تقارير

هل ينهي ترامب الحرب وتخرج طهران منتصرة؟

بعد أسابيع من التصعيد العسكري الذي هز أسواق الطاقة وأشعل التوتر في الشرق الأوسط ظهر أول خيط سياسي محتمل لإنهاء الحرب، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن واشنطن وطهران اقتربتا من التوصل إلى نقاط اتفاق كبيرة بعد محادثات وصفها بالقوية للغاية ما قد يمهد الطريق لتسوية محتملة للصراع

يأتي هذا التطور بعد أن هدد ترامب يوم السبت بتدمير محطات الكهرباء الإيرانية إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز خلال 48 ساعة. لكنه تراجع  وأجل أي ضربات على شبكة الطاقة والبنية التحتية لمدة خمسة أيام، قائلاً إن المحادثات “منتجة”. ورفض الكشف عن الطرف الإيراني الذي يتحدث معه، لكنه أكد أنه “ليس المرشد الأعلى آية الله مجتبى خامنئي”، مضيفاً: “إيران ما زال لديها بعض القادة المتبقين.. نحن نتعامل مع الرجل الذي أعتقد أنه الأكثر احتراماً والذي يمثل القائد”.

وكانت طهران قد هددت برد قاسٍ إذا استهدفت الولايات المتحدة محطات الكهرباء، بما في ذلك ضرب محطات الطاقة في إسرائيل والقواعد الأمريكية في الخليج. وينظر إلى التأجيل الأمريكي في أوساط إيرانية  رغم الإنكار الرسمي على أنه “انتصار” أولي، إذ نجحت طهران في إجبار واشنطن على التراجع عن تهديد مباشر بعد إغلاق مضيق هرمز.

اقرأ أيضاً:السعودية توسع خدمات الشحن البحري لمواجهة اضطرابات مضيق هرمز

الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل معاً في 28 فبراير أسفرت حتى الآن عن مقتل أكثر من ألفي شخص، وأغلقت إيران مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. وأدى ذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، واضطراب الأسواق العالمية، ومخاوف من تضخم عالمي. ورداً على التهديد الأمريكي بضرب محطات الكهرباء، حذرت طهران من كارثة إنسانية تطال عمليات تحلية المياه في دول الخليج. أما رد فعل الأسواق اليوم فكان فورياً،حيث تراجعت أسعار برنت بشدة، انخفض الدولار، وارتفعت أسواق الأسهم.

ترامب يؤجل تهديداته وإسرائيل متابعة المباحثات مع إيران

كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية أن تصريحات دونالد ترامب بشأن المباحثات مع إيران لم تكن مفاجئة لتل أبيب إذ كانت إسرائيل على دراية مسبقة بوجود هذه الاتصالات كما تعلم أن واشنطن تجري تواصلا مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ونقل موقع واي نت التابع للصحيفة عن مصدر إسرائيلي أن تل أبيب أُبلغت بقرار ترامب تأجيل إنذاره الأخير موضحا أن الإدارة الأمريكية طلبت أيضا من إسرائيل وقف استهداف محطات الطاقة ومنشآت البنية التحتية الإيرانية مؤقتا وأشار المصدر إلى أن الأمر لم يُحسم بشكل كامل بعد لكن فكرة الإنذار تم تعليقها في الوقت الحالي لافتا إلى أن تراجع ترامب جاء بعدما أدرك أن هذا الإنذار كان من شأنه تعقيد الوضع أكثر وبحسب المصدر ذاته فإن هذه التطورات لا تعني بالضرورة اقتراب نهاية الحرب مؤكدا أن ترامب لم ينسحب بشكل كامل حتى وإن بدا أنه يسعى إلى تقليص خسائره مضيفا أن نجاح الوسطاء في التوصل إلى تفاهم مبدئي مع طهران بشأن إعادة فتح مضيق هرمز قد يفتح الباب لإنهاء الحرب إلا أن تحقيق ذلك لا يزال غير مضمون.

هل طهران منتصرة حتى الآن

رغم التفاؤل الأمريكي، يرى مراقبون أن طهران قد تخرج “منتصرة” نسبياً. فالنظام نجا من الهدف الأصلي لتغيير النظام، أجبر أمريكا على التفاوض بعد أسابيع قليلة، وأعاد فتح هرمز كورقة تفاوض. أما ترامب فيسعى لـ”صفقة تاريخية” تُعلن انتصاراً انتخابياً قبل أن تتحول الحرب إلى مستنقع. لكن الواقع أصعب و  الحرب أصبحت أقرب “لعبة فيديو” في عصر الذكاء الاصطناعي والسوشيال ميديا كما وصفها البعض ، حيث يفقد العالم القدرة على التعاطف مع آلاف الضحايا. التمرير السريع بين الميمز والانفجارات يخدر الضمير، ويجعل القادة يستفيدون من “الانتصارات الافتراضية”.

في السياق ذاته ، يرى أحمد الدسوقي المحلل السياسي أن التطورات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران تمثل نقطة تحول دقيقة في مسار الحرب الدائرة منذ 28 فبراير، مؤكداً أن تأجيل ترامب لأي ضربة على محطات الطاقة الإيرانية يعكس اعترافاً ضمنياً بأن المواجهة العسكرية المباشرة لم تعد الخيار الأمثل، وأن المفاوضات السياسية أصبحت ضرورة ملحة لتفادي تصعيد أكبر في المنطقة. ويضيف الدسوقي أن التراجع الأمريكي لا يعني بالضرورة انسحاباً كاملاً، لكنه خطوة استراتيجية لكسب الوقت وتحقيق مكاسب سياسية قبل الدخول في مواجهة أوسع.

ويشير الدسوقي إلى أن طهران استفادت من هذا التأجيل بشكل واضح، إذ نجحت في إجبار واشنطن على التفاوض بعد إغلاق مضيق هرمز، مما يعكس قدرة إيران على فرض قواعد الاشتباك في المنطقة، وهو ما يمكن اعتباره انتصاراً نسبياً من الناحية السياسية والدبلوماسية. ويضيف أن الاستمرار في التواصل مع شخصيات إيرانية غير المرشد الأعلى يعكس رغبة الولايات المتحدة في فتح قنوات تفاوض بديلة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تكون مدمرة على عدة أصعدة.

ويؤكد الدسوقي أن الأسواق العالمية تأثرت بشكل كبير بهذه الحرب، وأن أي تصعيد جديد قد يفاقم أزمة الطاقة والاقتصاد العالمي، لذا فإن التحرك الأمريكي نحو الحل السياسي يهدف أيضاً إلى تهدئة الأسواق واحتواء المخاطر الاقتصادية، وليس فقط لتجنب الخسائر العسكرية. ويرى أن هذا الجانب الاقتصادي يعد جزءاً مهماً من استراتيجية واشنطن للضغط على إيران دون الدخول في مواجهة شاملة.

ويختتم الدسوقي تحليله بأن الواقع على الأرض معقد للغاية، وأن أي تقييم للانتصار أو الهزيمة في الوقت الحالي يجب أن يأخذ في الاعتبار العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية معاً، مشدداً على أن استمرار الصمود الإيراني وإجبار الولايات المتحدة على التفاوض يمثل درساً استراتيجياً لكل الأطراف في كيفية إدارة الصراع الدولي في عصر تتداخل فيه الحرب والسياسة والإعلام بشكل غير مسبوق.

من جانبه يرى زهير سعدا المحلل السياسي أن تأجيل ترامب لضرب محطات الطاقة الإيرانية يعكس تراجعاً استراتيجياً ويمنح إيران فرصة لتعزيز موقفها التفاوضي. ويضيف أن الصمود الإيراني أجبر واشنطن على الدخول في حوار غير مباشر، مما يعكس قدرة النظام على فرض شروطه ولو جزئياً.

ويشير سعدا إلى أن التحرك الأمريكي يهدف أيضاً إلى احتواء تداعيات الحرب الاقتصادية على أسواق الطاقة، مؤكداً أن أي تصعيد جديد قد يزيد الضغوط العالمية. ويرى أن الطابع الإعلامي للصراع يحوّل الحرب إلى صراع افتراضي، حيث تُحسب الانتصارات والهزائم إعلامياً أكثر من نتائج الميدان.

وأضاف سعدا أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والعمليات العسكرية عن بعد جعلت الحرب أكثر ابتعاداً عن الواقع الميداني، مما يمنح الأطراف القدرة على إعادة صياغة النتائج وتقديمها بشكل إعلامي مقنع رغم الأضرار البشرية الحقيقية. ويشير إلى أن هذه الديناميكية تتيح لإيران وللولايات المتحدة إدارة الأزمة بطريقة تقلل من المخاطر المباشرة لكنها تزيد التعقيد السياسي والاستراتيجي في المنطقة.

وأردف سعدا أن المرحلة المقبلة ستعتمد بشكل كبير على قدرة الوسطاء والدبلوماسية الإقليمية على تحويل الصمود الإيراني وتحركات واشنطن إلى اتفاقيات قابلة للتنفيذ، موضحاً أن أي فشل في هذه المساعي قد يؤدي إلى تجدد التصعيد مع انعكاسات واسعة على الأمن الإقليمي والأسواق العالمية والطاقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى