تقارير

تقلبات حادة في الأسواق وعودة مخاطر إمدادات النفط

في واحدة من أكثر الجلسات تقلبا منذ بداية التصعيد في الشرق الأوسط، استيقظت الأسواق العالمية ي على واقع مختلف تماما عما بدا عليه المشهد قبل 24 ساعة فقط، فبعد أن روج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوجود “نقاط اتفاق كبيرة” ومحادثات بناءة مع طهران، جاء الرد الإيراني سريعا وحاسما لينفي بشكل قاطع وجود أي مفاوضات، وهو ما شكل صدمة حقيقية للأسواق وأعاد تسعير المخاطر فورا، وأطاح بحالة التفاؤل المؤقتة التي سادت يوم الاثنين، حيث لم يعد المستثمرون يعتمدون على التصريحات السياسية بقدر اعتمادهم على التطورات الفعلية على الأرض، وهو ما انعكس مباشرة على حركة الأسواق العالمية.

في سوق الطاقة، كانت الاستجابة فورية وحادة، إذ قفزت أسعار خام برنت بنسبة 4.55% لتغلق عند 104.49 دولار للبرميل بعد أن كانت قد هبطت بأكثر من 10% في الجلسة السابقة، كما ارتفع خام غرب تكساس بنسبة 4.79% ليصل إلى 92.35 دولار، ويعود هذا الارتفاع القوي إلى عودة ما يعرف بعلاوة الحرب إلى الأسعار، مدفوعة بمخاوف حقيقية تتعلق بالإمدادات العالمية، خاصة مع استمرار الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، حيث أكدت إيران أنها لن تعيد فتح المضيق بشكل كامل إلا بعد وقف الضربات الأمريكية والإسرائيلية، ما يعني أن خطر نقص الإمدادات لا يزال قائما بل ويتصاعد، وهو ما أعاد التوتر إلى الأسواق بعد أن تراجع بشكل مؤقت.

اقرأ أيضاً:في إسلام آباد.. هل تنهي المفاوضات المباشرة صراع واشنطن وطهران؟

بالتوازي مع النفي السياسي، صعدت طهران ميدانيا من خلال إطلاق موجات جديدة من الصواريخ باتجاه إسرائيل والعراق، وهو ما زاد من قلق المستثمرين بشأن احتمالات استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية في المنطقة، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة سيناريوهات التصعيد الواسع، ونسف فعليا فكرة التهدئة المؤقتة التي ظهرت عقب إعلان ترامب تأجيل الضربات الأمريكية لمدة خمسة أيام، حيث بدا واضحا أن النزاع لا يزال بعيدا عن أي حل دبلوماسي حقيقي، وأن احتمالات التصعيد لا تزال قائمة بقوة.

كما كشفت بيانات صادرة عن بورصة إنتركونتيننتال عن رهانات ضخمة على هبوط أسعار النفط تراوحت قيمتها بين 500 و800 مليون دولار، تم تنفيذها قبل دقائق فقط من إعلان ترامب يوم الاثنين، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول احتمال وجود تسريبات أو توقعات مسبقة داخل السوق، خاصة مع التراجع الحاد الذي حدث في الأسعار آنذاك، إلا أن نفي إيران أعاد قلب المعادلة مجددا، حيث تعرضت هذه المراكز لضغوط كبيرة مع عودة الأسعار إلى الارتفاع، ما يعكس حجم التقلبات غير المسبوقة التي تشهدها الأسواق في ظل هذا النزاع.

أما في أوروبا، فقد عكست حركة الأسواق حالة من الحذر الشديد، حيث بدأ مؤشر الأسهم الأوروبية الشامل جلسة الثلاثاء على ارتفاع طفيف بنحو 0.4% قبل أن يفقد زخمه تدريجيا ويغلق على استقرار أو انخفاض محدود، كما تحرك مؤشر الأسهم الألمانية في نطاق ضيق بعد بداية إيجابية، وكذلك الحال بالنسبة لمؤشر الأسهم الفرنسية، في حين حافظ مؤشر الأسهم البريطانية على استقرار نسبي، ويعكس هذا الأداء التباين الواضح في ردود فعل المستثمرين، إذ دعم تأجيل الضربات الأمريكية قطاعات مثل السياحة والمالية خلال جلسة الاثنين، بينما أعاد نفي إيران اليوم التركيز على مخاطر الطاقة والتصعيد العسكري، وهو ما حدّ من أي مكاسب إضافية.

قطاع الطاقة والتعدين في أوروبا تعرض لضغوط واضحة نتيجة المخاوف من اضطراب الإمدادات، خاصة في ظل اعتماد القارة بشكل كبير على واردات الشرق الأوسط، في المقابل شهدت أسهم شركات الدفاع والتكنولوجيا بعض الدعم النسبي مع استمرار التوتر، حيث يلجأ المستثمرون عادة إلى هذه القطاعات في أوقات عدم اليقين الجيوسياسي، وهو ما يعكس إعادة توزيع الاستثمارات داخل السوق وفقا لمستوى المخاطر.

وعلى المستوى الاقتصادي الأوسع، فإن تداعيات هذه التطورات لا تقتصر على الأسواق المالية فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد الكلي، إذ تشير التقديرات إلى أن استمرار إغلاق مضيق هرمز لأسابيع إضافية قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 120 و130 دولارا للبرميل، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بنسبة قد تصل إلى 50%، إضافة إلى زيادة الضغوط التضخمية في أوروبا، الأمر الذي قد يدفع البنك المركزي الأوروبي إلى تأجيل خططه لخفض أسعار الفائدة، كما شهد الدولار ارتفاعا طفيفا مقابل اليورو مع توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة في ظل حالة عدم اليقين.

ورغم هذا التصعيد، لا تزال هناك رهانات على إمكانية التوصل إلى حل دبلوماسي من خلال وساطات محتملة تقودها دول مثل تركيا وباكستان ومصر، التي أبدت استعدادها لاستضافة محادثات بين الأطراف، إلا أن المعطيات الحالية تشير إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحا هو استمرار التقلبات، خاصة إذا استمرت العمليات العسكرية أو تم إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل، وهو ما قد يدفع الأسواق الأوروبية إلى تسجيل خسائر تتجاوز 5% خلال فترة قصيرة.

وفي السياق ذاته، قال الدكتور أحد شوقي، الخبير الاقتصادي، إن الأسواق العالمية تشهد في الفترة الحالية حالة من الحساسية الشديدة تجاه الأخبار والتصريحات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على تحركات أسعار النفط والذهب والعملات، موضحًا أن الطلب العالمي على النفط لا يزال عند مستويات مرتفعة، وهو ما يدعم عودة الأسعار للارتفاع على المدى المتوسط، رغم التذبذب الحالي الذي دفع الأسعار للانخفاض من مستويات قاربت 120 دولارًا إلى حدود 99 دولارًا قبل أن تعاود الارتداد.

وأضاف أن جزءًا كبيرًا من تحركات السوق يرتبط بعمليات مضاربة وتفاعل سريع مع الأخبار أكثر من ارتباطه بالبيانات الاقتصادية الفعلية، لافتًا إلى أن هذا السلوك يدفع المستثمرين في أوقات عدم اليقين إلى التوجه نحو الأصول الآمنة وعالية السيولة، وعلى رأسها الدولار الأمريكي، وهو ما يفسر ارتفاع مؤشر الدولار خلال الفترة الأخيرة.

وأوضح شوقي أن توجه الاحتياطي الفيدرالي نحو تثبيت أسعار الفائدة يعزز من قوة الدولار نسبيًا، خاصة في ظل استمرار الضغوط التضخمية وعدم وضوح الرؤية بشأن خفض الفائدة في المدى القريب، الأمر الذي ينعكس بدوره على تراجع عملات أخرى مثل اليورو، ويؤثر على تنافسية الصادرات الأوروبية.

وفيما يتعلق بالذهب، أشار إلى أنه رغم كونه أحد أهم الملاذات الآمنة، إلا أنه قد يشهد تراجعات مؤقتة في ظل قوة الدولار، موضحًا أن الانخفاض الأخير من مستويات مرتفعة قرب 5000 إلى نحو 4400 يُعد حركة تصحيحية طبيعية في ظل تغيرات مراكز المستثمرين.

وأكد أن فترات الأزمات الجيوسياسية تدفع رؤوس الأموال عالميًا إلى التحول نحو الأصول الأكثر استقرارًا، كما أن ظهور أسواق موازية للعملات الأجنبية يُعد مؤشرًا على وجود ضغوط اقتصادية داخلية غير صحية.

وعلى الجانب السياسي أشار الدكتور راشد صلاح إلى أن المشهد الحالي في الشرق الأوسط يعكس حالة من السيولة الجيوسياسية غير المسبوقة، حيث لم تعد التصريحات الرسمية وحدها كافية لطمأنة الأسواق أو تهدئة المخاوف، بل أصبحت التطورات الميدانية هي العامل الحاسم في تشكيل اتجاهات المستثمرين وصناع القرار على حد سواء. ولفت إلى أن التباين بين الخطاب السياسي الأمريكي والنفي الإيراني يعكس فجوة ثقة متزايدة، تجعل أي إشارات إيجابية قابلة للانهيار سريعًا أمام أي تطور مضاد.

وأوضح أن استمرار هذا النوع من التصعيد غير المباشر بين الأطراف الرئيسية يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة، قد لا تنحصر فقط في نطاق المواجهة العسكرية، بل تمتد إلى حرب اقتصادية غير معلنة تؤثر على سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في قطاع الطاقة. وأضاف أن مضيق هرمز يظل نقطة الاختبار الأهم لمدى قدرة القوى الدولية على احتواء الأزمة، نظرًا لكونه شريانًا حيويًا لا يمكن تعويضه بسهولة.

كما أشار إلى أن سلوك الأسواق يعكس بوضوح تراجع ثقة المستثمرين في استقرار البيئة السياسية، حيث باتت التحركات المالية أكثر حساسية للأخبار اللحظية، وهو ما يزيد من حدة التقلبات ويضعف من قدرة الأسواق على تكوين اتجاهات مستقرة على المدى القصير. وبيّن أن هذا النمط من التفاعل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المخاطر الجيوسياسية أصبحت جزءًا أساسيًا من معادلة التسعير العالمية.

وأضاف أن الأطراف الإقليمية والدولية قد تجد نفسها مضطرة خلال الفترة المقبلة إلى تكثيف جهود الوساطة، ليس فقط بهدف الوصول إلى اتفاق سياسي شامل، ولكن أيضًا لتفادي الانزلاق نحو مواجهة أوسع قد تكون تكلفتها الاقتصادية باهظة على الجميع. وأكد أن نجاح هذه الوساطات مرهون بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، وهو ما لا يبدو واضحًا حتى الآن.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى