكن أن تمنح المفجوعين شعورًا بالانتماء والدعم، لكن التوقعات الاجتماعية المتعلقة بكيفية التعبير عن الحزن أو تنظيم الجنازات قد تترك أحيانًا مساحة محدودة للتعبير عن المشاعر الشخصية.
وفي المقابل، واجه بعض المهاجرين، وخصوصًا من وصلوا حديثًا إلى بريطانيا، تجربة مختلفة تمامًا، إذ وصفوا شعورهم بالتعامل مع الحزن بمفردهم وغياب شبكات الدعم المعتادة.
قصة أرملة شابة تكشف فجوة الدعم
كانت رامي جاناك، وهي مستشارة اتصالات من لندن، إحدى المشاركات في الدراسة، بعدما فقدت زوجها تايرون بسبب ورم في المخ عندما كانت في منتصف الثلاثينيات من عمرها.
ورغم أن زوجها تلقى رعاية جيدة من خدمات الرعاية التلطيفية، قالت رامي إنها لم تحصل على توجيه كافٍ بشأن احتياجاتها النفسية بعد وفاته، وشعرت بالعزلة باعتبارها أرملة شابة من أصول جنوب آسيوية.
كما واجهت نقصًا في الدعم من مكان العمل والمجتمع، إلى جانب صعوبة التعامل مع الاختلافات الثقافية المتعلقة بالموت والجنازة.
وأوضحت أن زوجها كان من خلفية هندوسية، لكنه لم يكن يمارس الطقوس الهندوسية، بينما كانت عائلته تفضل إقامة جنازة هندوسية. وأشارت إلى أن وجود جهة متخصصة تساعد الأسرة على التعامل مع هذه الاختلافات الثقافية والدينية كان من الممكن أن يجعل عملية اتخاذ القرار أكثر سهولة.
دعوة للانتقال من «الكفاءة الثقافية» إلى «الأمان الثقافي»
اقترح الباحثون إطارًا جديدًا لتطوير خدمات دعم الفقدان في بريطانيا ودول أخرى، مؤكدين ضرورة تجاوز نماذج الاستشارات الفردية التقليدية التي لم تُصمم بالضرورة لتلبية احتياجات المجتمعات المتنوعة عرقيًا.
ويدعو الإطار المقترح إلى الانتقال من مجرد تدريب العاملين على ما يسمى «الكفاءة الثقافية» إلى مفهوم أوسع هو «الأمان الثقافي».
ويشمل ذلك الاعتراف بالمظالم التاريخية، واحترام طرق التعبير الجماعية عن الحزن، ومواجهة العنصرية بصورة نشطة، والعمل بالتعاون مع القيادات الدينية وشبكات المجتمع المحلي.
دعم الفقدان كجزء من الوقاية الصحية
قالت الدكتورة كاتريونا مايلاند، المشاركة في قيادة الدراسة والمحاضرة والاستشارية الفخرية في الرعاية التلطيفية بجامعة شيفيلد، إن دعم المفجوعين ينبغي التعامل معه باعتباره شكلًا استباقيًا ووقائيًا من الرعاية الصحية.
وأوضحت أن توفير الدعم المناسب قد يساعد على حماية الصحة والرفاه على المدى الطويل وتقليل الحاجة المستقبلية إلى خدمات الرعاية الصحية.
وتتحدى الدراسة فكرة أن الحزن تجربة شخصية وفردية فقط، مؤكدة أن طريقة تعامل الإنسان مع الوفاة تتشكل أيضًا من خلال الأسرة والمجتمع والظروف الاجتماعية والتجارب السابقة مع التمييز والعنصرية.
وتخلص الدراسة إلى أن تحسين خدمات الفقدان لا يتطلب فقط توفير المزيد من الاستشارات، وإنما يستلزم فهم الخلفية الاجتماعية والثقافية والدينية لكل شخص، والاستماع إلى تجاربه دون افتراضات مسبقة، وضمان ألا تتحول العنصرية أو سوء الفهم الثقافي إلى مصدر جديد للألم في واحدة من أكثر مراحل الحياة هشاشة.



