تقارير

جبل الفأس.. أسرار الموقع النووي الإيراني الذي وضعه ترامب في مرمى التهديد

عاد اسم “جبل الفأس” (Pickaxe Mountain)، المعروف بالفارسية باسم “كوه كلنگ گازلا”، إلى واجهة الأحداث الدولية خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما كثّف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته باستهدافه، محوّلاً موقعاً ظل لسنوات بعيداً عن الأضواء إلى أحد أكثر الملفات حساسية في البرنامج النووي الإيراني.

وتناولت شبكة “سي إن إن” (CNN الأمر باعتباره أحدث وأكثر المنشآت النووية الإيرانية تحصيناً، فيما نقلت (The Wall Street Journal) تقديرات استخباراتية تشير إلى أنه قد يكون أول منشأة تتجاوز قدرة أقوى القنابل التقليدية الأمريكية على الاختراق، ما جعله محوراً للصراع الاستخباراتي والعسكري بين واشنطن وطهران.

أصل “جبل الفأس”.. من التخريب إلى التحصين

ترجع قصة “جبل الفأس” إلى عام 2020، عندما تعرضت منشأة تجميع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة في مجمع نطنز النووي لعملية تخريب كبيرة، ألحقت بها أضراراً واسعة وأوقفت جزءاً من أعمالها.

وبعد أسابيع من الحادث، أعلنت إيران أنها شرعت في إنشاء منشأة جديدة داخل جبل صخري، تكون أكبر وأكثر تطوراً وأشد تحصيناً من المنشأة السابقة.

وأبلغت طهران الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن الموقع الجديد سيُستخدم لتجميع أجهزة الطرد المركزي، التي تمثل القلب الأساسي لعمليات تخصيب اليورانيوم، وهو ما يعني أن المشروع لم يكن مجرد بديل لمنشأة تعرضت للتدمير، بل جزءاً من استراتيجية إيرانية طويلة الأمد لنقل أهم مكونات برنامجها النووي إلى مواقع يصعب استهدافها عسكرياً.

ويرجع اسم الموقع إلى التسمية الفارسية “كوه كلنگ گازلا”، حيث تعني كلمة “كلنگ” أو “كولانغ” “الفأس” أو “المعول”، وهو الاسم الذي تُرجم في التقارير الغربية إلى Pickaxe Mountain.

الموقع الجغرافي

يقع “جبل الفأس” جنوب مجمع نطنز لتخصيب اليورانيوم، على مسافة قصيرة تُقدَّر بنحو كيلومترين تقريباً من المنشأة الرئيسية، بحسب ما أورده موقع “الشرق الأوسط”.

ويضم مجمع نطنز منشآت فوق سطح الأرض وأخرى تحتها، ويعد من أهم مراكز تخصيب اليورانيوم في إيران.

وخلال الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت البرنامج النووي الإيراني في يونيو 2025 ضمن عملية عُرفت إعلامياً باسم “مطرقة منتصف الليل” (Midnight Hammer)، تعرضت منشآت نطنز وفوردو وأصفهان لأضرار كبيرة، بينما بقي “جبل الفأس” خارج دائرة الاستهداف، وهو ما رصدته وكالة “رويترز” في تغطيتها، الأمر الذي عزز الاعتقاد بأنه أصبح الملاذ الأكثر أماناً للبرنامج النووي الإيراني.

تصميم هندسي معقد

تشير صور الأقمار الصناعية التي نشرتها “رويترز”، إلى جانب دراسات معهد العلوم والأمن الدولي (ISIS)، إلى أن الموقع يتكون من مجمعين كبيرين من الأنفاق المحفورة داخل جبل صخري شديد الصلابة، وترتبط هذه الأنفاق بعدد من المداخل والمخارج وطرق الخدمة.

ويعتقد خبراء أن أعمال الحفر استمرت لسنوات، وأن المهندسين الإيرانيين صمموا المنشأة مع الأخذ في الاعتبار احتمالات تعرضها لهجوم أمريكي أو إسرائيلي، ولذلك جرى دفن المرافق الرئيسية على أعماق كبيرة داخل الجبل، مع تعزيزها بطبقات من الصخور الطبيعية والخرسانة المسلحة.

لماذا أصبح هدفاً لترامب؟

عاد الموقع إلى دائرة الاهتمام بعد تقارير استخباراتية أمريكية وإسرائيلية، نقلتها “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين في البلدين، تحدثت عن نقل إيران آلاف أجهزة الطرد المركزي المتطورة، إضافة إلى جزء من مخزون اليورانيوم المخصب، إلى داخل أنفاق “جبل الفأس” عقب الضربات التي تعرضت لها منشآت نووية أخرى.

كما أظهرت صور أقمار صناعية نشرتها “رويترز” والتُقطت في يونيو 2026 حركة مركبات وآليات عند مداخل الأنفاق، وهو ما اعتبرته دوائر استخباراتية مؤشراً على استمرار العمل داخل المنشأة.

وبحسب ما نقلته إذاعة الجيش الإسرائيلي، وتناولته “الجزيرة نت”، تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن الموقع قد يضم جميع العناصر اللازمة لإنشاء منشأة قادرة على تخصيب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 90%، وهي النسبة المطلوبة لإنتاج سلاح نووي، الأمر الذي دفع إدارة ترامب إلى اعتباره أحد أخطر المواقع النووية الإيرانية.

وفي هذا السياق، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تصريحات نقلتها شبكة (NBC News) و”تايمز أوف إسرائيل” (The Times of Israel)، بأن الولايات المتحدة تراقب “جبل الفأس” بصورة مستمرة، مؤكداً أن استهدافه يظل خياراً مطروحاً، بل أشار في تصريحات لاحقة إلى أن توجيه ضربة للموقع قد يحدث “قريباً جداً”.

الرد الإيراني

رفضت إيران هذه الاتهامات بشكل قاطع، وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية، في تصريحات تناولتها “سي إن إن بالعربية”، أن الحديث عن أنشطة نووية داخل “جبل الفأس” يهدف إلى خلق مبررات لتوجيه ضربة عسكرية جديدة.

كما اعتبرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن أي هجوم على المنشآت النووية الإيرانية سيؤدي إلى توسيع دائرة الصراع في المنطقة، محذرة من تداعياته الأمنية والعسكرية.

لغز العمق الحقيقي

يُعد العمق الحقيقي للمنشأة من أكثر المعلومات إثارة للجدل. فبعض التقديرات، ومنها ما أورده موقع  (The War Zone) المتخصص في الشؤون العسكرية، تشير إلى أن الأنفاق الرئيسية تقع على عمق لا يقل عن 100 متر داخل الجبل، بينما تذهب تقديرات استخباراتية مفتوحة المصدر أخرى إلى أن أجزاء منها قد تصل إلى ما بين 90 و140 متراً، في حين رجحت تقارير أخرى أن بعض المرافق قد تكون أعمق من ذلك.

ويؤكد الخبراء أن عدم وجود معلومات استخباراتية دقيقة حول التصميم الداخلي للموقع يزيد من صعوبة تقييم قدرته الدفاعية بشكل كامل.

هل تستطيع أمريكا اختراقه؟

تعتمد الولايات المتحدة في استهداف المنشآت المحصنة على قنبلة GBU-57 Massive Ordnance Penetrator، التي تعد أقوى قنبلة تقليدية خارقة للتحصينات في الترسانة الأمريكية.

ويبلغ وزن القنبلة نحو 14 طناً، وتُحمل بواسطة قاذفات B-2 Spirit الشبح، وتستطيع اختراق عشرات الأمتار من الخرسانة أو التربة قبل الانفجار.

لكن معظم الخبراء الذين استطلعت آراءهم “ذا وور زون” و”تايمز أوف إسرائيل” يرون أن عمق “جبل الفأس” قد يتجاوز القدرة التشغيلية المعلنة لهذه القنبلة، وهو ما يجعل تدمير المنشأة بالكامل بضربة واحدة أمراً غير مؤكد.

لماذا نجحت ضربة فوردو؟

يستشهد محللون عسكريون، من بينهم كتّاب في “ذا وور زون”، بالضربة الأمريكية التي استهدفت منشأة فوردو النووية، لكنهم يؤكدون أن نجاحها لم يكن نتيجة قوة القنبلة وحدها.

فقد تمكنت القوات الأمريكية من تحديد فتحتي تهوية تؤديان مباشرة إلى المجمع تحت الأرض، واستهدفت القنبلة الأولى الأغطية الخرسانية التي كانت تغطي الفتحات، ثم دخلت القنابل التالية عبر هذه الممرات إلى داخل المنشأة بسرعة كبيرة، قبل أن تنفجر في قلب المجمع.

أما في “جبل الفأس”، فلا توجد حتى الآن معلومات تؤكد وجود فتحات مماثلة أو نقاط ضعف يمكن استغلالها بالطريقة نفسها، خاصة أن الموقع بُني بعد حادثة نطنز مع مراعاة الدروس المستفادة من الهجمات السابقة.

التحديات الاستخباراتية

لا تقتصر صعوبة استهداف “جبل الفأس” على عمقه الكبير، بل تمتد إلى محدودية المعلومات المتوافرة حول شكل الأنفاق والغرف الداخلية.

ولهذا السبب، يعمل الجيش الأمريكي منذ سنوات على تطوير صمامات تفجير ذكية قادرة على استشعار الفراغات الداخلية داخل الجبال والأنفاق، لضمان انفجار القنبلة في النقطة الأكثر تأثيراً.

السيناريوهات البديلة

إذا تعذر اختراق قلب المنشأة، يرجح خبراء أن تتجه أي عملية عسكرية إلى استهداف البنية التحتية الداعمة، وتشمل:

مداخل ومخارج الأنفاق

فتحات التهوية

محطات الكهرباء والمولدات الاحتياطية

شبكات الاتصالات

طرق الإمداد والنقل

مراكز إنتاج أجهزة الطرد المركزي ومستودعات التخزين المرتبطة بالموقع

ويرى محللون أن تعطيل هذه المرافق قد يؤدي إلى شل عمل المنشأة حتى دون تدميرها بالكامل.

يمثل “جبل الفأس” اليوم أحد أكثر المواقع النووية الإيرانية إثارة للقلق بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، ليس فقط بسبب ما يُعتقد أنه يضمه من منشآت وأجهزة تخصيب، بل أيضاً بسبب مستوى التحصين غير المسبوق الذي يتمتع به.

ورغم تصاعد تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن خبراء عسكريين، يؤكدون أن أي هجوم محتمل سيواجه تحديات تقنية واستخباراتية معقدة، قد تجعل من “جبل الفأس” أصعب هدف نووي واجهته الولايات المتحدة حتى الآن، ليبقى الموقع أحد أبرز الملفات المفتوحة في المواجهة المستمرة بين واشنطن وطهران.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى