تقارير

خلافات ترامب مع الحلفاء تهدد بإعادة تشكيل التحالفات العالمية بعد حرب إيران

كشفت التطورات الأخيرة المرتبطة بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران عن تصدعات متزايدة في علاقة الرئيس الأمريكى ترامب بحلفاء واشنطن التقليديين، وسط مخاوف من أن تكون تداعيات هذه الأزمة أعمق وأطول من الحرب نفسها.

ففي الوقت الذي بدأت فيه واشنطن وطهران البحث تدريجيا عن مخرج سياسي للصراع المستمر منذ نحو عشرة أسابيع، اتخذ ترامب سلسلة خطوات وتصريحات أثارت غضب وقلق دول أوروبية وخليجية وآسيوية، ما دفع كثيرين إلى التشكيك في مدى اعتمادهم مستقبلا على الولايات المتحدة كشريك أمني موثوق.

انسحاب عسكري وتصعيد مع أوروبا

من أبرز القرارات التي أثارت الجدل إعلان ترامب سحب خمسة آلاف جندي أمريكي من ألمانيا، ضمن قوة يبلغ عددها أكثر من 36 ألف عسكري أمريكي هناك. كما لمح إلى إمكانية تقليص القوات الأمريكية في دول أوروبية أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا بسبب خلافات سياسية حول الحرب مع إيران.

وجاء القرار بعد انتقادات ألمانية لسياسات ترامب، خاصة بعد تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس التي اعتبر فيها أن التصعيد ضد إيران يضعف صورة الولايات المتحدة دوليا.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ ألغت وزارة الدفاع الأمريكية خطة لنشر صواريخ “توماهوك” في ألمانيا، في خطوة فُهمت أوروبيا باعتبارها رسالة ضغط سياسية على الحلفاء داخل حلف شمال الأطلسي.

أزمة ثقة داخل الناتو

التوتر داخل حلف شمال الأطلسي تصاعد بشكل واضح بعدما اتهم ترامب الدول الأوروبية بعدم تقديم الدعم الكافي للولايات المتحدة خلال الحرب، ولوّح بطريقة غير مباشرة بإمكانية تراجع واشنطن عن التزاماتها الدفاعية تجاه الحلفاء، خصوصا ما يتعلق بالمادة الخامسة الخاصة بالدفاع المشترك.

هذه التصريحات أثارت حالة قلق واسعة داخل أوروبا، حيث بدأت عدة دول بالفعل تكثيف التعاون الدفاعي فيما بينها والعمل على تطوير أنظمة تسليح أوروبية مشتركة لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة مستقبلا.

ويرى محللون أن الحرب الحالية دفعت القارة الأوروبية إلى التفكير بجدية أكبر في بناء استقلال دفاعي طويل الأمد، رغم أن تحقيق ذلك قد يستغرق سنوات بسبب اعتماد أوروبا الكبير على المظلة العسكرية الأمريكية في مواجهة روسيا.

خلافات امتدت إلى بريطانيا ودول الخليج

الخلافات لم تقتصر على ألمانيا وأوروبا القارية، بل امتدت إلى بريطانيا أيضا، بعدما سخر ترامب سابقا من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، مهددا بفرض رسوم جمركية كبيرة على الواردات البريطانية.

وفي الخليج، تسبب تعامل ترامب مع الهجمات الإيرانية الأخيرة على الإمارات في إثارة قلق حلفاء واشنطن. فعلى الرغم من استهداف ميناء الفجيرة النفطي واندلاع حرائق وإغلاق المدارس مؤقتا، وصف ترامب الهجمات بأنها “طفيفة”، مؤكدا أن وقف إطلاق النار لا يزال قائما.

هذا الموقف أثار مخاوف خليجية من أن تسعى واشنطن لاحقا إلى اتفاق مع إيران لا يراعي بشكل كاف المخاوف الأمنية لدول المنطقة.

آسيا تراقب بقلق

في آسيا، تنظر دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية بقلق متزايد إلى أسلوب ترامب في إدارة الأزمات الدولية، خاصة بعد تأثير الحرب على إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط.

وتخشى بعض الحكومات الآسيوية من أن تؤدي الضغوط الاقتصادية الداخلية في الولايات المتحدة إلى تردد واشنطن في التدخل عسكريا مستقبلا إذا اندلع صراع كبير مع الصين، خصوصا بشأن تايوان.

مسؤولون يابانيون حذروا من أن الثقة الدولية في الولايات المتحدة بدأت تتراجع، ما قد يدفع دول المنطقة إلى تعزيز شراكاتها مع قوى متوسطة أخرى مثل بريطانيا وكندا وأستراليا والدول الأوروبية.

الصين وروسيا تستفيدان من الأزمة

في المقابل، تراقب كل من الصين وروسيا الوضع عن قرب، وسط تقديرات بأن الحرب منحت خصوم واشنطن فرصا استراتيجية مهمة.

روسيا استفادت اقتصاديا من ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الأزمة، كما استفادت من انشغال الغرب جزئيا بالحرب بعيدا عن الملف الأوكراني.

أما الصين، فترى دوائر تحليلية أنها تحاول استغلال صورة الارتباك الأمريكي لتقديم نفسها كشريك دولي أكثر استقرارا وموثوقية، خاصة مع اضطرار واشنطن إلى تحويل جزء من قدراتها العسكرية من آسيا إلى الشرق الأوسط خلال الحرب.

مخاوف من تغيير دائم في النظام العالمي

يرى خبراء أن أسلوب ترامب القائم على الضغط والقرارات المفاجئة ربما يؤدي إلى تغيرات استراتيجية طويلة الأمد في شكل التحالفات الدولية، ويزيد من توجه الحلفاء نحو تنويع شراكاتهم الأمنية والعسكرية بعيدا عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.

كما يخشى مراقبون من أن تؤدي السياسات الأمريكية الحالية إلى إضعاف النظام الدولي التقليدي الذي قادته واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، خصوصا مع استمرار التوتر داخل التحالفات الغربية وتصاعد الشكوك حول مستقبل القيادة الأمريكية للعالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى