تقارير

سلاح تركيا الجديد.. رسالة قوة تتجاوز حدود المنطقة 

كتبت: منار حجاج

 

على وقع الحروب المتصاعدة والتوترات التي تعصف بالشرق الأوسط، تتسارع تركيا في تطوير صناعاتها الدفاعية بوتيرة غير مسبوقة، في خطوة تعكس تحولات عميقة في رؤيتها للأمن القومي ودورها الإقليمي، فمن شرق المتوسط إلى الحرب الروسية الأوكرانية، مرورًا بالحرب في غزة والتصعيد الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، تبدو أنقرة مقتنعة بأن موازين القوى في المنطقة لم تعد تُحسم بالدبلوماسية وحدها، بل أيضًا بامتلاك أدوات الردع والتفوق العسكري.

 

هذة الرؤية التركية لا ترتبط فقط بطموحات إقليمية متنامية، بل تستند أيضًا إلى تراكم طويل من الأزمات مع الغرب، بدأ منذ الحظر المفروض على السلاح بعد الأزمة القبرصية، وصولًا إلى الخلافات الحادة مع واشنطن وحلفائها بسبب منظومة «S-400» والسياسات التركية المستقلة.

 

وبين رغبة تركيا في تقليل اعتمادها على الأسلحة الغربية، والسعي لفرض حضور أكبر في معادلات الأمن الإقليمي، تفرض القوة العسكرية التركية نفسها اليوم كأحد أبرز المتغيرات التي تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط وتفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي ودولي متسارع.

 

وفي هذا السياق يقول محمود علوش، الكاتب والباحث في الشأن التركي :”هناك مجموعة من الدوافع ممتدة من سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، بدء من الأزمة القبرصية والحظر الغربي على تصدير الأسلحة إلى تركيا، مرورًا بالحرب التركية على حزب العمال الكردستانى، وعلاقة الغرب بحزب العمال الكردستاني واستخدام السلاح كأداة ضغط على تركيا، وصولًا إلى الأزمات التي عصفت بالعلاقات التركية الأمريكية والغربية على خلفية «S-400» وأيضًا اضطرابات مع الأوربيين ، والتحديات الأمنية والجيوسياسية في شرق البحر المتوسط، والتحدي الإسرائيلي في المنطقة، كل هذه العوامل حفزت تركيا على تطوير هذا السلاح”.

 

ويوضح “علوش” قائلًا: “الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران والحرب الاولى في يونيو الماضي، بدأت تركيا تولي أهمية كبيرة لعمل خطوات متقدمة في تطوير صناعتها الدفاعية؛ لذلك نستطيع أن نقول بأن جزء أساسي من محركات الصناعات الدفاعية في تركيا مرتبط بتصاعد التوترات الإقليمية، لكنها ليست المحرك الوحيد حيث أن العوامل التى أنشأت هذا الزخم في تصنيع تركيا للسلاح هي عوامل متعددة منها: ما هو مرتبط بتحديات أمنية، واضطراب العلاقة مع الغرب ورغبة تركيا في تعزيز استقلالها الإستراتيجى عن الغرب، والإعتماد على الذات في تصنيع السلاح هو جزء من أدوات تحقيق الإستقلال الإستراتيجى”.

 

ويتابع الباحث في الشأن التركي: “بالطبع لدي تركيا طموحات إقليمية، لكن جانب أساسي من تطوير صناعات الدفاع المحلية مدفوع بمواجهة التحديات الأمنية المحيطة بتركيا على أكثر من إتجاه، خصوصًا أننا في منطقة لا يُحترم فيها سوى الأقوياء والدول الضعيفة لا مكان لها على الطاولة، وبالتالي تركيا من خلال الإعتماد على قوتها العسكرية تريد أن تحمى نفسها من هذه التحديات والاضطرابات المحيطة بها، وهذه القوة ليست موجهة ضد أحد بقدر ما هي قوة مصممة للدفاع عن تركيا ومصالحها كرسائل ردع أولًا وكأدوات قوة عندما تفرض الظروف علي تركيا أن تستخدم القوة لحماية مصالحها”.

 

ويستكمل علوش: “إن تصاعد القوة التركية يعيد تشكيل ديناميكيات الأمن والقوة في منطقة الشرق الأوسط، ويفرض معادلات جديدة في توازن القوى في المنطقة، كما لم تعد إسرائيل اليوم هي الدولة المهيمنة عسكريًا في المنطقة تركيا اليوم أضحت من الدول التى لديها إمكانيات عسكرية كبيرة ومتطورة على نحو كبير، وما يميز صناعات الدفاع التركية أنها صناعات متكاملة، فهي لا تقتصر علي جانب معين بل تمتد من الطائرات المسيرة إلى أنظمة الدفاع الجوى، وبالتالى اليوم تركيا أيضًا أعادت تشكيل خريطة توازنات القوى في هذه المنطقة، وهذا مفيد لأن التجارب أظهرت أن إسرائيل كلما تعتقد أنها الوحيدة القادرة على إستخدام القوة في هذه المنطقة، أصبحت عدوانية تجاهها ولديها نزعات توسعية”.

 

ويوضح الخبير في الشأن التركي: ” إن تركيا وصلت إلى مراحل متقدمة في تقليل اعتمادها على السلاح الغربي، حيث أنها قبل عقدين كانت تستورد من الغرب ما يقرب من 70 إلى 80% من احتياجاتها العسكرية أما اليوم تقلصت هذه النسبة إلى أقل من 20%، وبالتالي هدف تركيا على المدى البعيد هو تقليص هذه النسبة إلى أقصى قدر ممكن، وبالطبع لا يمكن لتركيا أن تتخلى بالكامل عن احتياجاتها العسكرية من الغرب؛ لان بعض التكنولوجيا المتطورة ليست موجودة لديها، لكنها موجودة لدى دول غربية وأيضًا مبيعات السلاح هى جزء من تشكيل السياسة الخارجية، لذلك المستوى الذي وصلته تركيا في تقليص اعتمادها على الغرب في السلاح يعتبر مرحلة متقدمة للغاية”.

 

ويقول الباحث:” لا شك أن صعود القوى العسكرية التركية جلب الكثير من المزايا بالنسبة لتركيا على صعيد مكانتها ودورها في حلف شمال الأطلسي، فتركيا هي ثاني أكبر جيش في حلف الناتو وأيضًا هذه القوة العسكرية المحلية المتزايدة ضاعفت أهمية تركيا بالنسبة للناتو وشركائها في الناتو، خصوصًا على مستوى الدور الذي تلعبه، في توازن القوى في منطقة البحر الأسود، أيضًا في الحرب الروسية الأوكرانية بالإضافة إلى دورها في البنية الأمنية الأوروبية، وبدأت أوروبا تنظر إلى تركيا كشريك أمني ضروري في مساعدتها في التكيف مع البنية الأمنية الجديدة، خاصة تلك الناجمة عن مرحلة ما بعد الحرب الروسية على أوكرانيا”.

 

ويشير علوش إلى أننا في سباق تسلح قائلًا: “نحن في سباق تسلح ليس على المستوى الإقليمي فقط بل أيضًا على المستوى العالمي، اليوم جميع القوى المتوسطة والعظمى بدأت سباق تسلح؛ لأننا في مرحلة يعاد فيها تشكيل النظام الدولي ونحن أمام صراع جيوسياسي عالمى بين القوى العظمى، عليه إعادة تشكيل هذا النظام الدولي وأيضًا القوى الإقليمية المتوسطة بدأت في هذا السباق بالفعل حيث أننا الآن نجد مناطق إقليمية في مرحلة إعادة تشكيل، وبالتالى دخلت المنطقة فعلًا في مرحلة سباق تسلح”.

 

ويختتم الباحث حديثه قائلًا: “لا أرى بأن هناك تحديات كبيرة تواجه تركيا في مجال تصدير الأسلحة، فهى خطت خطوات متقدمة للغاية في هذا المجال، حيث دخلت نادي الدول التي تصدر أسلحة إلى العالم بقيمة سنوية تتجاوز الـ10 مليارات دولار أمريكى، وهذا رقم كبير بالنسبة لصناعة ذاتية لتركيا، لافتًا إلى أنه لا يوجد تحول في العقيدة العسكرية التركية، لهذا الصناعات الدفاعية المحلية هى مصممة اولًا لأغراض الردع أيضًا تندرج في إطار هوية تركيا الجديدة وطموحاتها الجيوسياسية بأن تلعب دور أكبر في تشكيل السياسات الإقليمية والدولية”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى