تقارير

يهود إيران في إسرائيل: “قوة ناعمة” أم “رهينة استراتيجية”؟

كتبت: هدير البحيري

تجد الجالية اليهودية ذات الأصول الإيرانية نفسها اليوم في قلب مواجهة عسكرية مباشرة تجاوزت حدود “حرب الظل” التقليدية بين طهران وتل أبيب. فبينما تتصاعد الضربات المتبادلة، يتحول تاريخ هذه الجالية الممتد لأكثر من ألفي عام إلى مادة شائكة؛ إذ يضعها الصراع على خط تماس مفتوح تتداخل فيه الهوية بالتاريخ، وتتحول فيه الروابط الثقافية العميقة إلى عبء سياسي ثقيل في زمن التصعيد.

ويتوزع هذا الثقل الديموغرافي بين جغرافيتين متباعدتين؛ ففي إسرائيل، استقر نحو 300 ألف مواطن من أصول إيرانية، بعد موجات هجرة بدأت في منتصف القرن العشرين وتسارعت وتيرتها عقب الثورة الإسلامية عام 1979، حيث اندمجوا بشكل كامل في النسيج الإسرائيلي.

وفي المقابل، لا يزال أحد أقدم التجمعات اليهودية في الشرق الأوسط قائمًا داخل إيران، ويقدر عدد أفراده بنحو عشرة آلاف شخص، يتركزون في مدن طهران وشيراز وأصفهان، حيث يحافظون على حياة دينية واجتماعية نشطة ومؤسسات تعليمية تعكس استمرارية حضورهم التاريخي.

ورغم هذا التجذر الذي يعود إلى عهد كوروش الفارسي عام 539 قبل الميلاد، يعيش “يهود فارس” أو “الطيالسة” واقعًا حساسًا يفرض عليهم الابتعاد عن الانخراط السياسي المباشر، باستثناء تمثيلهم المحدود في البرلمان الإيراني.

وفي ظل اشتداد الأزمات، تحرص الجالية في الداخل على تأكيد ولائها الوطني لتفادي أي شكوك بشأن علاقتها بإسرائيل؛ وهو توجه تجلى تاريخيًا في مشاركتهم في الحرب العراقية الإيرانية، ويظهر اليوم عبر دعمهم العلني لسياسات الدولة، في محاولة للحفاظ على توازن دقيق يضمن بقاءهم داخل وطنهم الأم وسط أمواج السياسة المتلاطمة.

يهود إيران في إسرائيل: صراع الهوية بين “وطن الجذور” و”دولة المواطنة

يرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية، عمر محمد أن الجالية اليهودية ذات الأصول الإيرانية باتت اليوم من أكثر المكونات اندماجاً في المجتمع الإسرائيلي، رغم تراجع ثقلها الاقتصادي الذي ميزها في عقود سابقة.

ويستذكر محمد، في حديثه لـ “داي نيوز”، الدور المحوري للمهاجرين الأوائل الذين حولوا أسواق تل أبيب إلى مراكز لتجارة التوابل الفارسية، وبرزوا في قطاعات حيوية كالألماس والاستثمار العقاري.

ويوضح محمد أنه على الرغم من هذا الانحسار الاقتصادي النسبي، فإن التأثير الثقافي للجالية لا يزال ممتدًا بقوة؛ إذ تحظى الثقافة الفارسية، بموسيقاها ومطبخها، باعتراف واسع في التيار العام، وهو ما يتجلى بوضوح في بروز نجمات غناء يمثلن امتداداً لهذا الحضور الثقافي العريق.

وفيما يخص التعامل مع الصورة الذهنية لإيران، يشير الباحث في الشؤون الإسرائيلية إلى أن أفراد الجالية يعتمدون استراتيجية “الفصل الواضح”؛ فهم يميزون بين الشعب والثقافة الإيرانية من جهة، والنظام السياسي من جهة أخرى، ما يتيح لهم الحفاظ على ارتباطهم بجذورهم دون الاصطدام بالسردية السائدة التي تصنف طهران كدولة معادية.

أما عن وقع التوترات الراهنة، فيلفت عمر محمد إلى أن التصعيد العسكري الأخير —لا سيما منذ أحداث يونيو 2025— عزز مشاعر العداء لدى البعض تجاه طهران، خاصة في أعقاب حملة الاعتقالات التي شنتها السلطات الإيرانية ضد شخصيات يهودية وحاخامات بتهمة التواصل مع أقاربهم في إسرائيل.

ويشير محمد إلى أن الجالية تعيش انقسامًا واضحًا تفرضه “فجوة الأجيال”؛ فالجيل المؤسس الذي وُلد في إيران ما زال يحمل حنينًا عميقًا لمرحلة ما قبل الثورة، حين كانت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية أكثر استقرارًا.

في المقابل، يتبنى الجيل الذي نشأ في إسرائيل رؤية أمنية خالصة، تتماهى مع الخطاب الرسمي تجاه البرنامج النووي الإيراني وطبيعة النظام الحاكم، ما يعمق التباين في تصورات الجانبين تجاه جذورهم الأولى ودولتهم الحالية.

ويؤكد الباحث أن الجالية لا تعيش في معزل عن الانقسامات الداخلية الإسرائيلية، بل تعكس التباينات السياسية والدينية والعلمانية الموجودة في المجتمع.

كما يستعرض محمد التحديات الاجتماعية التاريخية، موضحًا أن يهود إيران واجهوا في السابق أشكالًا من التمييز، حيث جرى تصنيفهم كـ “فارسيين” قبل استيعابهم الكامل في الهوية اليهودية الأوسع.

وفي بعد استراتيجي، يوضح محمد أن الدولة العبرية توظف الجالية ولغتها الفارسية كأداة “قوة ناعمة”؛ وهو ما يظهر في رسائل رؤساء الوزراء بذكرى “النوروز” أو إدارة حسابات أمنية بالفارسية لمخاطبة الشعب الإيراني، مشيرًا إلى أن هذا الاستخدام يظل ذا طابع رمزي لترسيخ رسالة مفادها أن الصراع ليس مع الشعوب.

ويؤكد محمد أن الجالية، رغم غياب إطار حزبي مستقل يمثلها على غرار ما فعله مهاجرو الاتحاد السوفيتي بتأسيس حزب “إسرائيل بيتنا”، استطاعت تعزيز حضورها داخل مراكز النفوذ من خلال اندماج أفرادها في المؤسسات الكبرى.

ويشير إلى نماذج وصلت إلى مواقع قيادية رفيعة، مثل الرئيس الأسبق موشيه كاتساف، ووزير الدفاع شاؤول موفاز، ورئيس الأركان دان حالوتس، معتبرًا أن هذا النفوذ تشكل من داخل بنية النظام السياسي لا من خارجه.

يهود إيران في “عين العاصفة”: ورقة تفاوض أم قناة اختراق؟

وتقول الباحثة في الشؤون الإيرانية، إسراء جبريل، في حديثها لـ “داي نيوز” إن طهران تتعامل مع ملف الجالية اليهودية ذات الأصول الإيرانية بحذر أمني بالغ، يتجاوز التصنيف الديني المعتاد.

وتوضح جبريل أن السلطات الإيرانية تنظر إلى هؤلاء ليس فقط بوصفهم “أقلية دينية”، بل كجزء من نسيج دولة تصنفها “خصمًا مباشرًا”، وهو ما يجعل الجالية تعيش تحت مجهر التمييز التقليدي الذي تضعه طهران بين “اليهودية كديانة” و”الصهيونية كحركة سياسية”.

وتلفت الباحثة إلى أن الأجهزة الأمنية الإيرانية تتعامل مع الروابط العائلية والثقافية العابرة للحدود كـ “ثغرة محتملة” للاختراق الاستخباراتي، حتى في غياب أدلة على نشاط معادٍ.

ورغم أن القرارات الاستراتيجية في طهران تبنى على حسابات عسكرية وجيوسياسية صرفة، إلا أن جبريل تؤكد أن “التأثير غير المباشر” للجالية حاضر بقوة؛ إذ توظف مواقفهم في الخطاب الرسمي لإثبات أن صراع إيران ينحصر مع “الكيان السياسي” لإسرائيل لا مع الدين اليهودي.

وتستشهد جبريل بمواقف رمزية لتعزيز هذه الرؤية، منها تصريحات الحاخام الأكبر في إيران، “هاراو جرامي”، خلال تجمع شعبي في يونيو 2025، حين شدد على وقوف الجالية في خندق واحد مع الحكومة دفاعًا عن الأرض، مؤكدًا أن تعاليمهم ترفض “العدوان والعنصرية”.

كما تبرز مواقف ممثل اليهود في البرلمان، “همايون ساميح”، الذي لم يكتف بإعلان تمنياته بالنصر لإيران في مواجهات 2025، بل وجه تحذيرات صارمة لأبناء جاليته من التفاعل مع الإعلام الإسرائيلي عبر منصات التواصل، بعد أن أدت “تفاعلات بسيطة” كالإعجاب أو التعليق إلى استدعاءات أمنية وحالات سوء فهم.

وتشرح جبريل أن هذا المشهد يعكس صراعًا بين “إرث فارسي” قديم يحظى بمكانة إيجابية في الذاكرة الدينية، وبين “انتماء قومي حديث” تفرضه حدود الدول.

هذا التداخل يجعل من الصعب أحيانًا الفصل بين البعد الثقافي والسياسي في ظل الصراع المفتوح.

وتذهب جبريل في حديثها إلى أبعد من الصراع السياسي، مشيرة إلى أن “بلاد فارس” تحتل مكانة إيجابية فريدة داخل الذاكرة الدينية اليهودية؛ فهي في الوعي الجمعي ليست “أرض عدو تاريخي”، بل ترتبط في النصوص المقدسة بمفاهيم “الخلاص والنجاة”.

وتستشهد جبريل بالحقبة التاريخية للملك كوروش الكبير، الذي أنهى السبي البابلي وسمح لليهود بالعودة، وصولًا إلى أحداث “عيد البوريم” وقصة الملكة إستير التي دارت فصولها داخل الإمبراطورية الفارسية ولا تزال تستحضر سنويًا كرمز للبقاء.

وتوضح جبريل أن هذا الموروث الديني يجعل من “فارس” جزءًا أصيلًا من الوعي اليهودي بوصفها أرضًا احتضنتهم في مراحل مفصلية من تاريخهم، وهو ما يخلق -حسب وصفها- حالة من “الارتباك الهوياتي” لدى الجالية؛ حيث يصطدم هذا الإرث الروحاني الإيجابي بالواقع السياسي المعاصر الذي يصور إيران ككيان معادٍ.

أما على مستوى السيناريوهات المستقبلية، فترسم جبريل ملامح أربعة مسارات رئيسية قد تلجأ إليها طهران؛ تبدأ بشن حملات “دعاية مضادة” ترتكز على عقد مقارنات علنية بين ما تصفه بـ “الاستقرار” الذي ينعم به يهود إيران وحالة الحرب وعدم الاستقرار التي يعيشها نظراؤهم في إسرائيل.

ويتزامن ذلك مع توجه لتكثيف “التوظيف الإعلامي” عبر تصدير الشخصيات اليهودية الرافضة للسياسات الإسرائيلية، في محاولة لتعزيز الجبهة الداخلية وإثبات التماسك الوطني.

وعلى الصعيد الميداني، تتوقع جبريل أن يفرض الجانب الإيراني “تشديدًا أمنيًا” غير مسبوق، يتمثل في رقابة صارمة على أي شكل من أشكال التواصل الخارجي لمنع أي قنوات اتصال مفترضة مع تل أبيب، مع إمكانية تحويل الملف برمته إلى “ورقة تفاوضية” تستخدم كأداة ضغط أو لبعث رسائل ضمنية في جولات التفاوض الكبرى خلال فترات التصعيد الحاد.

وتختم جبريل حديثها بالإشارة إلى أن القيادة الإيرانية تحرص على “هندسة” هذا الملف بحذر شديد؛ فهي بينما تبرز مشاركة الجالية اليهودية في الفعاليات الوطنية لإظهار الوحدة الداخلية، تتجنب في الوقت ذاته تضخيم القضية على الصعيد الدولي، خشية تحولها إلى “نقطة ضغط حقوقية” قد تستغلها أطراف خارجية للتدخل في الشأن الإيراني.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى