خطة ذكية أم فخ عسكري.. ماذا سيحدث على طاولة إسلام آباد للمفاوضات؟

كتبت: سارة محمود
أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، يوم الأربعاء، أن إسلام آباد ستستضيف وفودًا من الولايات المتحدة وإيران في وقت لاحق من هذا الأسبوع، عقب إعلان وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط.
وقال في منشور على موقع أكس: “أتقدم بجزيل الشكر لقيادتي البلدين، وأدعو وفودهما إلى إسلام آباد يوم الجمعة الموافق 10 أبريل 2026، لمواصلة التفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي لتسوية جميع الخلافات”.
وقال شريف: “نأمل بصدق أن تنجح محادثات إسلام آباد في تحقيق سلام مستدام، ونتطلع إلى مشاركة المزيد من الأخبار السارة في الأيام المقبلة”.
وكانت كل من طهران وواشنطن قد أعلنتا عن اتفاقهما على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، قبل ساعة واحدة فقط من انتهاء مهلة الرئيس دونالد ترامب للقضاء على إيران.
وقال شريف إن وقف إطلاق النار يسري “في كل مكان”، بما في ذلك لبنان، على الرغم من أن إسرائيل صرّحت لاحقاً بأنه لا يسري على لبنان، حيث تشن عمليات جوية وبرية ضد حزب الله المدعوم من إيران.
وقال ترامب لوكالة فرانس برس يوم الأربعاء إن تركيا ومصر ساعدتا أيضاً في الوساطة خلال الأيام الماضية، بينما ساعدت الصين في دفع إيران إلى طاولة المفاوضات.
محادثات سلام
ستكون هذه أول مفاوضات مباشرة منذ بدء الحرب، ومن المرجح أن يترأس فانس نائب الرئيس الوفد الأمريكي.
وقال مسؤول أمريكي رفيع المستوى إن فانس قد بنى علاقة طيبة مع المشير الباكستاني عاصم منير، الذي شكره ترامب وأراجشي، إلى جانب رئيس وزراء باكستان، على جهودهم في التوصل إلى وقف إطلاق النار.
كما شارك جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره، في المفاوضات.
كما أكد الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، يوم الأربعاء، مشاركة طهران في المفاوضات المقبلة مع الولايات المتحدة في إسلام آباد.
وخلال مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، استمرت 45 دقيقة، شكر الرئيس بيزشكيان شريف وأشاد بجهود القيادة الباكستانية في التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، وذلك وفقًا لبيان رسمي صادر عن مكتب رئيس الوزراء.
وجاء في البيان: “أكد الرئيس بيزشكيان مشاركة إيران في المفاوضات في إسلام آباد”.
وأعرب شريف عن تقديره لقرار إيران الموافقة على وقف إطلاق النار وقبول عرض باكستان باستضافة المحادثات في وقت لاحق من هذا الأسبوع.
كما نقل احترامه للمرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي.
ولم يُعرف بعد شكل المحادثات، لكن مصادر حكومية في إسلام آباد صرحت لوكالة الأناضول بأن وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار سيمثل الجانب الباكستاني.
المقترح الإيراني
قال المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إن المقترح المكون من عشر نقاط، والذي قُدِّم إلى الولايات المتحدة بوساطة باكستانية، يتضمن التزامًا أمريكيًا أساسيًا بعدم الاعتداء، واستمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وقبول تخصيب اليورانيوم، ورفع جميع العقوبات الأساسية والثانوية.
ويتضمن المقترح أيضًا دفع تعويضات لإيران، وسحب القوات القتالية الأمريكية من المنطقة، وإنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك الحرب ضد حزب الله في لبنان.
دور مصر
وفي حديثه لموقع “داي نيوز” قال طلعت طه المحلل السياسي ومدير تحرير جريدة الجمهورية أنه حينما يكون هناك أي مشكلة في المنطقة العربية والشرق أوسطية، ابحثوا عن دور مصر. هذا باختصار، مصر الكبيرة العظيمة تدخلت منذ اللحظات الأولى لمحاولة وقف التصعيد.
ولكن أمريكا وإسرائيل تعالت وبدأت الحرب على إيران. وكانت هناك محاولات كبيرة جدا من الجانب المصري، من قلب القاهرة لمحاولة وقف إطلاق النار وعدم التصعيد أكثر من ذلك.
وأضاف طه أنه جنبا إلى جنب مع السعودية وتركيا وباكستان كان هناك اتفاق رباعي، وكان هناك محاولات سريعة للغاية وجريئة وقوية لمحاولة وقف اطلاق النار وفعلا قد نجحت، وقد اشادت الإدارة الأمريكية وقالت أن مصر كان لها دور قوي في هذه الحرب وفي وقف الاطلاق.
وأوضح المحلل ايضا أن الدور المصري لا يخفي ابدا على احد حينما تتحدث مصر وتتكلم وتقول نحن مع السلام فهي تتكلم من منطق قوة ومنطق علاقتها القوية في المنطقة العربية بالكامل، أيضا لا ننسى أبدا الزيارة التي فعلها الرئيس السيسي إلى دول الخليج هذه السبقة لم تحدث من قبل ولا من بعد أن يكون هناك رئيس دولة يذهب إلى منطقة حرب بالطائرة ويعود سالما.
وإختتم حديثه بأن مصر قادرة تماما أن تسيطر على كل الأمور، وأن مصر قادرة على أن يحترمها الجميع وأن يقدر كلمتها الجميع، وأن الملف الإيراني ما زال مفتوح وما زالت مصر تعمل في هذا الملف، وأن أول المحادثات ستكون الجمعة وعلى أحداثها ستكون هناك المبادرات والنقاط التي يؤخذ عليها وقف دائم إطلاق النار وهذا ما نتمنى.
إقرأ أيضاً: ترامب يصعّد ضد الناتو.. تهديد بإعادة توزيع القوات بسبب موقف الحلف من حرب إيران
طاولة مفاوضات
وترى الباحثة في الشؤون الإيرانية، إسراء جبريل أنه بناءً على التصريحات والمعطيات المطروحة، تتمحور مفاوضات الجمعة المرتقبة في إسلام آباد حول مقترح إيراني شامل مكون من 10 نقاط، قُدّم ليكون الأساس لوقف إطلاق نار نهائي. وتأتي هذه الجولة بهدف تفصيل وتثبيت الاتفاق النهائي وليس لمجرد النقاش العام، وسط تباين واضح في التقييم المسبق؛ ففي حين يروج الإعلام الإيراني الرسمي لهذا المقترح بوصفه “انتصاراً استراتيجياً” فُرض على واشنطن، تنظر الأوساط الغربية والمسؤولون الأمريكيون إليه على أنه سقف تفاوضي طموح للغاية. ورغم التصريحات الإيرانية بوجود موافقة أمريكية “مبدئية”، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أن بعض البنود تُعد غير مقبولة أو تفتقر للجدية، مما يجعل طاولة إسلام آباد ساحة لتفكيك هذه التعقيدات وصياغة اتفاق يمكن تطبيقه.
وأوضحت الباحثة لموقع “داي نيوز” أنه على الصعيدين العسكري والأمني، يطرح الجانب الإيراني شروطاً إقليمية واسعة، تبدأ بطلب إبرام معاهدة لعدم التجاوز وضمان عدم الاعتداء، وصولاً إلى المطالبة بانسحاب كامل للقوات العسكرية الأمريكية القتالية من المنطقة بأسرها. كما تصر طهران في مقترحها على استمرار سيطرتها الكاملة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، بما يشمل فرض بروتوكولاتها الخاصة بالمرور الآمن. وتبرز هنا عقبة تفاوضية كبرى تتعلق بنطاق التهدئة؛ إذ تشترط إيران أن يكون وقف إطلاق النار شاملاً لكافة الحروب والنزاعات على جميع الجبهات، مع إصرارها على إدراج حلفائها في لبنان ضمن هذا الوقف، وهو أمر ترفضه الولايات المتحدة وتؤكد أن الساحة اللبنانية غير مشمولة في هذه التفاهمات.
أما في الشقين النووي والاقتصادي، فتشير الباحثة إلى أن المقترح يتضمن مطالبات بانتزاع اعتراف صريح بحق إيران في التخصيب النووي، مقترناً بإنهاء كافة القرارات السابقة الصادرة بحقها من مجلس الأمن الدولي ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. واقتصادياً، تسعى طهران إلى تحقيق تعافٍ شامل عبر المطالبة بالرفع الكامل والجذري للعقوبات، بشقيها الأولي والثانوي، والإفراج الفوري عن أصولها المالية المجمدة. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل مطالبة طهران بتلقي تعويضات مالية لجبر الضرر عن الخسائر الناتجة عن الحرب لتمويل عمليات إعادة الإعمار.
ولفتت جبريل النظر إلى أنه من المرجح أن تتجه مسارات التفاوض في إسلام آباد نحو محاولة إيجاد أرضية مشتركة بين هذه المطالب، حيث ستتركز النقاشات على تقليص الفجوة بين الشروط الإيرانية (التي وصفتها وسائل الإعلام الغربية بأنها ستواجه عقبات كبرى خاصة في ملفات الانسحاب الأمريكي والتعويضات والنووي) وبين الرؤية الأمريكية التي تسعى لتهذيب هذه النقاط وتحويلها إلى بنود واقعية قابلة للتنفيذ على الأرض.
جدل مضيق هرمز
وتؤكد الباحثة إلى أن مضيق هرمز لن يكون متاحاً للجميع بحرية مطلقة كما كان في المعتاد، بل سيخضع لآلية انتقائية وصارمة،
تشير المعطيات إلى تحول جذري في وضع المضيق خلال فترة الهدنة، حيث سينتقل من كونه ممراً ملاحياً دولياً مفتوحاً إلى ممر يخضع لما وصفه بيان المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بـ “العبور الآمن والمحكوم”. هذا يعني أن حرية الملاحة ستكون مشروطة بالإشراف والتنسيق الكامل والمسبق مع القوات المسلحة الإيرانية، مع الالتزام التام بما يُسمى “القيود الفنية”، وهو ما أكده وزير الخارجية عباس عراقجي حين أشار إلى أن هذا التنسيق والعبور المحكوم سيكونان ساريين ومتاحين مبدئياً لمدة أسبوعين.
وتشير جبريل أن هذه القيود الفنية والأمنية تعود بشكل أساسي إلى التداعيات الميدانية للوضع الحربي الأخير في مياه الخليج. فقد أصدرت القوة البحرية للحرس الثوري تحذيرات صريحة من احتمالية وجود ألغام بحرية مضادة للسفن في المسار الرئيسي للتردد نتيجة للعمليات العسكرية بين أواخر فبراير وأوائل أبريل. وبناءً على ذلك، ولضمان سلامة السفن وتجنب الاصطدام بالألغام، تم إيقاف العمل بالمسارات المعتادة وإجبار السفن على استخدام مسارات بديلة ومحددة بدقة؛ حيث حُدد مسار الدخول من بحر عُمان نحو الشمال عبر منطقة جزيرة لارك ثم إلى الخليج، بينما حُدد مسار الخروج بالمرور من جنوب جزيرة لارك نحو بحر عُمان، ولا يُسمح بأي عبور إلا بتنسيق مسبق لضمان السير في هذه الممرات الآمنة.
وتوضح الباحثة أنه على الصعيد الاستراتيجي، يتجاوز الأمر مجرد الإجراءات الأمنية المؤقتة ليؤسس لواقع سياسي جديد، وهو ما عبر عنه المعاون السياسي للقوة البحرية للحرس الثوري، محمد أكبرزاده. التصريحات تؤكد وجود إجماع إيراني داخلي على فرض “نظام حقوقي جديد” للمنطقة، يعطي طهران الصلاحية الحصرية والمباشرة لتحديد هوية السفن التي يُسمح لها بالعبور، بل وتحديد النفط الذي يُسمح بتصديره.
إقرأ أيضاً: فرنسا تشدد على إدراج لبنان في أي هدنة وتدعو إيران للتخلي عن النووي
الهدنة خطة لإنهاء الصراع أم فخ عسكري قادم؟
من وجهة نظر جبريل أنه في التحليل الاستراتيجي، الهدنات في النزاعات المعقدة (خاصة تلك التي تجمع بين قوى كبرى ودولة إقليمية مثل إيران) نادرًا ما تكون نهاية للصراع بحد ذاتها، بل هي “أداة ضمن الصراع”.
وأضافت أنه بعد انتهاء الهدنة، هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة:
أولًا، استئناف التصعيد العسكري بشكل أكثر حدة:
إذا لم تُترجم الهدنة إلى اتفاق سياسي واضح، فمن المرجح أن تعود العمليات العسكرية بوتيرة أعلى. ذلك لأن كل طرف يستغل الهدنة لإعادة التموضع، إصلاح الأضرار، جمع المعلومات الاستخباراتية، وتحسين جاهزيته. في هذا السياق، قد تتحول الهدنة فعليًا إلى “فاصل عملياتي” وليس خطوة نحو السلام.
ثانيًا، تحول تدريجي نحو مفاوضات أوسع:
إذا كانت هناك قنوات خلفية نشطة (Backchannels) وضغوط دولية، فقد تُستخدم الهدنة كنقطة دخول لمسار تفاوضي أشمل. لكن هذا يتطلب تنازلات متبادلة، وهو أمر معقد في الحالة الإيرانية بسبب تشابك الملف النووي، والنفوذ الإقليمي، والعقوبات.
ثالثًا، هدنة ممتدة بلا حل (تجميد الصراع):
وهذا سيناريو شائع، حيث لا حرب شاملة ولا سلام فعلي. يستمر التوتر، مع ضربات محدودة أو حروب بالوكالة، دون انفجار كبير.
بالتالي، الهدنة ليست بالضرورة “فخًا عسكريًا” بالمعنى المباشر، لكنها غالبًا مرحلة إعادة تشكيل للقوة. وإذا غابت الإرادة السياسية للتسوية، فهي تميل لأن تكون تمهيدًا لجولة جديدة من الصراع، لا نهايته.
النصر لإيران ام لأمريكا
وأوضحت الباحثة أن هذا التناقض الظاهري يعكس طبيعة الحروب الحديثة، حيث يُقاس مفهوم “النصر” وفق أهداف كل طرف المختلفة وليس فقط وفق نتيجة ميدانية واحدة. كل طرف يعيد تعريف الانتصار بما يتوافق مع استراتيجيته الوطنية والسياسية.
وقالت أنه من منظور الولايات المتحدة، تُعتبر الهدنة نجاحًا إذا تمكنت من تحقيق واحد أو أكثر من أهداف محددة. أولها احتواء التصعيد ومنع المنطقة من الانزلاق إلى حرب شاملة مكلفة. ثانيها إجبار إيران على التراجع التكتيكي، سواء عبر وقف بعض العمليات أو تخفيف أنشطتها الميدانية. وأخيرًا، إعادة تثبيت الردع الأمريكي دون الانزلاق إلى صراع طويل الأمد. لذلك، يُسوَّق الوصول إلى وقف إطلاق النار بعد الضغط العسكري على أنه دليل على الفعالية والهيمنة الأمريكية.
أما من منظور إيران، فقد قالت جبريل أن الهدنة تُقاس بشكل مختلف تمامًا. الصمود أمام القوة الأمريكية يُعد انتصارًا استراتيجيًا بحد ذاته في خطابها السياسي. كما أن عدم تقديم تنازلات جوهرية، خاصة في الملفات الحساسة مثل السيادة والبرنامج النووي، يُعزز موقفها. إضافة إلى ذلك، إثبات القدرة على الرد والتأثير الإقليمي رغم العقوبات والضغوط يعكس قوة النظام واستمراريته. في هذا السياق، مجرد بقاء النظام دون أن يُكسر يُعتبر “هزيمة للخصم”، حتى إذا لم تحقق إيران مكاسب ميدانية واضحة.



