7 رؤساء وزراء في 10 سنوات.. هل تواجه بريطانيا أزمة قيادة سياسية؟

شهدت بريطانيا تغيرات متلاحقة في قيادة الحكومة خلال العقد الممتد من عام 2016 إلى 2026، مع تعاقب رؤساء الوزراء وسط أزمات سياسية واقتصادية وانقسامات داخل الأحزاب الكبرى. وأعادت هذه التحولات طرح تساؤلات بشأن قدرة النظام السياسي على تحقيق الاستقرار وضمان استمرارية السياسات العامة، حتى مع امتلاك الحزب الحاكم أغلبية برلمانية واسعة.
وبحسب تحليل نشره موقع «إن دي تي في» الهندي، تعكس التغييرات المتكررة تصاعد الإحباط الشعبي بسبب ضعف النمو الاقتصادي، والضغوط على الخدمات العامة، والمخاوف المتعلقة بالهجرة، إلى جانب تراجع الثقة في القيادات السياسية.
تغيّر الحكومات يعرقل استمرارية السياسات
تؤدي التغييرات المتكررة في رئاسة الوزراء إلى إعادة تشكيل الفريق الحكومي، ما قد يضعف الخبرة المتراكمة لدى الوزراء ويعطل تنفيذ الخطط طويلة الأمد.
وفي تحليل لصحيفة «الغارديان»، استشهد الكاتب السياسي البريطاني توم كلارك بشهادة غوْس أودونيل، السكرتير السابق لمجلس الوزراء، الذي عاصر انتقال السلطة بين عدد من رؤساء الحكومات.
وأوضح أودونيل أن الوزراء يحتاجون إلى البقاء في مناصبهم فترة كافية لفهم الملفات التي يديرونها والإحاطة بتفاصيلها. وضرب مثالًا بملف المعاشات التقاعدية، الذي يتطلب تخطيطًا يمتد سنوات طويلة، مشيرًا إلى تعاقب 9 وزراء مسؤولين عنه خلال 5 سنوات في إحدى المراحل.
ولا يقتصر أثر تغيير رئيس الوزراء على منصب واحد، إذ قد يمتد إلى عدد كبير من الوزراء والمستشارين، ما يضع الحكومة أمام فريق جديد يحتاج إلى الوقت لاكتساب الخبرة وفهم آليات العمل داخل مقر رئاسة الوزراء.
رؤساء الوزراء السبعة في بريطانيا
1. ديفيد كاميرون (2010–2016)
غادر كاميرون رئاسة الحكومة عقب تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في استفتاء 23 يونيو/حزيران 2016، رغم دعمه البقاء ضمن الاتحاد.
وكان كاميرون قد دعا إلى الاستفتاء في محاولة لحسم الخلاف بشأن علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي، لكن النتيجة جاءت مخالفة لموقفه، فأعلن استقالته في الشهر نفسه، لتبدأ مرحلة من الاضطراب السياسي المرتبط بملف «بريكست».
2. تيريزا ماي (2016–2019)
تولت ماي رئاسة الحكومة خلفًا لكاميرون، وكان التحدي الرئيسي أمامها تنفيذ نتيجة الاستفتاء والتفاوض على اتفاق الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.
لكن اتفاقها واجه معارضة واسعة داخل البرلمان، بما في ذلك من نواب حزب المحافظين، كما أضعف فقدانها الأغلبية البرلمانية في انتخابات 2017 قدرتها على تمريره.
ومع تصاعد الخلافات والضغوط الداخلية، أعلنت في مايو/أيار 2019 عزمها التنحي عن قيادة الحزب، وغادرت رئاسة الحكومة في يوليو/تموز.
3. بوريس جونسون (2019–2022)
وصل جونسون إلى السلطة بعد فوز المحافظين في انتخابات ديسمبر/كانون الأول 2019، مستندًا إلى تعهده بإتمام «بريكست».
لكن حكومته واجهت أزمات متلاحقة، من أبرزها فضيحة التجمعات التي أُقيمت في مقار حكومية خلال فترة قيود جائحة كورونا، والمعروفة باسم «بارتي غيت»، إلى جانب انتقادات تتعلق بالشفافية والانضباط الحكومي.
وفي يوليو/تموز 2022، تصاعدت الضغوط عليه عقب استقالة عدد من الوزراء والمسؤولين، فأعلن تنحيه عن قيادة حزب المحافظين، قبل أن يغادر رئاسة الوزراء في سبتمبر/أيلول من العام نفسه.
4. ليز تراس (2022)
لم تستمر تراس في منصبها سوى 49 يومًا، لتسجل أقصر مدة لرئيس وزراء في التاريخ البريطاني الحديث.
وأثارت خطتها الاقتصادية، التي تضمنت تخفيضات ضريبية واسعة دون توضيح مصادر التمويل، اضطرابًا في الأسواق المالية، وهبوطًا في قيمة الجنيه الإسترليني، وارتفاعًا في تكاليف الاقتراض.
واضطرت الحكومة إلى التراجع عن أجزاء رئيسية من الخطة، بينما تراجع دعم نواب حزبها لها، لتنتهي ولايتها بإعلان استقالتها في أكتوبر/تشرين الأول 2022.
5. ريشي سوناك (2022–2024)
تولى سوناك رئاسة الحكومة في أكتوبر/تشرين الأول 2022، في محاولة لاستعادة الاستقرار بعد أزمة تراس.
لكنه ورث اقتصادًا يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف النمو، وحزبًا محافظًا تضررت صورته بسبب الأزمات المتكررة وتغير القيادات.
وعلى الرغم من تركيز حكومته على خفض التضخم وتحسين الاقتصاد والخدمات العامة، لم يتمكن من استعادة ثقة قطاعات واسعة من الناخبين. وفي الانتخابات العامة في يوليو/تموز 2024، حقق حزب العمال فوزًا كبيرًا، بينما تكبد المحافظون هزيمة انتخابية واسعة، فأعلن سوناك استقالته من قيادة الحزب.
6. كير ستارمر (2024–2026)
وصل ستارمر إلى السلطة في يوليو/تموز 2024، بعد فوز حزب العمال بأغلبية كبيرة في مجلس العموم، منهيةً 14 عامًا من حكم المحافظين.
لكن الأغلبية البرلمانية لم تتحول إلى دعم شعبي مستقر، إذ واجهت حكومته انتقادات بسبب قرارات مثيرة للجدل، والتراجع عن بعض السياسات، واستمرار الضغوط على مستويات المعيشة.
ومع تراجع شعبية الحزب وتصاعد مخاوف النواب بشأن فرصهم الانتخابية، ازدادت المطالب داخل حزب العمال بتغيير القيادة. وفي 22 يونيو/حزيران 2026، أعلن ستارمر تنحيه تحت ضغط من نواب حزبه، بعد أقل من عامين على فوزه الانتخابي.
7. آندي بيرنهام (2026–حتى الآن)
تولى بيرنهام رئاسة الحكومة في 20 يوليو/تموز 2026، وفقًا للمقال، بعد انتخابه زعيمًا لحزب العمال خلفًا لستارمر.
وكان بيرنهام قد شغل منصب عمدة مانشستر الكبرى منذ عام 2017، وجاء انتقاله إلى رئاسة الحكومة عبر تغيير قيادة الحزب الحاكم، لا من خلال انتخابات عامة جديدة، في صورة تعكس طبيعة النظام البرلماني البريطاني الذي يسمح بتغيير رئيس الوزراء دون العودة المباشرة إلى الناخبين.
ويواجه بيرنهام تحدي استعادة الثقة بالحكومة، ومعالجة الانقسامات السياسية والضغوط الاقتصادية التي أسهمت في رحيل سلفه.
التهديد بالإقالة يضعف أداء الحكومات
لا تقتصر تداعيات عدم الاستقرار على تغيير رئيس الوزراء فعليًا، بل يمكن أن يؤدي التهديد المستمر بإقالته إلى تعطيل العمل الحكومي وإضعاف القدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأمد.
وتبرز تجربة تيريزا ماي مثالًا على ذلك؛ فبعد خسارة المحافظين أغلبيتهم البرلمانية في انتخابات يونيو/حزيران 2017، ظل مستقبلها السياسي موضع شك خلال العامين الأخيرين من رئاستها للحكومة.
ووفقًا للتحليل الذي نشرته «الغارديان»، يرى حليفها السابق داميان غرين أن الضغوط السياسية حدّت من قدرتها على التركيز في الملفات الاجتماعية بعيدة المدى، بعدما أصبح بقاؤها في المنصب مرتبطًا بدرجة كبيرة بالتوصل إلى اتفاق بشأن «بريكست».
أزمة القيادة سبقت العقد الأخير
يرى التحليل أن الاضطراب السياسي في بريطانيا ليس ظاهرة جديدة. فخلال فترة تولي جون ميجور رئاسة الوزراء، شهدت البلاد أزمة «الأربعاء الأسود» عام 1992، عندما تعرض الجنيه الإسترليني لضغوط حادة دفعت بريطانيا إلى الخروج من آلية سعر الصرف الأوروبية.
وتستعيد جيل رتر، الموظفة الحكومية السابقة التي عملت في وحدة السياسات بمقر رئاسة الوزراء، أجواء تلك المرحلة، مشيرة إلى أن الشكوك والصراعات السياسية أثرت في قدرة الحكومة على التفكير الاستراتيجي وتحويل أهداف رئيس الوزراء إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
وتوضح هذه التجارب أن الانشغال المستمر بمعارك البقاء السياسي قد يصرف الحكومات عن معالجة القضايا الأساسية، ويجعل اتخاذ القرارات بعيدة المدى أكثر صعوبة.
عدم الاستقرار السياسي يرفع الكلفة الاقتصادية
يحمل الاضطراب السياسي تداعيات اقتصادية تتجاوز حدود العمل الحكومي. وينقل توم كلارك عن الاقتصادي بول جونسون أن بريطانيا تواجه ضغوطًا متزايدة في أسواق السندات، وتتحمل تكاليف إضافية لخدمة ديونها مقارنة بما كانت ستدفعه لو اقترضت بتكاليف مماثلة لتلك التي تواجهها دول أخرى.
وظهرت هذه الكلفة بصورة واضحة خلال أزمة الأسواق في عهد ليز تراس، عندما أثارت خطتها الاقتصادية مخاوف المستثمرين ورفعت تكاليف الاقتراض.
ويخلص التحليل إلى أن التغييرات المتكررة في القيادة، إلى جانب الانقسامات الحزبية وضعف الثقة الشعبية، قد تعرقل استمرارية السياسات وتزيد الضغوط الاقتصادية. وتبقى قدرة الحكومات البريطانية على تحقيق الاستقرار مرتبطة بمدى نجاحها في استعادة ثقة الناخبين، وتقديم حلول طويلة الأمد للمشكلات التي تواجه البلاد.



